الرأي

مفرد بصيغة الجمع

حسن البصري

زار وزير التعليم الأسبق، محمد الوفا رحمه الله إحدى المدارس المركزية في قرية بإقليم الحوز بشكل مفاجئ. توقفت سيارته غير بعيد عن المدرسة وتقدم بخطى متثاقلة نحو بابها المهترئ، سأل عن المدير فقيل له إنه منشغل بزيارة مدرسة فرعية في دائرة نفوذه، فجأة حل رئيس جمعية الآباء بالمؤسسة بعدما تلقى إشعارا بوجود الوزير في ساحة المدرسة، من مخبر متجول بين الدواوير. أخرج من جيب سترته مفتاح مكتب المدير ودعا معاليه لالتقاط الأنفاس بعد عناء السفر.
شرع رئيس جمعية آباء التلاميذ في سرد مهامه السياسية والجمعوية كنادل مطعم يعرض أمام زبون لائحة الوجبات. قال إنه يشغل منصب رئيس الجماعة القروية ويمثل السكان في مجلس المستشارين وينوب عنهم في المجلس الإقليمي ويرأس منذ سنوات جمعية لتسمين الدواجن ويشغل منصب كاتب فرع حزب المحراث، وقبل أن يواصل سرد باقي المناصب والمسؤوليات استوقفه الوفا بحسه الساخر وطلب منه أن يأخذ نفسا ويبلل ريقه بالماء قبل استئناف تقديم سيرته الذاتية.
هذه القصة الواقعية على طرافتها، تحاكي الكثير من الواقع المعيش في بلدنا حيث لا يجد البعض حرجا في الجمع بين المسؤوليات وإن تباعدت أو تشابكت، فحالة التنافي مجرد فزاعة في حقول المناصب ومراتع الامتيازات.
في الاجتماع الوزاري الأخير الذي ترأسه الملك محمد السادس بفاس، تمت المصادقة على تخليق المشهد السياسي وتعزيز الشفافية وعقلنة الانتدابات الانتخابية، من خلال التنصيص على تنافي صفة برلماني مع رئاسة مجلس جماعي إذا كان عدد سكان الجماعة يفوق 300 ألف نسمة.
أوشك مسلسل تفريخ المناصب على نهايته، وقريبا سيرفع حكم الشرط رايته معلنا حالة تسلل كلما جمع مسؤول بين منصب ومنصب، علما أن المسؤول سيكون حتما قد أنجب من هذين المنصبين مناصب كثيرة. وبإلقاء نظرة على المشهد الكروي لتكتمل رؤية أقصى حالات التنافي، سنجد أنفسنا أمام كائنات متعددة بطاقات الزيارة، رئيس فريق ورئيس مجلس جماعي وبرلماني ورئيس عصبة ورئيس جمعية للتبرع بدم الآخرين وعضو شرفي في هيئة للرفق بالحيوان.
كما في بعض سيناريوهات أفلام «الأكشن» الكروي، يتقمص الممثل دورين على الأقل خلال مسلسل واحد، وفي مشاهد اللعبة المجنونة يموت البطل ثم تراه في النسخة الثانية من الفيلم، كذلك في مجلس الغمة ومجالس الجماعات وجمعيات حماية المال السائب. يتقلد الرجل هذه المناصب بالتدريج وفي غفلة من الجميع وأحيانا يجمع وظائفه في يوم في شهر في سنة، ويدعي أنه يرعى أسرته في أوقات الفراغ.
حالات التنافي كثيرة في ملاعب الكرة وقد توازي حالات التسلل، ومكافحتها لا تتأتى بنصوص قانونية قابلة للترويض، بل بإرادة سياسية تعيد توزيع كعكة المناصب على نحو جديد، فمنصات الملاعب وقبة البرلمان ومكاتب المقاطعات ليست باحات استراحة أو فضاءات للاستمتاع بالقيلولة. وقانون الولايتين لا يمكن أن يتحول إلى ورود بلاستيكية تزين البيت الرياضي.
صحيح أن النفس أمارة بالمناصب، وأن كثيرا من رؤساء الفرق كانوا بالأمس القريب يخشون من نظرة غاضبة على تقاسيم وجه مقدم الحي، قبل أن تحملهم الكرة إلى الوجاهة فيدخلون مكاتب العمال والولاة والوزراء دون موعد مسبق، وحين ينبش أبناء الحي في سيرتهم يأمرون كتائبهم بالقيام بمناورات قبالة الفضاء الأزرق يستعمل فيها الرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للشموع.
بإمكانكم أيها السادة الاعتذار عن تحمل أعباء جديدة، ولو بنصيحة من طبيب مسالك سياسية، بإمكانكم إيجاد ألف مبرر لمكافحة «الستريس» والاكتفاء بمنصب وحيد على مقاسكم يريحكم ويريح العلبة الصوتية لهاتفكم المسكين، لكن لا بأس من استشارة طبيب نفساني لأن الفرق بين تساقط المناصب وتساقط الشعر يكمن في حجم الاكتئاب الذي يلازم الحالتين معا.
قبل أن تعرف أوربا تعدد الأحزاب، سبقها العرب إلى تعدد الزوجات لهذا فإننا لا نتقدم إلا في السن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى