حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

إدارة الذكاء الاصطناعي والحاجة إلى الشرط الإنساني

ذ. حسن طارق وسيط المملكة :

في مجال الوساطة، لا يعد الانفتاح على البحث والفكر ترفاً بعيداً، بل ضرورة قصوى للفهم وللتفاعل: فهم محيط القرار الإداري ودينامياته، والتفاعل مع مستجدات الفكر الإداري، سواء تعلق الأمر بمباحث الفقه القانوني، أو بدراسات السوسيولوجيا أو حقول التدبير العمومي وتحليل السياسات. وضمن هذا الإطار يطرح موضوع «الحقوق المرفقية في العصر الرقمي» كإحدى القضايا الأكثر حاجة للتأمل، وذلك لأننا، أولا، أمام إشكالية يومية نلتقي بها من خلال تظلمات ذات صلة بالتحول الرقمي للإدارة المغربية، تهم الحصول على وثائق أو خدمات عبر منصات ومواقع إلكترونية مخصصة لهذا الغرض.

ولأننا، ثانيا، بحاجة ماسة للتفكير في أثر الرقمنة على تحول الإدارة، وتحول علاقاتها مع المرتفق، وعلى مدى استيعاب الإدارة الرقمية لمعايير ومبادئ الحكامة المرفقية.

ثم، أخيراً، من أجل الانتصار لمقاربة أكثر موضوعية، تبتعد ما أمكن عن الخطابات الانبهارية التي تكاد تُصور بأن الذكاء الاصطناعي هو النَبِيُ الجديد لكل إصلاحات الإدارة والدولة!

يتعلق هذا الموضوع، من زاوية حُقوق الإنسان، بما يُعرف بالقضايا الناشئة، وهي إشكاليات قانونية وأخلاقية غير مَسبوقة، تَهم أساساً أخلاقيات البيولوجيا والتغيرات المناخية، لكن قبل ذلك هناك أولاً تحديات الحقوق في ظل الرقمنة، والتي تطرح عدداً من الأسئلة مثل: إشكاليات حرية الرأي والتعبير في زمن وسائط التواصل الجديدة؛ وسهولة انتشار خطابات العنف والكراهية والعنصرية؛ ومخاطر التزييف الشامل والأخبار الكاذبة.

وضمن ذلك تبرز جملة من الإشكاليات تمس حُقوق المرتفقين وعلاقة المرتفق بالإدارة.

كل هذه الإشكاليات ترتبط بالتطور التقني الهائل، بديناميته المُعولمة، بفاعليه الجُدد (القوى غير الدولتية)، ثم بالتحديات التي تطرحها على الدولة الوطنية وعلى القانون نفسه.

في الواقع، يقدم العصر الرقمي فُرصاً ثمينة لتكريس الحقوق المرفقية، عبر: تبسيط الإجراءات الإدارية؛ وتقريب الخدمات عبر الولوج السهل للمنصات الرقمية؛ واقتصاد الكلفة والزمن؛ والانتصار لإدارة خضراء صديقة للبيئة؛ ودعم الشفافية ونزاهة المساطر وسهولة الولوج للمعلومة.

داخل مؤسسة الوسيط، تَفْرِضُ علينا طبيعة الانتداب الدستوري لمهمتنا في شِق الحماية وعلى صعيد الحكامة، مُحددات ضرورية للتفاعل مع هذا الموضوع، تنطلق منهجياً بالتفكير من زاوية الدفاع عن الحقوق المرفقية من مَدْخلي العدل والإنصاف، قصد مُساءلة تمثل هذا التحول الرقمي للقيمتين المركزيتين داخل مرجعيتنا التأسيسية. .

وهُنا يسمح الانتباه إلى مُفارقة «خريطة الطلب الرقمي على الوساطة»، حيث أن التظلم عبر البوابة الإلكترونية لا يهم أساساً إلا مرتفقين يقطنون بالمدن الكبرى وذوي مستوى تعليمي مرتفع، بإمكانية تقديم فرضية عامة تتعلق باستمرار الفجوة الرقمية، بل وفي تطابقها في كثير من الحالات مع تفاوتات المجال والمستوى الدراسي والمستوى الاقتصادي.

وهو ما لا يجعل بالضرورة من الرقمنة تصحيحاً لاختلالات التفاوت المجالي والاقتصادي والتعليمي، وهذا ما يدعونا إلى التفكير في مَنسيي العالم الرقمي: أو في فضاءات الهشاشة الرقمية: الأشخاص المسنين/ غير المتعلمين/ الأشخاص في وضعية إعاقة.

حيث سبق للمؤسسة، في هذا السياق، أن أصدرت في نهاية 2024 تقريرًا خاصًا، اعتبرت فيه أن حصرية توجيه الأسر نحو البوابة الإلكترونية للحصول على الدعم الاجتماعي يسائل ضمانات الولوج الفعلي والمنصف والمتكافئ لخدمات الدولة الاجتماعية.

 

SUITE P01

 

الكثيرون يتحدثون اليوم عن مَلامح دولة جديدة وتحقيب جديد، ويفضلون الحديث عن «دولة المنصات» حيث تتسع داخل الخريطة الإدارية، دائرة المنصات الإلكترونية: منصات للتوظيف، منصات لأداء الضرائب، منصات للصفقات، منصات للمنح الجامعية، منصات للدعم الاجتماعي. . .

كل ذلك هو أحد أكبر مؤشرات التحول، التي تعكس تحولات تمس الدولة، وتحولات تهم الإدارة وتحولات تخص القانون الإداري، فإذا كانت الانتقالات من الدولة الحارسة إلى الدولة المتدخلة إلى الدولة/ الحد الأدنى قد غيرت معها معايير القانون الإداري من السلطة العامة إلى المرفق العام إلى المعيار المختلط، فإن الذكاء الاصطناعي اليَوم يُعيد تعريف الإدارة، ويُعيد تعريف القرار الإداري، ويعيد تعريف النشاط الإداري، كما يُعيد تعريف الموظف الإداري نفسه (النقاش الفقهي -مثلا- حول تكييف «الروبوت» ومسؤوليته الإدارية).

لذلك قد تبدو الإدارة اليوم مجرد تطبيق في شاشة، أو مجرد منصة، والقرار قد يكون مُجرد خَوارزمية تدبر عددا من البيانات.

إن انفتاح الإدارة على التقنيات الحديثة وعلى الذكاء الاصطناعي يُعزز من منسوب التحدي الأخلاقي التي تواجهه، ذلك أن الإدارة الأكثر استعانة بالذكاء الاصطناعي، هي بالتأكيد الإدارة الأكثر حاجة للأخلاقيات.

ولعل أول مُستويات الاخلاقيات، هنا، أخلاق المسؤولية: حيث عندما يُطرح السؤال عن أخطاء الإدارة، قد يتم التفكير في حصة الآلة وحصة البشر في إنتاج الخطأ، وعن حصة الُمبرمِج وحصة المعلم والمُصمم، ونصيب المستخدم النهائي، داخل سلم المسؤولية!

الاجتهاد القضائي الإداري المغربي لم يشتبك كثيراً مع موضوع الإدارة /المنصة، لكن في الأنظمة المقارنة نجد، مثلاً، مجلس الدولة الفرنسي الذي اجتهد في إنشاء قاعدة الشفافية الخوارزمية، عندما فرض على الإدارة كشف المعايير الأساسية المُعتمدة في تصميم الذكاء الاصطناعي الذي تستعين به لصناعة قراراتها.

على المستوى الأوروبي، تظل المادة 22 من «النظام العام لحماية البيانات»، الصادر عن الاتحاد الأوروبي، إطارا معياريا مهما، عندما تَقترح ضمانات قانونية للمرتفق في مُواجهة المعالجة الآلية للقرار، تتمثل في ضرورة التدخل البشري الفعلي في مسار إنتاج القرار، والحق في إبداء الرأي مع إمكانية الطفر.

فقهيا يتم التفكير في ضمانات أوسع للمرتفق في مواجهة القرارات الناتجة عن الخوارزميات، من ذلك ضرورة الحرص على أن يكون تصميم الخوارزميات مفهوما وقابلا للتفسير، لا مجرد معادلات إحصائية ورياضية، مع تأمين الإشراف البشري بشكل فعلي، لا بمُجرد توقيع شكلي لإجازة القرار، بالإضافة إلى إمكانية الطعن التقني الذي يصل إلى حَدِّ فحص جودة البيانات ومنهجية التصميم، وأساسا تحميل المسؤولية الكاملة للإدارة بغض النظر عن الجهات الخاصة أو الخارجية التي طورت أنظمة ذكائها الاصطناعي.

كل هذه الضمانات تحتاج إلى تطوير عميق لأداء القاضي الإداري ولِعمل الوسيط المؤسساتي، حيث أصبح كلاهما مُطالبا من الناحية النظرية، بالإضافة إلى فحص البناء الخارجي للقرار، بفحص بنيته التقنية.

ليُصبح عَيب «التعليل» يشمل أيضا البحث في مخاطر التمييز الخوارزمي، أو يتضمن أيضا مدى قابلية تصميمات الذكاء للتفسير أو دَرجة تعرضها لخلل إحصائي وحسابي.

وهو ما يعني أن دائرة المشروعية باتت تشمل مَشروعية الهندسة الرقمية نفسها.

في الواقع يبدو الذكاء الاصطناعي كقدرٍ قادم من المستقبل. لذلك فهو يغري باستعمال مَلَكَة التخيل، ذلك أن الحدود بين الواقعي والمُتخيل تكاد تلتبس ونحن نتابع تسارع التحديث التكنولوجي ومجالاته وصوره.

لذلك يمكن أن نغامر، بالقول – على سبيل الخيال الممكن والقريب- أن الذكاء الاصطناعي يدعونا إلى إدارة جديدة، في شكل منصة إلكترونية، تحكمها الخوارزميات وتُسيرها أنظمة تدبير البيانات الضخمة، كما تصدر عنها قرارات مصممة وفق إعدادات دقيقة ومعقدة.

في هذا الأفق، ستختفي البنايات الإدارية، والملفات الورقية وفضاءات الاستقبال، وقد تختفي – في الأصل- الإدارة كما طالما عايشتها أجيال من المرتفقين.

الموظفون سيعوضون بالخوارزميات، والمصالح والهياكل الإدارية ستعوض بالتطبيقات الإلكترونية، وصفوف الانتظار الطويلة ستعوض بنقرات سريعة على الشاشات، أما مكاتب الواجهة والاستقبال فستَحُل محلها ببساطة برمجيات المُحادثة «الشات بوت».

ما يدعونا إليه الذكاء الاصطناعي هو تجربة مرفقية منزوعة من الطابع الإنساني، بلا توتر ولا ابتسامات، بلا عواطف ولا مشاعر، وبدون أي لمسة بشرية.

نعم قد يعني هذا العالم الجديد نهاية للرشوة واستغلال النفوذ والمحسوبية، لكنه قد يعني كذلك نهاية الضمير المهني والإنصاف الإداري وأخلاقيات المسؤولية.

يريدنا هذا العالم الجديد، جميعا وبلا استثناء، كائنات رقمية ذكية ومتعلمة ونمطية، ذلك أن الذكاء الاصطناعي لا يحب الفقراء وغير المتعلمين والمرتفقين من ذوي الاحتياجات الخاصة، أو من أصحاب الهشاشات المختلفة.

الواقع أننا نذهب إلى الادارة لنستفسر عن خبايا قراراتها، ولنُعَبر عن مشاعر غضبنا أو احتجاجنا، ولنُطالب بخدمات عمومية أكثر جودة، ولكي نَشْعُر بأن هناك من يُنصت إلى هواجسنا ومخاوفنا، وأن هناك من ينتبه لتوضيحاتنا، ولكي نتقاسم – في النهاية – تمريناً اجتماعيا وتجربة إنسانية يقومان على المواطنة والمسؤولية.

إن الأسئلة التي تطرح، أساساً وقبل كل ذلك، هي قدرة الذكاء الاصطناعي على تمثل قيم الشرعية والعدالة، وعلى تحقيق مبادئ المساواة والمسؤولية والتخليق والنزاهة والشفافية؟

ثم هنا والآن، وفي السياق الخاص لمُؤسسة الوسيط، لابد أن نطرح سؤالاً آخر: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينتج عبر خوارزمياته قراراً منصفاً؟ إذا كان بإمكانه -افتراضاً- أن يصنع حزمة قرارات عادلة وشرعية، مطابقة للقانون ومنسجمة مع المعايير التي وضعها المُصمم، لتطبق بعمومية وموضوعية وحياد.

كيف يمكن للخوارزميات، المبنية على تدبير تقني معقد للبيانات والمعايير، أن تنتبه إلى الخصوصيات والاستثناءات، أو أن تلتفت إلى مفارقة الشرعية القانونية التي تنتج أوضاعاً غير عادلة؟

المؤكد أن الإنصاف قيمة إنسانية عصية على الترجمة التكنولوجية، يصعب تصميمها في برمجيات تقنية، كما يستحيل اختزالها في معادلات التدبير الحسابي وصيغ التنميط الإجرائي.

لذلك تحتاج الإدارة في زمن الرقمنة إلى المزيد من الإنسانية والأخلاق والمشاعر، ويحتاج الفقه الإداري إلى إعادة تعريف شاملة لمكوناته ومضامينه، ويحتاج القاضي الإداري إلى توسيع هامش الرقابة على القرار الإداري ليمتحن تصميمه التقني والمعادلات الدقيقة لهندسة خوارزمياته.

كما يحتاج الوسيط من جهة لخبرة تقنية تؤهله لإعادة بناء المسار التقني لصناعة القرار موضوع التظلم، ومن جهة أخرى لخبرة إنسانية/ عاطفية تؤهله لفحص آثار القرار من زاوية الضمير والإنصاف.

ولكل ذلك فإن دورنا هو أن نصفق لتطور الذكاء الاصطناعي في تيسير الولوج للمرافق والخدمات، وفي نفس الوقت أن ندافع – داخل الإدارة وفي العلاقة بينها وبين المرتفق – عن مكانٍ أكبر للذكاء العاطفي وأن نشجع الذكاء الأخلاقي كقاعدة مرفقية أساسية، منتصرين للدفاع عن الشرط الإنساني في إدارة يُراد لها -باسم النجاعة- أن تتحول إلى آلة حاسبة ضخمة بلا ضمير ولا مشاعر.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى