حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

أئمة المغرب وفقهاؤه المنسيون…..مسارات استثنائية لعلماء اختاروا منطقة عازلة مع السلطة

«فقهاء المغرب المنسيون، وما أكثرهم، قاوموا فرنسا قبل حتى أن تتأسس الحركة الوطنية المغربية بقرابة عشرين سنة. إلا أنهم ظلوا بعيدين عن السياسة. فعندما تأسس أول عمل سياسي مغربي سنة 1937، في ظل الحركة الوطنية، كان الفقهاء قد قطعوا أشواطا طويلة من النضال من على المنابر.

مقالات ذات صلة

سُجل على فقهاء المغرب أن بعضهم كانوا موالين لفرنسا، وكانوا يرفعون الدعاء في صلاة الجمعة بنصر المقيم العام.. لكن الذين سجلوا هذه «العثرة»، لم يُنبهوا إلى أن الفقهاء كانوا أول من دخلوا سجون الحماية الفرنسية عندما رفعوا الدعاء ضد فرنسا، ومارسوا التأطير في المساجد وحثوا الناس على عدم التعامل مع الحماية ورفضها.

الفقهاء المغاربة مروا عبر مسار تاريخي طويل، لم ينزع عنهم التقاليد المرعية التي جعلتهم دائما يسيرون في منطقة ظل مرسومة بعناية».

يونس جنوحي

 

 

 

أبو شعيب الدكالي.. أول فقيه مغربي إماما للحرم المكي

في سنة 1891، لم يكن سن أبي شعيب الدكالي يتجاوز 13 سنة، إلا أنه كان يحفظ القرآن الكريم، وسمع في قريته في دكالة، بمسابقة يقيمها المولى الحسن الأول في القصر الملكي بفاس، للتباري بين فقهاء المغرب حول القرآن والعلوم الشرعية. فقرر أن يشارك، ورحل إلى فاس مشيا على الأقدام.

عندما مثل أبو شعيب الدكالي أمام السلطان المولى الحسن الأول، أيقن السلطان فورا أن هذا الطفل سوف يكون له شأن عظيم. فرغم أنه صغير السن، إلا أنه تفوق على جميع الفقهاء المشاركين في القراءات السبع، وحصل على الجائزة الأولى.

بل وامتحنه السلطان في الإعراب وقواعد اللغة العربية، ونجح في الاختبار. وهكذا أرسله السلطان على نفقته إلى مصر، لكي يستكمل دراسته في جامع الأزهر.

مع الأزهريين، خاض الدكالي سنة 1896 تجربة فريدة، تمثلت في تفوقه على جميع الطلبة المصريين، في اختبار لاختيار إمام للحرم المكي، بطلب من أمير مكة.

احتج الأزهريون المصريون على تفوق تلميذ مغربي في الاختبار، وطالبوا بإعادة إجرائه مرة أخرى. لكن الدكالي تفوق مرة أخرى، وتقرر رسميا أن يُبعث إلى مكة ليصبح إماما للحرم المكي، في عز شبابه.

وهناك في مكة، قضى 11 سنة كاملة، كان خلالها إماما للحرم المكي إلى حدود سنة 1907. وتزوج هناك بابنة أحد أشراف مكة، واتصل بعلماء الحجاز، وترك هناك طلبة تكونوا على يديه في العلوم الشرعية والحديث.

عند مغادرته لمكة، عاد أبو شعيب الدكالي إلى المغرب، ووجد السلطان المولى عبد الحفيظ في انتظاره، وعينه على الفور وزيرا للعدلية، وترأس مجلس العلماء المقربين من السلطان.

أقام المولى عبد الحفيظ حفل استقبال كبير لأبي شعيب الدكالي، وبقي حتى بعد رحيل المولى عبد الحفيظ عن السلطة سنة 1912، يحتفظ بمنصب العدلية، واستمرت صلته بالقصر في عهد المولى يوسف، حيث واظب على ترؤس مجالس الفقهاء والعلماء.

في عهد سيدي محمد بن يوسف، كان الدكالي يحظى بمكانة علمية مرموقة، حتى أن الباشا الكلاوي صاهره، عندما زوج ابنتيه من ابني أبي شعيب الدكالي. رغم أن الأخير لم يكن من أصدقاء الباشا ولا من مناصريه، أو المتعاطفين معه في ثلاثينيات القرن الماضي.

ورغم أن الدكالي كان قاضي القضاة، واشتهر بأنه كان يبت في القضايا التي استحال على غيره البت فيها، لتعقيدها أو غموضها، إلا أنه كان دائم الوفاء إلى صفته الأولى: «الإمامة». وتذكر بعض المصادر أن الدكالي كان يزور السلطان مولاي يوسف، ثم ابنه سيدي محمد من بعده، وكان يؤم الصلاة في مسجد القصر الملكي بالرباط، وفي المسجد الذي كان يخرج إليه السلطان وفق التقاليد المرعية، لأداء صلاة الجمعة.

كان أبو شعيب الدكالي قد بدأ يعاني من المرض في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، ولزم داره بالرباط، والتي كانت مزارا لكبار العلماء الذين يأتون للتزود من علم أبي شعيب الدكالي. وفي سنة 1937، اشتد المرض عليه، وزاره السلطان سيدي محمد بن يوسف في داره، تشريفا له، واعترافا بمكانته العلمية، وتوفي في السنة نفسها، مخلفا وراءه إرثا علميا قلما بلغه عالم من علماء المغرب الكبار.

 

 

المولى سليمان.. أول سلطان أحدث ثورة بالحقل الديني وراقب الفقهاء بنفسه

في الخزانة الملكية، توجد رسائل كثيرة تعود إلى الفترة ما بين 1760 و1822، وهي فترة شائكة، ومثيرة في آن، من تاريخ المغرب. وتؤرخ لمحطات مهمة من فترة حكم المولى سليمان.. أحد أكثر السلاطين الذين حكموا المغرب إلماما بالمسائل الفقهية، وقربا من العلماء.

في واحدة من الرسائل السلطانية التي وقعها المولى سليمان، سُجل توبيخ سلطاني إلى أحد الفقهاء -لم يشفع له عند السلطان أنه ولي صالح- الذين كلفهم السلطان بمهام تدبير الشؤون الفقهية والعلمية. وقد جاء فيها:

«إلى الولي الصالح، الفقيه المرابط، السيد العربي بن المعطي، الذي لا تزال فراستنا فيه تصيب ولا تخطئ. جعلنا الله وإياكم ممن لم يتخذ إلهه هواه،

سلام عليك ورحمة الله..

..من خرج قيد شبر عن الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع، فلا تك في سكرة الخواطر الكاذبة، عما عليك للسلطان من الحقوق الواجبة، لقد جئت شيئا فريا، ونبذت عهد الله وراءك ظهريا، فأين العهد والميثاق، والقوي يأكل الضعيف بين ظهرانيكم في الأسواق؟ بل لولاك ما فسدت تلك البلاد، ولا خرج أهلها عن طريق الرشاد، حتى شاركت في الدماء شعرت، أو لم تشعر، فيا خسارة من يريد الربح ولا يدرك أن يتجر، أنشدك الله إن كان ذلك، فأنت أعرف الناس بما هنالك، ولا يسعك الإنكار، والأمر أوضح من شمس النهار.

(..)

طلبنا منكم ما فيه عند الله نجاتكم، وهو في الحقيقة لأنفسكم الميتة حياتكم، من الخروج معنى عن أسواق العامة التي لا يعمرها من له المروءة التامة، والخروج حسا إلى مدينة فاس، واشتغالكم بالله ودينه القويم عن الناس، فما قدرتم عن التقصي عن العامة، ولا رجعتم عن مكاتبة الحكام والخوض في الفتنة الطامة، وكنتم طلبتم الذهاب هناك لتفقد زرعكم وضركم، ونقل أولادكم إن أذن لكم، على أنه خرج بسببكم من تعلمون، وإنهم ما وقع لهم في رقبة من تظنون، فذهبتم وقر لكم القرار، بعد ما وعدتم أن ترجعوا في أيام قصار.. واغتنمتموها لكم فرصة، بإقامتكم وقد خرج من كانت عليكم منهم غصة، وأظهرتم التهاون بكلام من وجب عليكم طاعته».

رسالة المولى سليمان إلى الفقيه بن المعطي، لا تنفصل عن سياق إعادة هيكلة الحقل الديني في عهد هذا السلطان العلوي، الذي اشتهر بتفرغه للتأليف في أكثر الفترات التي كان فيها مشغولا بتسيير الدولة والحكم. وهذا يعكس المكانة الكبيرة التي كان يوليها للعلم. فقد كان عالما قبل أن يصبح سلطانا، واشتهر منذ عهد والده، بتفرغه للعلم والعلماء، وتأليف الكتب. وهناك اليوم مراجع تنسب للمولى سليمان، وأخرى ساهم في حفظها، حيث كان يعطي تعليماته بنسخ الكتب من مصر والحجاز، على نفقته الخاصة، ويبعث في طلب عناوين ويكلف أقرب العلماء إليه وأكثرهم علما، بهذه المهام.

لم يكن المولى سليمان ليدخل في صراع مع فقهاء المغرب، لكنه كان أكثر الناس دراية بمشاكل الحقل الديني في ذلك الوقت. فقد أحدث ثورة في القضاء عندما شدد شروط اختيار القضاة، وكان يعتبر أنه لا يمكن نهائيا إصلاح شؤون الدولة ما لم يصلح شأن الفقهاء والعلماء.

قصة حصار فقهاء فاس وعلمائها سنة 1912 بقلب «القرويين»

في مارس 1912، وقبل التوقيع النهائي على معاهدة الحماية، الذي تم في نهاية الشهر، كانت قوات الجيش الفرنسي قد انتشرت في ربوع فاس لتأمين المدينة، والتمهيد لانسحاب السلطان المولى عبد الحفيظ من الحياة السياسية. ولإدراك الفرنسيين أن السلطة كانت تتركز في فاس، فقد سبقوا إليها للإجهاز على أي محاولة للتنصل من مقتضيات مضمون اتفاق الحماية.

وبمجرد توقيع المعاهدة، احتل الفرنسيون رسميا البنايات الرئيسية في فاس، وكان أول ما فكروا في ضرورة السيطرة عليه، هو جامع القرويين، معقل علماء فاس وفقهائها الكبار.

وقد حكى العالم الكبير، عبد الله كنون، في مذكراته «مذكرات غير شخصية»، كيف أن علماء فاس تعرضوا للإذلال وجرى احتجازهم لساعات طويلة، واستنطاقهم على يد الضباط الفرنسيين.

وكانت الأسئلة التي وُجهت إليهم في عمومها تركز على صلاحيات جامع القرويين، وحدود سلطة العلماء وكيفية اتخاذهم للقرارات والفتاوى، ومن يتحكم في إصدارها منهم. بل وحتى برنامج الدروس والخطب ومضمونها.

أحس العلماء، كما نقل العالم عبد الله كنون بنفسه، بإهانة كبرى وهم يرون كيف أن الضباط عاملوهم بكل جفاء، بل إن بعض العسكريين لم يترددوا في التدخين، ولم يتأدبوا في حضرة المكان والعلماء، وكانوا يتصرفون بكل أريحية، رغم قداسة المكان الذي احتجزوا العلماء داخله. وهو ما جعل عددا من العلماء يقررون مغادرة فاس، بعد دخول الفرنسيين إليها، وعلى رأسهم والد العالم عبد الله كنون، الذي غادر فاس لكي لا يشهد «المهزلة»، ولجأ إلى طنجة وفي نيته ركوب الباخرة والتوجه شرقا، مودعا فاس. لكن الأقدار جعلته يستقر نهائيا في طنجة، ولا يغادرها، ليصبح عبد الله كنون الابن، واحدا من رموزها العلمية.

انتباه الفرنسيين إلى مكانة العلماء، لم يكن اجتهادا وليد تلك اللحظة التاريخية التي اقتضى فيها العامل الأمني «اعتقال» العلماء واستنطاقهم، فقد كان القرار نابعا من توصيات استخباراتية جمعها الفرنسيون منذ أيام الرحلات الاستكشافية الأولى  – خصوصا رحلة إدمون دوتي الشهيرة- أيام المولى الحسن الأول.

رغم حصار الفرنسيين لجامع القرويين، إلا أن الحملة التي قادها الفقهاء ضد فرنسا، جعلت الفرنسيين في موقف محرج، وبدا واضحا أن الحصار واستنطاق العلماء، فتحا على الإدارة الفرنسية حربا مبكرة.

فقد سن العلماء دعاء ردده الأهالي في فاس، بعد كل صلاة، وكان بمثابة «شعار» احتجاجي ضد فرنسا، وأول حركة مقاومة فعلية للحماية الفرنسية منذ أسابيعها الأولى، وسنوات قبل تأسيس النواة الأولى للحركة الوطنية المغربية.

وهذا المعطى يجعل فقهاء المغرب، مؤسسين فعليين للمقاومة المغربية. ولم يكن أمام الإدارة الفرنسية – حتى قبل بدء الإقامة العامة ممارسة مهامها من الرباط- بُد من احتواء هؤلاء الفقهاء، ومحاولة «اختراقهم».

 

عبد الرحمن بن موسى.. فقيه محمد الخامس المفضل

كان الفقيه عبد الرحمن بن موسى، من جيل الملك الراحل محمد الخامس. وهناك مصادر تقول إنه درس في القرويين، لكن مراجع أخرى تصنفه على أنه واحد من الفقهاء الذين تعرف عليهم الملك الراحل محمد الخامس في سياق «رباطي» خاص.. بعيدا عن طقوس القرويين.

وُلد الفقيه سنة 1907، وعاصر فترة المولى يوسف. وبحكم أنه أصبح فقيها في سن مبكرة جدا، فقد أصبح إماما مشهودا له، حتى قبل أن يُتم عشرين سنة من عمره.

لكن علاقته بالملك الراحل محمد الخامس، كانت قد بدأت منذ عهد والده المولى يوسف. ومرافقو السلطان الشاب، الذي وصل إلى السلطة سنة 1927، كانوا يعرفون أن تلاوة الفقيه بن موسى، كانت الأحب إلى قلب السلطان سيدي محمد بن يوسف.

في أربعينيات القرن الماضي، كان بن موسى يحضر لقاءات الفقهاء التي كان يعقدها السلطان سيدي محمد بن يوسف كل يوم خميس – وكانت تلك عادة مخزنية قديمة-، حيث يجلس إليهم ويتداول معهم المسائل الفقهية.

كان العالم الكبير عبد الحي الكتاني يترأس تلك الجلسات في القصر الملكي بالرباط، وكان مقربا جدا من السلطان سيدي محمد بن يوسف.. لكن مكانة ابن موسى لدى السلطان كانت كبيرة. فرغم أن الأخير لا يخوض في السياسة، ولم يكن يصدر الفتاوى ولا يناقش المسائل الشرعية ولا السياسية، إلا أن السلطان كان يحفظ له مكانا في صدر المجلس.

الفقيه لم يكن من جلساء السلطان فقط، بل كان يتم استدعاؤه إلى القصر الملكي لترتيل القرآن. ويذكر محمد المعمري، مُعلم السلطان سيدي محمد بن يوسف في طفولته وأحد مستشاريه المقربين، أن السلطان كان يصحب معه الفقيه ابن موسى إلى مدينة مكناس في بعض زياراته إليها، بغرض تلاوة القرآن في المنزل التابع للقصر في مكناس، حيث قضى السلطان أغلب سنوات طفولته، ويصحبه أثناء زيارة مقربة العائلة، حيث دفن أقارب السلطان..

الفقيه كان يؤم السلطان سيدي محمد بن يوسف، حتى قبل أن يتم اعتماده رسميا لكي يصبح المقرئ الخاص بالسلطان، خصوصا في صلاة التراويح.

بعد الاستقلال، وتأسيس الإذاعة المغربية، أصبح صوت الفقيه عبد الرحمن بن موسى أيقونة للتلاوة المغربية. وبعد وفاة الملك محمد الخامس في رمضان سنة 1961، بقيت مكانة ابن موسى لدى الملك الراحل الحسن الثاني محفوظة. وكان يتم استدعاؤه في المناسبات الدينية إلى القصر الملكي، واحتفظ بعلاقة وطيدة مع الملك، إلى أن توفي رحمه الله سنة 1997.

 

«بوسرغين».. فقيه تلا القرآن عند رأس أشهر رجال المخزن

الحاج بوسرغين كان فقيها في مدينة فاس، لكنه لم يكن يؤم العامة.. فقد كان أشبه بإمام «خاص»، يستدعيه كبار شخصيات المخزن إلى جلساتهم الخاصة، وكانت مهمته تنحصر في تلاوة القرآن بصوته الرخيم، في مجالس الوزراء وفي منزل الصدر الأعظم باحماد.

وقد حكى عنه الوزير المهدي المنبهي سنة 1911، للكاتب الإنجليزي «جوناثان بيرد»، وقال عنه إنه كان فقيها يحظى بتقدير أقوى وزراء المغرب. وإنه كان يتذكره منذ سنواته الأولى في سلك المخزن، عندما كان يشتغل مرسولا لدى الصدر الأعظم باحماد، الرجل القوي في دولة المولى الحسن الأول.

فقد كان المهدي المنبهي، الذي عاش داخل دهاليز القصر في فاس قبل 1894، يذهب إلى منزل الحاج بوسرغين، وهو منزل بسيط يقع في أطراف فاس، ويستدعيه للحضور لدى الصدر الأعظم. وكان هذا الفقيه الورع يأتي مشيا على الأقدام وبدون حراسة، ويدخل قصر باحماد، ويتوجه مباشرة إلى المكان المخصص له للجلوس، ويشرع في تلاوة القرآن في جلسات يحضرها وزراء الدولة وكبار مستشاري السلطان، ويترأسها الصدر الأعظم باحماد.

يحكي المهدي المنبهي عن هذا الرجل قائلا إنه كان فقيها بسيطا، ويرفض إكرام الوزراء له، ويصر على أن يأتي دائما إلى مجالس الوزير باحماد ماشيا، ويرفض أن يرافقه الحراس. وكثيرا ما كان المنبهي، قبل أن يصير وزيرا بدوره، يشاهده وهو يجلس مع تجار فاس البسطاء أمام دكاكينهم، في قلب السوق، مباشرة بعد أن يغادر قصر باحماد ويودع وزراء المغرب وأعيانه.

يقول جوناثان بيرد، وهو يستحضر علاقة الفقيه بأقوى وزراء المغرب عبر التاريخ، الوزير باحماد، سنة 1901، على لسان الوزير المهدي المنبهي:

«في آخر أيام باحماد، كان يلازم الفراش، ولا يقوى على النهوض. وكنت أنقل رسائله إلى السلطان سيدنا مولاي عبد العزيز، وأعود إلى داره الكبيرة. وكنت أجد الفقيه بوسرغين قد اتخذ مجلسه، وشرع يتلو آيات القرآن قرب باحماد. وعندما يتوقف للصلاة، كان باحماد يشير إليه بأصبعه لكي يستأنف قراءة القرآن بصوته القادم من الجنة.

كان بوسرغين رجلا نحيفا للغاية. يلبس جلبابا قديما، ويتأبط قطعة من القصب لا تفارقه، ويعدل عمامته البنية باستمرار فوق رأسه الحليقة.

ذات مرة، كان يتلو القرآن قرب رأس باحماد، بعد أن غادر طبيب فرنسي جاء للكشف على الصدر الأعظم بأمر من مولانا عبد العزيز. فقال الفقيه للصدر الأعظم:

  • يا سيدي.. حتى هذا الكافر لن يستطيع شفاءك، إلا إذا أراد الله.

وأومأ له الصدر الأعظم مطرقا رأسه إلى الأسفل.

لم يكن أحد يقوى على مصارحة باحماد، أو الرد عليه حتى في ساعات مرضه الأخيرة. لكن الفقيه بوسرغين كان يستطيع ذلك. أي والله».

باحماد الذي كان والده حاجبا، ورث المنصب عن أبيه الذي اشتغل مع السلاطين العلويين، أصبح أول وزير في تاريخ عائلته التي احتكرت الحجابة لسنوات.. وعندما صار يحمل لقب «الصدر الأعظم» في دولة المولى الحسن الأول، عصف بلائحة طويلة من الوزراء الذين كان يكن لهم العداء منذ أيام والده الحاجب، وكان يتحكم في تعيينات القضاة والعلماء والفقهاء، لكنه كان يحفظ لفقيهه المفضل «بوسرغين» مكانة رفيعة ترسخت إلى آخر أيام حياته.

وحتى عندما أصبح تلميذه المهدي المنبهي، وزيرا للحرب مع المولى عبد العزيز، فقد كان يكن له تقديرا كبيرا. وقد قال عنه للكاتب الإنجليزي السيد بيرد: «عندما كنت مشغولا بأمر الفتان بوحمارة، فكرت في الفقيه بوسرغين لكي آمره أن يخطب في الناس ويدعوهم إلى عدم اتباع خطاب هذا الفتان. لكن الفقيه لم يرغب حتى في المجيء إليّ، وقال للمخازنية الذين بعثتهم لإحضاره:

– أخبروا الوزير أنني لا آتي إليه، وأنه يتعين عليه المجيء عندي إذا رغب في لقائي.

ولم ألتقه، لكني سمعت أنه توفي في منزله في أطراف فاس، ولم يترك لأبنائه حتى مصاريف الدفن».

 

 

قصة لجوء «گلاوة» إلى العلماء و«أمين الأمناء».. فقيه الباشا الشهير

فور علم الباشا الكلاوي بميلاد ولي العهد الأمير مولاي الحسن، سنة 1929، حتى شد الرحال إلى القصر الملكي في الرباط، وطلب لقاء السلطان لتقديم التهاني. كان الباشا يرمي إلى إرسال رسالة لخصومه، وهي أنه في خانة «المرضي عليهم» الذين ينعمون بنعمة لقاء السلطان، رفقة مجموعة من الأعيان وعلماء القرويين الذين كانوا يُقدّرون الباشا الكلاوي لاعتبارات تاريخية.

لا يوجد وصف يطابق ما قام به الباشا الكلاوي، عند ميلاد الأمير مولاي الحسن، سوى أنه نجح في امتطاء تاريخ العائلة -عائلة گلاوة الضاربة في عمق تاريخ منطقة الأطلس ومراكش- مستثمرا التقدير الذي حظي به أخوه الأكبر لدى علماء القرويين، منذ وفاة المولى الحسن الأول، الذي كان يعامله معاملة خاصة جدا، ووثق به ليشارك ابنه شؤون تسيير قبائل الجنوب من نواحي مراكش إلى حدود الأطلس.

هذا التقدير استثمره الباشا الكلاوي ليفوز بموافقة النخبة المخزنية وعلماء القرويين على تقربه من السلطان الجديد المولى محمد بن يوسف، بعد وفاة المولى يوسف.

لجوء الباشا إلى الفقهاء والعلماء، واحتماؤه بهم، تجسدا في علاقته الشخصية بـ«أمين الأمناء». وهو لقب حمله فقيه كان يؤم الباشا في قصره ومجالسه، بل ورافقه في عدد من رحلاته. ولم يكن مجرد إمام خاص بالباشا، بل كان واعظا يلقي أمامه الخطب في المناسبات، ويلجأ إليه الباشا في المسائل الشرعية.

جل المعلومات التي توفرت عن الرجل انقطعت سنة 1955، ولم يُعرف اسمه الشخصي، خصوصا وأن المؤرخ الوحيد الذي ذكره، هو الباحث الأسكتلندي «غافين ماكسويل» الذي ألف كتاب Lords of the» «Atlas، في بداية ستينيات القرن الماضي وجمع فيه تاريخ «گلاوة». «ماكسويل» اكتفى بذكر هذا الفقيه في لائحة أصدقاء الباشا التي نشرها في الكتاب، معتمدا على اللقب الذي كان يناديه به الباشا الكلاوي في جلساته، وهو: «الحاج أمين الأمناء». هذا الرجل الذي قدمه الباشا شخصيا سنة 1943 إلى بعض جنرالات وطياري الجيش الأمريكي، بعد وصولهم إلى المغرب أثناء مشاركتهم في الحرب العالمية الثانية، كان يعتبر أن الأجانب شر قادم من وراء البحر، بحكم أنه عاصر جيدا عهد السلطان الحسن الأول والصدر الأعظم باحماد، وكان متشبعا جدا بخطاب علماء القرويين الذين كان الأخ الأكبر للباشا، المدني الكلاوي، الذي توفي سنة 1918، يقدرهم جيدا.

الأكثر من هذا أن أمين الأمناء عايش خمسة سلاطين مغاربة، أي أنه كان طاعنا جدا في السن، وتجاوز المائة، عندما جايل الملك الراحل محمد الخامس خلال الأربعينيات.

هذا الرجل كان ببساطة يحكي الكثير من الأسرار المخزنية التي تعود إلى الفترة التي اندلع فيها الصراع بين أبناء المولى الحسن الأول، وعن والده وعهد محمد الرابع ووالده أيضا المولى عبد الرحمن بن هشام. هؤلاء كلهم سلاطين عايشهم صديق الباشا الكلاوي، وكان يعرف الكثير من التفاصيل المتعلقة بفترات حكمهم وسياساتهم في التعامل مع عائلة الكلاوي وغيرها من العائلات التي كبرت في ظل «المخزن». ولا تتوفر معلومات إضافية بشأن مصيره الأخير، وما إن كانت علاقته الوطيدة بالباشا قد تسببت له في خسارة رصيده في دار المخزن.

 

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى