شوف تشوف

شوف تشوف

أفول الاتحاد

يراقب الاتحاديون الحقيقيون بكثير من الأسى ما يحدث لحزبهم على يد أبنائه العاقين الذين تنكروا للإرث النضالي الذي تركه لهم آلاف الاتحاديين الذين وهبوا حريتهم ودماءهم وأقلام حبرهم لبناء صرح الحزب الذي نادى عليه الحسن الثاني لإنقاذ المغرب من السكتة القلبية.
إنه لأمر مؤسف أن يتم اختزال هذا الحزب في بضعة مقاعد في برلمان لا يحسن ساكنوه سوى «تشريع» أفواههم لشتم بعضهم البعض وتبادل الاتهامات في ما بينهم.
هكذا توقف كل شيء هذه المؤسسة «التشريعية» لأن الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي إدريس لشكر يريد أن يصبح رئيسا للفريق البرلماني للحزب، بعدما كان يريد أن يضع حسناء أبو زيد على رأس هذا الفريق.
وإلى غاية أن تضع هذه الحرب «الداخلية» أوزارها، والإشارة هنا طبعا إلى شيء آخر غير وزارة الداخلية، فسيكون على السادة النواب وفرقهم أن يأخذوا لهم عطلة، هم الذين عادوا للتو من العطلة.
ولو كان الصراع بين لشكر والزايدي حول مبادئ الحزب الاتحادي لفهمنا الأمر، ولحسبنا صراعهما صراعا مبدئيا لإعادة الحزب إلى قواته الشعبية التي تخلى عنها جريا وراء الكراسي، لكن عندما نتأمل جيدا في أسباب نشوب معركة «داحس والغبراء» هذه بين الأخوين اللدودين نفهم أن السبب هو الكراسي وليس المبادئ.
وقد قالها أنصار الزايدي صراحة بعد انتهاء الانتخابات التي أفرزت أعضاء المكتب السياسي للحزب، واعترفوا بعظمة لسانهم أن الاتفاق الذي كان بينهم وبين لشكر هو أن يضمن مرور لائحتهم في الانتخابات وبالتالي تنال عضوية المكتب السياسي. ولشكر من جانبه أعطاهم «الكلمة»، وقال لهم إنه يضمن مرور لائحتهم.
غير أن لشكر «انقلب» عليهم بعد ظهور النتائج، وعندما احتجوا عليه قال لهم إن الأمر يعود إلى صندوق الاقتراع. ومن تلك اللحظة نشبت الحرب بين الأخوة الأعداء في حزب بوعبيد.
بمعنى أنه لو قبل الكاتب الأول للحزب إدخال لائحة الزايدي في المكتب السياسي للحزب لما نشبت أية حرب ولكان بوسع لشكر أن يضع على رأس الفريق البرلماني أي اسم يريد.
المشكلة أن هذا الصراع العائلي داخل الاتحاد الاشتراكي لا يشل الحزب وجده بل أصبح يشل عمل مؤسسة دستورية هي البرلمان، ويؤجل عملية انتخاب أجهزة وهياكل المجلس.
بمعنى آخر فإدريس لشكر استطاع أن «يوقف البيضة فالطاس»، وأن يعرقل أشغال مجلس النواب فقط لكي يظهر لما أصبح حزب الاستقلال يسميه، أسوة بحزب العدالة والتنمية، «الدولة العميقة».
فالكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، ومنذ «معركة الإرث» التي ورطه فيها لسانه مع أبو النعيم، وهو يشعر بأن أسهمه في بورصة الأحزاب بدأت في الهبوط شعبيا كما على مستوى لدولة، وذلك لصالح أحزاب أخرى مشاركة في الائتلاف الحكومي وأخرى في صفوف المعارضة، حتى لا نقول «رفوف» المعارضة.
وبسبب هذا «الإحساس» بالإهمال الذي بدأ يتنامى لدى الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي أصبحنا نرى كيف بدأ وريث الراضي يظهر غلظة في الخطاب تجاه الدولة وتجاه شركائه في البيت الاتحادي على اختلاف تياراتهم.
والهدف من هذا «الانقلاب الخطابي» لدى لشكر هو تذكير الدولة بمحاذير التقليل من خطورة «التشرميل» الذي يمكن أن يصدر عنه في حالة وضعه جانبا «سطل بلا تقرقيب».
ولذلك لجأ لشكر إلى التهديد بتجميد عضوية معارضيه داخل الحزب واحتمال طردهم خارج مقره الفخم الذي يشبه مقر شركة متعددة الجنسيات.
ما يشفع للكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي أن بعض برلمانيي الحزب دخلوا البرلمان بفضل ريع انتخابي اسمه نظام اللائحة. فنواب برلمانيون مثل حسن طارق وحسناء أبو زيد ما كانوا ليضعوا أرجلهم داخل قبة البرلمان لولا بركات اللائحة، فهم لم يأتوا إلى البرلمان بفضل أصوات الناخبين وإنما بفضل الريع الانتخابي.
وحتى الزايدي الذي قال عنه لشكر إنه كان يهلل في التلفزيون للمنجزات عندما كان مناضلو الاتحاد يعذبون في السجون، يعرف كيف انتقل من عضو جماعي إلى نائب بالبرلمان أول مرة. والقائد الذي كلفه إدريس البصري بمساعدة الزايدي في الانتخابات لكي يأخذ مقعد النائب بنكيران الذي كان البصري يكرهه، لازال على قيد الحياة.
أما إدريس لشكر فيتذكر جيدا اليوم الذي غادر فيه «الكوميسارية» بعدما تم اعتقاله في الثمانينات رفقة طلبة اتحاديين وقضى في الاعتقال بضعة أيام. وكانت تلك الأيام القليلة التي قضاها بين أيدي البوليس أول وآخر أيام «المحنة»، التي ستتحول إلى «منحة» في ما بعد.
وطبعا ليس ضروريا أن نحكي عن مصير الرفاق الآخرين الذين انتقلوا من «الكوميسارية» إلى المعتقلات السرية، فتلك قصة، لفرط تكرارها، أصبح يعرفها الجميع.
لذلك فمزايدة لشكر على الزايدي في النضال لا مكان لها في حزب أصبح النضال الوحيد الذي يخوضه قادته هو النضال بالروح والدم في سبيل الكرسي والامتيازات التي تأتي معه.
وفي سبيل ذلك يلجأ إدريس لشكر إلى العتاد الثقيل. ولكي يشارك في حكومة جطو كوزير مكلف بالعلاقات مع البرلمان أشهر فزاعه التحالف مع العدالة والتنمية. وها هي اليوم حسناء أبو زيد تغازل الإسلاميين من وراء حجاب وتتحدث بلا تحفظ عن قضية الصحراء وبوليساريو، علما أن زوجها العامل في الداخلية والاتحادي السابق يعرف بالتحديد كم من الرخص والكريمات حصلت عليها عائلته في الصحراء.
ويبدو أن بنكيران استطاع أن يتسلل، عبر حصان طروادته عبد العالي حامي الدين صاحب التقرير المرفوع إلى المستشارة السياسية للسفارة البريطانية، إلى داخل الاتحاد الاشتراكي، إلى درجة لم يعد النائب الاتحادي حسن طارق يجد غضاضة في دخول ملتقيات شبيبة العدالة والتنمية يدا في يد حامي الدين.
ولعل «عبقرية» إخوان بنكيران تكمن في قدرتهم الفائقة على اختراق جميع الأحزاب واستغلال انشقاقاتها الداخلية لزرع الموالين لهم. ويكاد لا يخلو حزب من «ستين حزب» الموجودة في المغرب من عيون بنكيران و«عملائه» الذين يرفعون إليه التقارير وينفذون أوامره في الوقت المناسب. وطبعا هذا الأمر يحسب له لا عليه، فكل الأحزاب السياسية يجب أن تحتفظ بعين يقظة «مسلطة» على خصومها، تراقب سكناتهم وتتوقع حركاتهم.
ومن يتابع مستويات الخطاب السياسي لدى أكبر حزبي المعارضة، الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، يكتشف دخول مصطلحات غير متداولة في معجم الحزبين. فالاستقلال يتحدث بعض المفوهين من نوابه عن انهزام الدولة العميقة لمجرد أن كريم غلاب سقط قبل الوصول إلى الخط النهائي لانتخاب رئيس مجلس النواب، وأصبحوا يستعملون كلمة المخزن.
أما الاتحاد الاشتراكي في شقه الزايدي فقد غير من نبرة خطابه تجاه الاسلاميين في وقت يعيش فيه بنكيران وحزبه لحظة مفصلية من تاريخه بعد نجاح العربية السعودية في مقايضة قطر دعمها للإخوان في الدول العربية مقابل تطبيع العلاقات الدبلوماسية المقطوعة معها.
وقد بدأ هذا التراجع القطري في دعم الإخوان وفروع تنظيمهم عندما غاب القرضاوي عن خطبة الجمعة، والاستعداد لترحيله إلى تونس، وأيضا في تراجع الجزيرة عن مهاجمة النظام المصري تدريجيا.
وطبعا فهذا التراجع القطري عن دعم المشروع الكبير لتنظيم الإخوان المسلمين وفروعه في العالم، والمغرب بكل تأكيد، سيكون له انعكاس على حزب العدالة والتنمية الذي يستقوي بقطر ومعاهد دراساتها التي لا يكاد حامي الدين يغادرها على مدار السنة.
ويبدو أن ديوان الأمير سيصبح من الصعب النفاذ إليه من طرف الرسول حامي الدين وتابعه الصيرفي بعد هذا الاتفاق السعودي القطري.
ومن يدري، فقد تفضح قطر كل هؤلاء الضيوف ثقيلي الظل الذين يعرفون مداخل سرايا الأمراء القطريين أكثر مما يعرفون مداخل بيوتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى