
زينب بنموسى
ليست كل الوقائع وليدة المنافسة الرياضية، ولا كل الصراعات نابعة من داخل الملعب. أحيانا، تكون المباراة مجرد واجهة لحرب إعلامية أكبر، وتتحول الكرة إلى أداة في معارك سردية أوسع، حيث يعلو الصراخ لأن الأمر لا يتعلق بتسعين دقيقة، بل بصورة بلد اختار أن ينجح وأن يضع نفسه في موقع المقارنة، وهو موقع لا يُغتفر في قارتنا.
وفي هذه السياقات، لا تُقاس المباريات بالأهداف، وتصبح الرياضة مجرد امتداد للصراع حول الشرعية الرمزية: من يملك حق النجاح؟ ومن يُسمح له بأن يُقدَّم كنموذج؟ هنا تتحول الملاعب إلى فضاءات لإنتاج المعنى، لا فقط لتبادل الكرات.
للفهم أكثر، لا بد من العودة لكرونولوجيا الأحداث… قبل الصافرة الأولى، بدأ التحضير الحقيقي. لم يكن تقنيا ولا رياضيا فحسب، بل سرديا بامتياز. وُضعت أسس اشتغال تنتمي بوضوح إلى نظرية إعادة السرد Framing Theory، التي تفترض أن التحكم في زاوية الرؤية يسبق التحكم في الوقائع، وأن التشكيك الممنهج قادر على تفريغ أي إنجاز من دلالته، مهما كان متينا.
كان الهدف واضحا: إدخال كل ما سيقع داخل منطق الهجوم، وإغراق المغرب في دوامة تبريرية لا تنتهي عبر استراتيجية «نزع الأنسنة» عن المنجز الوطني.
فوز المغرب يجب أن يُقدَّم باعتباره نتيجة كولسة وترتيبات خفية، لا ثمرة تنظيم وأداء. وأي تعثر محتمل يُحوَّل تلقائيا إلى دليل إضافي على مؤامرة مفترضة.
هكذا تُدار الحروب السردية: إضعاف معنى النجاح نفسه.
فقبل الموعد، بدأت تتناسل فيديوهات وتخمينات عن كون الملعب مجرد ذكاء اصطناعي، وأن التجهيزات «فوطوشوب». استطاعت الجزائر إقناع من يعجزهم السفر من مواطنيها بذلك، لكن المعضلة كانت في الباقين، خاصة الجالية التي سافرت وجاءت لترى بأم أعينها أن دولتها كاذبة، وأن الملعب ذكاء بشري، وأن المغرب، صحيح ما عندو لا بترول لا غاز، لكنه يملك une raison d’Etatلا تُقايَض بثروات بلاد العسكر.
وحين تنهار الرواية أمام العين المجردة، لا يبقى سوى خيار واحد: التشويش بدل النفي. توجيه الرواية منذ اليوم الأول لما بعد الحدث، وإطلاق دورة جديدة من إعادة التأطير. انطلقت الحملة الإعلامية، وبدأت ماكينة لم يكن هدفها كرة القدم، بل تفكيك صورة. والضرب كان شاملا: في التنظيم، في الذمة، في الأداء وفي المشروع الوطني برمته. تصريحات استباقية، ضجيج متعمد وصراخ متكرر هدفه واحد: نزع الشرعية عن النتيجة وعن البلد المنظم قبل أن تدور الكرة.
تجاوز الرهان حدود المباريات، إلى ما تمثله من تحول رمزي داخل إفريقيا. فـ«الكان» لم يكن بالنسبة لنا هدفا في ذاته، بل هو أشبه بمحطة تدريبية في مسار التحضير لكأس العالم. تجربة لا تختبر المنتخب فقط، بقدر ما تختبر الدولة وقدرتها على التنظيم تحت الضغط، وعلى تحويل حدث رياضي إلى تمرين في Nation Branding وبناء القوة الناعمة.
ولو سارت الأمور إلى غير ما سارت إليه -ولا أريد الدخول في تفاصيل كيف ولماذا- لكان السؤال اليوم عن أهلية بلد بأكمله لتحمل رهانات كبرى. وهنا جوهر الإشكال. ما أزعج خصوم هذا المسار ليست ركلة جزاء، بل نجاح المغرب في سياق إقليمي متوتر في استعراض عضلاته التنظيمية من خلال اللوجيستيك وضبط النفس، وتسويق صورة دولة قادرة على تحويل الرياضة إلى رافعة تنظيمية وسيادية، وإلى مورد من موارد الشرعية الرمزية. دولة نجحت في التموقع داخل إفريقيا الرسمية والعالم، حيث تُقاس القدرة بالفعل المؤسساتي، في مقابل فاعلين لا يزال اشتغالهم محصورا في إفريقيا غير الرسمية، حيث تُصاغ الانطباعات قبل الوقائع. ولهذا، هم اليوم — وأنا نحلف ونتوما قولوا الله أعلم — يتوقون إلى نقل الصراع من حيزه الرياضي إلى مستويات أخرى، لأنهم يدركون أن المعركة الحقيقية لم تكن يوما في الملعب، بل في إعادة توزيع المكانة والرمزية داخل الفضاء الإفريقي وحتى العالم.
الدعوة، إذن، ليست للتلاسن الكروي ولا للفرجة، بل للاصطفاف الواعي. سيهدأ الغضب، وحينها سيتضح أن من كان يتربص في الخلفية لم يكن معنيا بالميدان ولا بالكرة، بل بمشروع أوسع وأقدم، ولا جواب على هذا التربص إلا عبر «مانيفيستو» مواطنة واعية، مفاده:
نعم، خسرنا الكأس، والغصة مؤلمة، لكننا ربحنا وعيا جماعيا حقيقيا؛ فقد اكتشف المغاربة أن بلدهم جميل وإمكانياته هائلة، وأن فيه Potentiel حقيقيا للبناء ظل لسنوات مُقيدا بتغول الفساد، وهو ما نُبه إليه مرارا في الخطابات الملكية.
«الكان» انتهى، لكن نهضتنا لا يجب أن تنتهي معه. رهاننا اليوم داخلي بالدرجة الأولى، والمطلوب هو نقل «روح الاستثناء» من المدرجات إلى المؤسسات، لتتحول كل القطاعات إلى ما يشبه «تيران مولاي عبد الله»؛ صرامة في التخطيط، شفافية في المحاسبة وربط مقدس بين الميزانية والنتائج. وأن يُصرف كل سنتيم من المال العام حيث يجب صرفه، ويحاسب كل مسؤول كلاعب أضاع هدفا في شوط حاسم. وكما الصحراء المغربية هي نظاراتنا التي نرى بها علاقاتنا الخارجية، فإن الجدية التي أدارت البطولة، والتي ستنظم كأس العالم، يجب أن تصبح هي المعيار الأوحد لسياستنا الداخلية.
فاستووا يرحمكم الله، ورصّوا الصفوف خلف هذا الوطن!
كونوا له جنودا مجندة ضد الرداءة، وضد الأبواق المعادية وضد الأصدقاء الزائفين والمسؤولين الفاسدين. وأول اختبار حقيقي لذلك هو الاستحقاقات الانتخابية القادمة، فماذا سنفعل؟ نقاطع الشبابيك؟ أم نذهب جماعة لنختار: إما مغرب ما قبل هذه اللحظة، وعدمية مطلقة في التعاطي مع محطات التغيير الحقيقية أو مغرب آخر يعانق مواطنيه ويعانقونه، ويجد فيهم سدا منيعا أمام كل محاولة إفساد، داخلية كانت أو خارجية. هذا هو الرهان.
وتلك مباراة أخرى. لنتابعها…





