
في زمنٍ صار الحب يُقاس بقدرة «البزطام» على الاحتمال، والزواج يُناقَش بمنطق «آش غادي تزيدني؟»، لم يعد غريبا أن يتحول اختيار شريك الحياة إلى ما يشبه مناقصة خدمات. هنا رجل يُطلَب منه أن يكون صرافًا آليًا ذا قلبٍ إضافي، وهناك امرأةٌ يُفترَض فيها أن تكون آلة لغسل الأواني، ومصنعًا لإنتاج الأطفال مع خدمة ابتسامةٍ مجانية طوال الوقت. والمؤسف أن هذا الانحدار لا يُقدَّم بوصفه خللًا في الوعي، بل بوصفه «واقعية» ونضجًا، وكأن النضج أن نقتل المعنى قبل أن يبدأ.
هذه المعايير ليست سطحية فحسب، بل جارحة في عمقها؛ لأنها لا ترى الإنسان إنسانا، بل أداة. إن اختزال الرجل في المال يعني تحويل قيمته إلى رقمٍ قابل للزيادة والنقصان، فإن ارتفع دخله ارتفعت منزلته، وإن تعثّر سقط من الحسابات العاطفية كما يسقط تطبيقٌ لم يعد يعمل. واختزال المرأة في الخدمة المنزلية والإنجاب يعني سلبها هويتها وملامحها وطموحها، ثم تسميتها بصفةٍ واحدة: «التي تهتم» وكأن الاهتمام وظيفة وليس علاقة، وكأن التعب قدرٌ أنثوي لا يحق له الاعتراض.
الخطر الأكبر أن هذه المعايير تؤسس لعلاقة لا تعترف بالمحبة إلا بوصفها «مقابلًا». حين يصبح المال شرطًا للحب، يصبح الحب أجرة مستترة. وحين تصبح الخدمة المنزلية معيارًا للقبول، تصبح المشاعر امتدادًا لمهام التنظيف والترتيب. هنا لا يعود السؤال: هل نفهم بعضنا؟ بل: هل يصلح هذا الشخص لتغطية الثغرات اليومية؟ ولذلك تنهار هذه العلاقات عند أول اختبار طبيعي: مرض، ضغط، فقدان وظيفة، إرهاق، أو حتى اختلاف بسيط.. لأن العلاقة لم تُبنَ على إنسانٍ كامل، بل على دورٍ محدد؛ وإذا تعطّل الدور تعطّلت العلاقة.
ومن زاويةٍ نفسية واجتماعية، فإن هذا الانحراف لا يولد من فراغ. إنّه نتيجة تراكمات تربوية وثقافية تُرسّخ داخل الأذهان مفهوم «الاستحقاق». طفلٌ يرى أباه يتعامل مع البيت كأنه محطة استراحة، ويشاهد أمه تعمل بصمتٍ متواصل، سيكبر وهو مقتنع بأن راحته الطبيعية تُصنع بأيدي الآخرين. وطفلةٌ تُربّى على أن الأمان لا يتحقق إلا عبر رجلٍ ينفق، ستكبر وهي تخشى الاستقلال كما يخشى البعض السير دون مظلة في عاصفة. هكذا يتحول الزواج إلى أداة تعويض: المرأة تعوض نقص الأمان المالي، والرجل يعوض نقص المهارات الحياتية. والنتيجة علاقة لا تقوم على الحب، بل على سدّ العجز.
لهذا السبب تصبح تربية الذكور على ثقافة العمل المنزلي ضرورة حضارية لا تفصيلًا هامشيًا. فالرجل الذي يتعلم منذ الصغر أن ترتيب الفراش ليس إهانة، وأن غسل الصحون ليس إنقاصًا من شأنه، وأن الطبخ مهارة وليس وصمة، لن يبحث في المستقبل عن زوجة بوصفها «حلاًّ جاهزًا» لمشكلاته اليومية. إنه سيبحث عن شريكة تضيف إلى حياته معنى، لا من تُسكت فيها فوضاه. والفرق جوهري: الرجل المكتفي بذاته لا يدخل العلاقة مستهلكًا، بل شريكًا.
وفي المقابل، فإن تربية الإناث على الاستقلال المادي ليست إعلان حرب على الزواج ولا دعوة إلى القسوة، بل حماية للحب من الابتزاز. الفتاة، التي تملك قدرتها على الإنفاق وتؤمن أن كرامتها ليست رهينة جيب أحد، تختار الرجل لأنها ترغب فيه، لا لأنها تحتاجه. وحين يغيب الاحتياج القهري، يولد الحب الصحي: حبٌّ لا يساوم، ولا يفرض الامتنان ولا يشترط الصمت مقابل المصروف. الاستقلال هنا ليس قطيعة مع الرجل، بل قطيعة مع الخوف.
ولكي نكون منصفين، لا أحد ينكر أن المال مهم وأن إدارة البيت مهمة، لكن الخطأ ليس في أهمية الأشياء بل في تحويلها إلى معيار وحيد. المال يجب أن يكون وسيلة لتيسير الحياة لا ورقة لامتلاك الآخر. والبيت يجب أن يكون مساحة مشتركة لا سجنًا ملونًا باسم «الأنوثة». عندما يصبح كل طرف مسؤولًا عن حياته، تتحول العلاقة من صفقة خدمات إلى مشروع إنساني: بيتٌ يقوم على التعاون، لا على الاستغلال؛ وعلى الاحترام لا على توزيع الأدوار كأنها أحكام نهائية.
إن الثقافة التي تُنتج رجلًا لا يعرف أن يعيش دون خادمة، تُنتج أيضًا امرأةً تتعب ثم تُلام لأنها تعبت. والثقافة التي تُنتج امرأةً تبحث عن بنكٍ يمشي على قدمين، تُنتج رجلًا يشعر دائمًا أنه ممول لا محبوب. وفي الحالتين، يخسر الطرفان: أحدهما يُستنزف والآخر يُستعمل، ثم يسمّيان ذلك «زواجًا ناجحًا» ما دام البيت قائمًا مثل مبنى بلا روح.
إن الخلل ليس في الرجل ولا في المرأة بقدر ما هو في التصورات الموروثة. الزواج ليس عقد توظيف، والحب ليس خدمة ما بعد البيع. الشراكة الحقيقية هي أن يقف اثنان جنبًا إلى جنب، لا أن يقف أحدهما فوق الآخر. وعندما نربي الذكور على المسؤولية المنزلية، ونربي الإناث على الاستقلال المالي، سنحرر العلاقة من منطق الاستعمال، ونستعيد معناها الطبيعي: اختيار شريك حياة ورفيق درب، لا «ݣيشي أوتوماتيك أو ماكينة ديال الماعن».




