الرأي

من حماة إلى غزة (1)

بقلم: خالص جلبي

 

جاءتني هذه الرسالة من الأرض المحتلة من )مروان أبو شريعة( أرجو أن يتسع لها صدر القارئ؛ للدلالة على أن مشكلتنا هي داخلية بحتة، وأنه لولا انهيار الجهاز المناعي الداخلي ما ولدت إسرائيل، وأن نتنياهو لو قتل يهوديا واحدا ما بقي في كرسيه ساعة واحدة!

أنقل هذا في ضوء ما جاءني من شاهد عيان، يروي بعد مرور حوالي أربعين سنة على كارثة حماة في سوريا وهو يوثق لقتل 43000 (ثلاثة وأربعون ألف مدني)، مع سوق أربعين ألفا للاعتقالات (من سن 15 حتى 60)، ليموت منهم عشرون ألفا بالتعذيب والتجويع والإهانة والحرمان من كل حق للإنسان. ويقول شاهد العيان هذا وهو الطبيب (اللبواني) إنه رأى حشر 200 طفل ليقتلهم أحد الزبانية، تحت دعوى أن الأفعى لا تولد إلا أفعى، وسيكونون مثل آبائهم، ويروي من التفنن في التعذيب وضع رأس الموقوف في جهاز (يسمونه في سوريا الملزمة) وهي آلة تمسك الشيء وتحت ضغط حديدي من الجانبين، مثلما يفعل البناؤون لمسك الحديد وليه، ليضغط المحقق على جمجمة المتهم؛ فإما باح أو تفجرت جمجمته وخلال دقائق حتى لا يضيع وقته الثمين! وهي أساليب تذكر بمحاكم التفتيش من العصور الوسطى. كلها في شهادات على جو من الرعب والفزع الأعظم من انتهاكات حقوق الإنسان، بما استطاع رجل أمن من داخل النظام الأسدي توثيقها، هو المدعو قيصر بـ55 ألف صورة، عن قتل أكثر من عشرة آلاف بالتعذيب. وكلها تقول إن مشكلتنا داخلية بحتة، وإنه في مثل رواندا وسوريا وغيرهما يجب أن يتدخل المجتمع الدولى، وإن لزم بالقوة المسلحة لمنع حصول مثل هذه الفظائع المترعة بالألم الأعظم، والمهانة التي ما بعدها مهانة، وهو ما يفهمنا مقدار التفجر لاحقا، كما يجعلنا نفهم معنى الجهاد بشرطه القتالي المسلح، للدفاع عن المظلوم، أينما كان ومهما دان، من خلال قوة مخولة، وبنية حسنة، ولقضية عادلة، وكآخر خيار (كما جاء في كتاب «الحرب والأخلاق» لديفيد فيشر (من سلسلة «عالم المعرفة»، العدد 414 يوليوز 2014م)، لإنقاذ عباد الله من إبادات جماعية، وتطهير عرقي، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب، التي تقف اللغة عن وصفها، ويصاب الإنسان بقشعريرة في جلده، وقدرا متصاعدا من الإحباط في معنى هذا الكائن الذي وصفته الملائكة وهي تتساءل عن جدوى خلقه؛ فقالت «أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟».

هنا ينفع أن نقف أمام آية سورة «الحج»، أذن للذين يقاتلون أنهم ظلموا. وإن الله يدافع عن الذين آمنوا. فعلينا إذن أن نقارن بما يحدث في ظل الاحتلال الإسرائيلي، وما يحدث عندنا من الاستبداد الداخلي، وهي آفة مثل الجذام والقراد والطاعون والكورونا المتوطن في معظم جنبات عالم العروبة! ما يقرب من تفهم وضعنا الكارثي، وأن مثل النظام الأسدي في سوريا هو ضرب من الاستبداد يتواضع أمامه أي احتلال خارجي؛ فقد قتل الإنسان والزمان والمكان والبيئة والعلم والأخلاق، بل والأمل في الحياة والمعنى في جدوى وجود الإنسان بالأصل.

أضع هذه الرسالة بين يدي القارئ في حلقتين؛ ليعرف إلى أين وصلت الأمور عندنا وعندهم وأترك الحكم له. وهذا يعني وبعمق أن أمامنا مهمة ليست بالقصيرة ولا السهلة للتخلص من الاستبداد الداخلي قبل الاحتلال الخارجي، وأن الاستقلال في معظم بلادنا كذبة كبيرة، وهو ما أسميه أنا بعبارة موجزة عن الفرق بين الاستبداد الداخلي مقابل الاحتلال الخارجي (البعثي الطائفي مقابل الاحتلال الصهيوني)، ما يشبه في عالم الطب الفرق بين (السرطان) و(الالتهاب) في أربعة مظاهر: من الألم والوضوح والعلاج والمصير؛ فالالتهاب واضح المعالم من الاحمرار والانتباج والانتباه لوقوعه والألم مع ترقيه وسرعة علاجه وبساطتها، بل وحتى الشفاء الذاتي مثل التهاب الجلد واحمراره ووذمته وكفاية صاد حيوي للقضاء عليه، مقابل السرطان غامض المظاهر، خبيث التطور، وغير مؤلم في البداية، فإذا تم تشخيصه تعقدت طرق علاجه بين الجراحة والأشعة والعلاج الكيماوي، بما يحمل من قيء وغثيان ووهن وتساقط شعر وملامح وجه هو للموت أقرب، وهذا هو الوضع العربي اليوم وهي مسألة وقت لحصول الكارثة، كما رأينا في كارثة الجثة السورية والليبية والعراقية، من انهيار الدولة الكامل، وتسليم البلد إلى الأجنبي للقوزاق والفرس، كما هو وضع الغابة وهجوم الضواري للافتراس والعض والنهش.

الآن سأترك القارئ أمام رجل من أرض الرباط، فلسطين، يروي هذا الفارق وهو يصب في منحى الانهيارالداخلي ونتائجه الكارثية.

الأستاذ الفاضل/ الدكتور خالص جلبي

تحية طيبة وبعد…

أرجو أن ينشرح صدرك في تقبل عذرنا من قلة الكتابة، لكن ما أود التأكيد عليه أنني وكثير من الأصدقاء في هذه البقعة من هذا الوطن الجريح- قطاع غزة-، الذي تعرض لأحداث دامية خلال الثلاثة الأشهر الماضية، أؤكد لك أننا وبنهم شديد نتلقف ونتداول كل ما تكتب، خصوصا أن الأحداث في هذا الوطن الجريح هي القراءة الأخرى لكل ما تكتب.

أستاذي الفاضل…

الشعب الفلسطيني وبعد انتفاضتين خلال عقدين فقط، الانتفاضة الأولى انتهت عام 1994 باتفاقية أوسلو، والانتفاضة الثانية توجت بالسيطرة الأمنية والعسكرية لحماس على قطاع غزة (على الرغم أن عرفات وفتح هم من أشعلوا الانتفاضة، بعد فشل محادثات كامب ديفيد). وفي ظل هذه السيطرة ها نحن نشتم رائحة التطبيق العملي لمخاوفك، التي أشرت اليها في إحدى مقالاتك من أن ديكتاتورية النظام الديني أسوأ من ديكتاتورية النظام العلماني. لا أريد أن أستغرق في شرح المآسي التي وقعت ولا تزال تقع منذ ثلاثة أشهر، فقط أرفقت لك تقريرا أرسلته إلى أحد الأصدقاء عن جزء يسير، لعلني أساهم في إعطائك صورة عن الوضع الذي صاحب سيطرة حماس.

 السؤال الجوهري الذي يجب أن يطرح وبشكل جريء، بعد هذه النتائج المأساوية التي وصلت اليها القضية الفلسطينية، هل يمكن حسم الصراع مع إسرائيل بطريقة سلمية؟ وهل سقطت أطروحة المقاومة المسلحة في فلسطين؟

نافذة:

علينا إذن أن نقارن بما يحدث في ظل الاحتلال الإسرائيلي، وما يحدث عندنا من الاستبداد الداخلي، وهي آفة مثل الجذام والقراد والطاعون والكورونا المتوطن في معظم جنبات عالم العروبة! ما يقرب من تفهم وضعنا الكارثي، وأن مثل النظام الأسدي في سوريا هو ضرب من الاستبداد يتواضع أمامه أي احتلال خارجي؛ فقد قتل الإنسان والزمان والمكان والبيئة والعلم والأخلاق، بل والأمل في الحياة والمعنى في جدوى وجود الإنسان بالأصل

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى