
يونس جنوحي
المرة الأولى التي استُعملت فيها هذه العبارة في الشأن العام المغربي، كانت في برلمان سنة 1963.
كان المؤرخ عبد الكريم الفيلالي «يعيش» داخل هذا البرلمان، يتأبط الملفات، ويخلط بين المقالات التي كان يرسلها إلى الصحف، وبين المرافعات النارية التي كان يضايق بها وزراء حكومة باحنيني.
وفي إحدى الجلسات، «أبدع» الفيلالي، وبدأ يصرخ في وجه النواب والوزراء، متسائلا عن مصدر ثروة عدد من السياسيين -وبعضهم كانوا من أصدقائه- صائحا: «من أين لك هذا؟».
كان لهذه العبارة وقع سحري. وبرلمان ذلك الوقت لم تكن به «قُبة»، وإلا لكان رجع الصدى في أذن الفيلالي، رحمه الله، أقوى وأشد.
دعا الفيلالي إلى تفعيل قانون أسماه «من أين لك هذا» لمحاسبة المسؤولين من «طارئي النعمة». ومع مرور الوقت، لم يبحث أحد عن الجواب، لكن «الفيلالي» دخل التاريخ، وغادر البرلمان، وطلّق الحياة السياسية بالثلاث، ولازم مكتبته وتفرغ للتأليف، وسهر على «التاريخ السياسي للمغرب العربي الكبير».
دخل الفيلالي التاريخ باعتباره صاحب الفكرة ومُبدع العبارة. لكن اتضح لاحقا أن مؤرخنا كان «مفتونا» بالشرق. وهو أمر طبيعي بالنسبة إلى رجل قومي، درس في الشرق، وأنشأ صداقات مع المصريين واللبنانيين، وتولى التنسيق بين علماء الجزائر والملك الراحل محمد الخامس.
في العام 1951، استُعملت عبارة «من أين لك هذا»، لأول مرة في لبنان، وأطلقها السياسي الراحل كمال جنبلاط، بل وجعلها عنوانا لبرنامجه السياسي، وأحرج بها رئيس البلاد في زمن الأبيض والأسود، بشارة خوري. المشروع كان يبدو إصلاحيا، لكن جنبلاط كان يلوح بالمنديل مثيرا انتباه «الثور» إلى الحافة..
مات جنبلاط، ولا أحد عرف من أين لأثرياء لبنان الذين أطلقوا المشاريع التجارية في أمريكا، بثروتهم.
في العام 1952، صدر فيلم في مصر، ازدحم الناس في قاعات السينما لمشاهدته، ولا بد أن الفيلالي كان أحدهم، لأن الفيلم يحمل عنوان «من أين لك هذا؟».
وهذا السؤال طرحه وقتها إسماعيل ياسين، وفريد شوقي، ومديحة يسري، ومحمد فوزي، وآخرون وأخريات..
وقصة الفيلم تدور حول شاب مصري يدرس في كلية الطب، ويعيش مع عالم متخصص في الكيمياء، اخترع تركيبة تجعل الإنسان غير مرئي، فأخذها الطالب لكي يصل إلى قلب خطيبته التي كان والدها يريد تزويجها لرجل ثري، حتى لو كان مصدر ثروته مشبوها..
عبد الكريم الفيلالي كان في شبابه يحظى بعناية خاصة من الملك الراحل محمد الخامس، بحكم أنه وُلد في القصر الملكي سنة 1927. وبحكم أنه قضى طفولته في أروقة القصر، فقد كان مسكونا بمسألة ترتيب الأرشيف، والاطلاع على المخطوطات المخزنية القديمة، وقرر أن يصبح مؤرخا.
وتأتى له هذا الأمر فعلا، وحظي بدعم الملكين محمد الخامس، ثم الحسن الثاني بعد ذلك.
لكن مشكلة الفيلالي أنه كان يهاجم خصومه في كتاباته، حتى بعد أن غادر البرلمان والسياسة. وأصبح عدد أعدائه أكبر بكثير من أعداد نسخ الكتب التي ألفها، ما نُشر منها وما لم يُنشر..
رحل الفيلالي سنة 2013، وفي قلبه غصة، وترك خلفه أرشيفا هائلا من الوثائق.. حتى أن الرجل يستحق صفة أكاديمية لم يسبقه إليها أحد في القرن الحادي والعشرين، وهي أنه أول من وضع لائحة بعناوين كتبه التي لم تجد طريقها إلى النشر، ونشرها بجانب الفهرس، داخل الكتب المنشورة. من أين له بهذه الفكرة؟ هذا هو السؤال.





