
يونس جنوحي
هناك أكثر من مئة ألف وثيقة يحتاج الأكاديميون المغاربة إلى تصريح للولوج إليها في مكتبات فرنسا. وهذه الوثائق تعود إلى فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية بقليل، وتسلط الضوء على فترة مهمة من تاريخ المغرب.
غفل الفرنسيون عن مجموعات كاملة من الأرشيف الذي يوثق لمفاوضات فرنسا وإسبانيا حول تقسيم المغرب ترابيا بينهما بعد 1912 و1927، والنتيجة كانت وصول باحثين مغاربة إلى وثائق تؤكد مغربية الصحراء، وتحصر فرنسا في الزاوية وتُحملها مسألة الخلاف الحدودي بين المغرب والجزائر، سواء في الصحراء الشرقية أو في الجنوب. وكان غريبا أن توجد وثائق بكل هذه الأهمية التاريخية، مجموعة في صندوق من الكرتون، بدون عنوان أو تصنيف، منسية فوق أحد رفوف قسم الأرشيف في مكتبة باريس، وكأنها ذكريات عائلية مُهملة..
وهذا ما جعل فرنسا تضرب حصارا على هذه الوثائق المنسية، وتجعل الوصول إليها أصعب من الحصول على تأشيرة من الرباط.
هل اطلع الأكاديميون الفرنسيون على هذه الوثائق؟
الحالة التي وُجدت فيها الملفات، تؤكد أنها لم تُلمس منذ فترة الحرب العالمية الثانية على الأقل.. وهذا يعني أن المتخصصين والمؤرخين الفرنسيين لم ينتبهوا إلى وجودها أصلا.
تتحمل أسرة البحث العلمي في المغرب مسؤولية الاشتغال على هذه الوثائق، وتمكينها من التسهيلات الضرورية للوصول إليها. يتعلق الأمر هنا بتاريخ مشترك مع فرنسا، يجب الولوج إليه لـ«ترميم» ذاكرتنا الجماعية وإعادة كتابة فصول كاملة من التاريخ المبني على الانطباعات والأفكار الجاهزة والمؤامرات الاستعمارية..
مسألة تندوف أحد الملفات المحرجة التي يجب على فرنسا أن تقدم لنا كل الوثائق المتعلقة بمفاوضات تدبيرها ما بين المغرب والجزائر. إلى حدود خمسينيات القرن الماضي، كانت شؤون تندوف تُدبر من أكادير، وليس من وهران أو تلمسان. وكل الأحداث الرئيسية التي عرفتها المنطقة كان يقرر فيها الحاكم العسكري الفرنسي من مكتبه في «تالبورجت»، وليس الإدارة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر.
ورغم ذلك فإن تندوف الآن واقعة وراء الحدود الجزائرية، وتعتبر نقطة سوداء في «تسميم» قضية الحدود الشرقية.
الوثائق من شأنها أيضا أن تصحح مغالطات تاريخية بخصوص قضية موريتانيا التي أنهاها الملك الراحل محمد الخامس منذ 1958، وجعل الفرنسيين يصابون بخيبة أمل بعد أن كانوا يراهنون على خلق أزمة تُعمر للخمسين سنة المقبلة على الأقل على الاستقلال.
تتحمل فرنسا مسؤولية أخلاقية قبل المسؤولية التاريخية، في جعل المغاربة يحتفظون بانطباعات تاريخية عن شخصيات مغربية أساءت لها فرنسا وأساء لها المغاربة أيضا. وهذه الوثائق من شأنها أن تعيد تصحيح بعض المعطيات المرتبطة بسياق اشتغال الإدارة الفرنسية وتحالفاتها، وقضية توغل فرنسا في الأطلس، والأدوار التي لعبتها القبائل وكواليس «استسلام» القبائل المغربية سنة 1933.
إذا كانت الحركة الوطنية المغربية أرخت لعدد من المحطات بعيون رموزها الذين عاشوا قريبين من تلك الأحداث، فإن فرنسا مطالبة بتمكين الباحث المغربي من الوثائق التي تسجل مراسلات إدارات الحماية، بمختلف تخصصاتها وأجهزتها، إلى وزارة الخارجية في الحكومة الفرنسية.
الأمر أشبه بمحاولة تجميع قطع ناقصة لتكتمل ملامح صورة، لطالما تخيلناها مكتملة في الذاكرة الجماعية.. ولا بد أن النتيجة سوف تكون صادمة في النهاية.. خصوصا إذا اكتشفنا أننا كنا نضع ملامح معينة في المكان الخطأ.
في انتظار أن يُسمح للباحثين المغاربة بالولوج إلى كل رفوف الأرشيف الفرنسي الرسمي، على «حملة الأقفال والأختام» أن يفتحوا أعينهم جيدا، حتى لا يأتي يوم يخبروننا فيه أن الوثائق تآكلت. فعلى حد علمنا، لا يسمح الفرنسيون نهائيا للفئران بالتجول في قسم الأرشيف!





