
عرفت جهة طنجة تطوان الحسيمة، أول أمس الأربعاء، وضعا استثنائيا وصفه متابعون بـ”الأربعاء الأسود”، وذلك بسبب الارتفاع الخطير في منسوب عدد من الأودية والسدود، عقب تساقطات مطرية غزيرة ومستمرة أدت إلى فيضانات واسعة وشلل شبه تام في عدة مرافق حيوية. ومنذ الساعات الأولى من صباح أول أمس، سجلت مختلف عمالات وأقاليم الجهة ارتفاعا غير مسبوق في منسوب الأودية، خاصة بالمناطق القروية وشبه الحضرية، حيث خرجت بعض المجاري المائية عن مسارها الطبيعي، ما أدى إلى غمر مساحات واسعة من الأراضي الفلاحية، وتطويق أحياء سكنية، وقطع عدد من الطرق الوطنية والجهوية والإقليمية.
م. أبطاش – ح. الخضراوي
تسببت الفيضانات بجهة طنجة تطوان الحسيمة في توقف حركة السير بعدة محاور استراتيجية تربط بين مدن الجهة، من بينها مقاطع طرقية تربط طنجة بتطوان ووزان والعرائش، إضافة إلى مسالك قروية عزلت دواوير بأكملها عن محيطها على غرار إقليم الحسيمة، كما عرفت حركة النقل العمومي اضطرابا كبيرا، وسط حالة من الارتباك في صفوف المواطنين والمهنيين.
وفي السياق ذاته، أثار الارتفاع السريع في منسوب مياه عدد من السدود بالجهة مخاوف حقيقية لدى السكان المجاورين، خاصة في ظل لجوء الجهات المختصة إلى فتح قنوات تصريف احترازية لتخفيف الضغط، ما ساهم في زيادة تدفق المياه نحو الأودية والمناطق المنخفضة.
رفع درجة التأهب وفرق للتدخل السريع
رفعت السلطات المحلية درجة التأهب القصوى، حيث جرى تسخير فرق ميدانية للتدخل السريع، وإنقاذ العالقين، ومراقبة النقاط السوداء المعروفة بخطورتها خلال فترات التساقطات، كما تم إغلاق عدد من المقاطع الطرقية كإجراء وقائي، وتحويل حركة السير نحو مسارات بديلة، وذلك بناء على التوجيهات الملكية في هذا الشأن بضرورة إيلاء اهتمام كبير لما يجري بالمناطق الشمالية. وقد خلفت هذه الفيضانات خسائر مادية متفاوتة، شملت تضرر بعض المنازل خاصة بمنطقة القصر الصغير والمداشر المجاورة لها، ومحلات تجارية، ومركبات بوزان وتطوان والعرائش، إلى جانب أضرار لحقت بالبنية التحتية وشبكات الطرق والتجهيزات العمومية، في انتظار حصر دقيق لحجم الخسائر من طرف الجهات المعنية.
وعلى صعيد آخر، أصدرت السلطات المحلية، منذ الساعات الصباحية الأولى، أمرا رسميا بإخلاء مدينة القصر الكبير من السكان، وذلك كإجراء احترازي على خلفية الارتفاع الخطير في منسوب مياه سد وادي المخازن، في ظل تساقطات مطرية قوية ومتواصلة رفعت منسوب الأودية المحيطة بالمدينة إلى مستويات غير مسبوقة. وحسب المعطيات، الصادرة عن الجهات المختصة، فإن قرار الإخلاء جاء بسبب مباشرة عملية تنفيس السد، وما يرافقها من مخاطر محتملة على سلامة السكان، إضافة إلى فرضيات تقنية مرتبطة بالضغط الكبير الذي يشهده السد بفعل قوة الأمطار وتواصلها.
وكشفت بعض المصادر أنه من المرتقب أن تعرف المنطقة تطورات وصفتها بالخطيرة، خاصة في ظل وصول سد وادي المخازن لنسب امتلاء غير مسبوقة، مما سيجعل السلطات المختصة تلجأ إلى تنفيس السد، كما جاءت عملية إخلاء السكان و”تصفير” كلي للمدينة في ظل مخاوف من مخاطر تقنية بالسد والتي من شأنها أن تتسبب في سيناريوهات غير متوقعة، على غرار ما جرى بمدينة درنة الليبية منذ سنوات، وهو ما دفع السلطات إلى إبعاد كل السكان وإجلائهم عن المدينة بشكل احترازي.
وكشفت البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية، عن تنفيذ عملية نزوح واسعة النطاق خلال الأيام القليلة الماضية، حيث بلغ إجمالي الأشخاص الذين تم إجلاؤهم حتى صباح أول أمس 108,423 شخصا، موزعين على أقاليم العرائش، القنيطرة، سيدي قاسم، وسيدي سليمان. وسجل إقليم العرائش الحصيلة الأكبر بـ 81,709 أشخاص، حيث غادر نحو 85% من سكان مدينة القصر الكبير منازلهم سواء عبر وسائل النقل التي وفرتها الدولة أو بإمكانياتهم الخاصة، في عملية وصفتها السلطات بأنها تمت وفق منهجية تدريجية تراعي درجات الخطورة.
ميدانياً، وتنفيذا لتعليمات الملك محمد السادس، تواصل القوات المسلحة الملكية انتشارها الميداني بتنسيق وثيق مع وزارة الداخلية لتأمين عمليات الإجلاء والنقل اللوجستي للمتضررين نحو مخيمات إيواء وفضاءات استقبال تم تجهيزها خصيصاً لاحتواء الأزمة.
وأكدت السلطات استمرار تعبئة كافة الموارد البشرية واللوجستيكية لمواجهة هذا الظرف المناخي الاستثنائي، مشيدة بمستوى الوعي الذي أبداه المواطنون في التجاوب مع قرارات الإخلاء.
لجان اليقظة تواجه عاصفة «ليوناردو»
عاشت لجان اليقظة، المكلفة بالتدخلات الميدانية للإنقاذ وتوفير شروط السلامة، أول أمس الأربعاء، يوما استثنائيا في مواجهة عاصفة «ليوناردو» التي تسببت في تساقطات مطرية غزيرة مصحوبة برياح قوية، ما أدى إلى غرق العديد من الأحياء داخل المدن، وانقطاع الطرق بين طنجة وتطوان وشفشاون، فضلا عن شلل حركة السير لساعات قبل عودتها وسط طوابير طويلة للسيارات والشاحنات التي اصطفت في انتظار تراجع منسوب المياه والانطلاق إلى الوجهة المقصودة.
وكما حذرت من ذلك لجنة اليقظة بتطوان، تسبب ارتفاع منسوب مياه الوديان وفيضان وادي مرتيل في غمر المياه للعديد من المنازل بحي كويلمة وموكلاتة، فضلا عن تحول الأزقة والشوارع إلى وديان جارفة حتى بالأحياء الراقية، حيث عملت خلية اليقظة على الترحيل المسبق للعديد من العائلات تجنبا لأي تطورات خطيرة مرتبطة بنشرة الطقس الحمراء التي تم تعميمها على جميع المؤسسات المعنية والرأي العام المحلي.
وتدخلت فرقة خاصة للوقاية المدنية بتطوان من أجل إنقاذ ستة أشخاص أحاطت بهم مياه وادي مرتيل، حيث تم جلب دراجة مائية «جيت سكي» وقارب من الحجم المتوسط، وكللت العملية بالنجاح تحت إشراف العديد من المسؤولين في السلطات المحلية والأمنية بمرتيل، وكذا حضور مسؤولين في الوقاية المدنية للتنسيق الجيد والتدخل المهني وفق شروط السلامة.
انقطاع الطرق وغرق أحياء
تسببت الأمطار الغزيرة التي شهدتها مدن المضيق وتطوان وشفشاون، صباح أول أمس الأربعاء، في انقطاع الطريق الوطنية التي تربط بين تطوان وطنجة، حيث غمرتها المياه وشلت حركة السير، كما تم تسجيل انقطاع الطريق الوطنية بين المضيق وتطوان بالقرب من مرجان، وهو الشيء الذي استدعى تدخل لجنة اليقظة لفتح الطريق السيار تطوان الفنيدق بالمجان في وجه حركة السير، لضمان انسيابية السير وتحرك سيارات الإسعاف والإنقاذ والتموين الغذائي، فضلا عن ضمان استمرارية تحرك الآليات والمعدات الخاصة بالإنقاذ.
وتم التدخل لتصريف مياه الأمطار، على مستوى الطريق بين المضيق وتطوان، حيث عادت حركة السير بشكل عادي بعد ساعات من التوقف، فضلا عن عودة حركة السير بين طنجة وتطوان، بعد تراجع منسوب مياه الوديان وانفراج الأجواء نسبيا وسماح اللجنة الميدانية بتحرك السيارات والشاحنات التي كانت متوقفة بالمكان.
وحسب مصادر مطلعة، تمت متابعة انقطاع الطرق بشكل ميداني من قبل خلية اليقظة، لضمان عودة السير في أسرع وقت ممكن، فضلا عن تنزيل تعليمات بدراسة الأوضاع بشكل مستعجل وإيجاد الحلول وعدم السماح بأي شكل من أشكال التهور أو المغامرة خارج احترام شروط السلامة والوقاية من الأخطار.
وتسببت الفيضانات في إغراق أحياء بتطوان والمضيق، ما استنفر لجان اليقظة لحماية الأرواح بالدرجة الأولى، حيث جرى التدخل على مستوى العديد من النقط السوداء، وتوجيه شركات التدبير المفوض من أجل تنقية قنوات تصريف مياه الأمطار من عوالق الفيضانات، والانتباه للتيار الكهربائي وقطعه إذا تطلب الأمر ذلك، خاصة بالوحدات الصناعية والمنازل والطوابق السفلية التي غمرتها المياه.
وكشفت مصادر مطلعة أن مشكل الفيضانات بحي كويلمة بتطوان يتكرر مع كل تساقطات مطرية غزيرة وارتفاع منسوب مياه وادي مرتيل، لذلك يجب التفكير في حلول جذرية بالتزامن مع مشاريع الهيكلة التي ستطلقها الجماعة الحضرية، والقطع مع كافة أشكال العشوائية وتغييب المتغيرات المناخية من الدراسات التقنية وأثناء تنفيذ مشاريع تجهيز البنيات التحتية.
واستنادا إلى المصادر عينها، فإن حي الديزة بمرتيل شهد بدوره تسرب مياه الأمطار إلى المنازل، وذلك بسبب العشوائية في البناء والترامي على أملاك الغير، والبناء فوق البرك المائية، وهو الشيء الذي يستدعي العودة إلى أرشيف التقارير والمحاضر لتفعيل المحاسبة وفق الصرامة المطلوبة عوض الاكتفاء بالشكايات والاحتجاجات على غياب الجودة في الخدمات العمومية.
وأضافت المصادر ذاتها أن الفيضانات تسببت في غمر العديد من الأزقة والطرق بحي الدريوات وبعض المناطق المنخفضة المجاورة بتراب الجماعة الحضرية لمرتيل، ما استدعى تعبئة مختلف الآليات الجماعية من شاحنات وجرافات ومضخات لشفط المياه المتراكمة، إلى جانب فتح المسالك وتسهيل حركة السير وضمان سلامة السكان.
وشملت تدخلات لجان اليقظة بتطوان والمضيق تسريع فتح الطرق والشوارع المغلقة، وإزالة الأوحال ومخلفات الفيضانات، فضلا عن إعادة توجيه المياه نحو المصب المناسب للحد من تفاقم الوضع، خاصة بالمناطق التي تعرف هشاشة في البنيات التحتية.
خسائر مادية بالملايين وتعليق الدراسة
حسب مصادر الجريدة، فإن الخسائر العمومية بمدن الشمال قدرت بالملايين وهمت أعمدة الكهرباء العمومية، وسقوط الأشجار ولوحات التشوير، وانهيارات الطرق العمومية وانزلاقات التربة وما خلفته من رعب في نفوس السكان والحاجة لدراسات تقنية تبحث الأسباب وتطرح الحلول من خلال مشاريع واضحة وفق شروط السلامة.
واستنادا إلى المصادر نفسها، فإن السلطات المختصة بجهة طنجة – تطوان – الحسيمة باشرت الإحصاء المؤقت للخسائر المادية الجسيمة التي خلفتها الفيضانات، لكن التدخلات الآن تتم وفق معايير الأوليات والقضايا الاستعجالية، في انتظار تحسن الأحوال الجوية للقيام بجرد شامل واتخاذ الإجراءات الضرورية للتعويض والتخفيف من معاناة المواطنين.
ومازالت كل فرق لجان اليقظة بتطوان والمضيق ووزان وشفشاون والقصر الكبير وطنجة والعرائش والحسيمة في حالة تأهب واستنفار قوي، تبعا لمستجدات نشرات الطقس الإنذارية، وتوقعات هبوب رياح قوية وأمطار غزيرة محلية، ما يستدعي استمرار التعليمات نفسها بحماية الأرواح والممتلكات واليقظة والتجاوب مع الشكايات ونداءات الإغاثة وفق النجاعة والسرعة والتنزيل الأمثل للتعليمات الملكية السامية في الموضوع.
إلى ذلك، قامت المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بكل من المضيق وتطوان، بإصدار قرار جديد يقضي باستمرار تعليق الدراسة بكافة المؤسسات التعليمية العمومية والخاصة ليوم الخميس من الأسبوع الجاري، وذلك تبعا للنشرة الإنذارية رقم 2026/35 الصادرة عن المديرية العامة للأرصاد الجوية، التي أكدت على استمرار الاضطرابات الجوية والرياح القوية والتساقطات المطرية الغزيرة.
ويأتي هذا القرار، الذي تم بتنسيق مع السلطات الإقليمية، حرصا على سلامة التلميذات والتلاميذ وكافة الأطر التربوية والإدارية، كما أكدت مصالح المديرية الإقليمية بتطوان والمضيق أنها تتابع عن كثب تطورات الحالة الجوية، وتنسق بشكل مستمر مع لجان اليقظة المحلية مع موافاة الرأي العام بكل مستجد في حينه.
ولم يتم تسجيل أي خسائر بشرية، ولله الحمد، في عاصفة ليوناردو، بالمضيق وتطوان، مقابل تسجيل خسائر مادية جسيمة همت الممتلكات العمومية والخاصة، حيث تضرر العديد من السكان بأحياء بمرتيل والمضيق وكويلمة وأحياء راقية بتطوان من تسرب المياه إلى منازلهم وضياع الأثاث والمعدات المنزلية، وسط مطالب بالمساعدة والتعويض عن الخسائر ودعم المتضررين خاصة الفئات الهشة والفقيرة.
مطالب لوزارة التضامن بالعناية بمواليد الفيضانات
بعد نجاح أطر وزارة الصحة في إنقاذ نساء حوامل
الأخبار
كشفت عمليات إجلاء ضحايا الفيضانات الأخيرة، التي عرفتها مجموعة من مناطق المملكة، وخاصة بمنطقة الغرب، عن المجهودات الكبيرة التي بذلها الطاقم الطبي والتمريضي، التابع لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، والذي نجح في أكثر من مناسبة، في إنقاذ أرواح نساء حوامل، مثلما جرى، أول أمس الأربعاء بإقليم سيدي قاسم، حيث نجحت بدرينا أزمري، (قابلة) تعمل بالمركز الصحي الحوافات، في الإشراف على عملية ولادة توأم داخل سيارة الإسعاف، بعد نقل القابلة والمرأة الحامل من منطقة الحوافات صوب منطقة تهلي ضواحي الإقليم، عبر قارب مطاطي سريع (زودياك).
وأوضحت المصادر أن عمليات الإنقاذ، التي تستهدف بشكل كبير النساء الحوامل والمرضى من كبار السن، وجب أن تشملها مواكبة المسؤولين بوزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، خاصة أن الأمر يتعلق بأطفال حديثي الولادة، سيما أن اعتمادات مالية مهمة تم رصدها طيلة سنوات مضت من ميزانية الدولة والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، لفائدة بناء مراكز للأمومة والاستقبال، والتي يفترض أن تكون في حالة استنفار لاستقبال النساء الحوامل والعناية بالأطفال الرضع، وتقديم كافة الخدمات المطلوبة.
وكشفت المصادر أن مصالح وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بدورها باتت مطالبة بتفعيل وتطوير خدمات المصلحة المتنقلة للمستعجلات والإنعاش، المعنية بتقديم الخدمات الطبية عن قرب، للمتضررين من الفيضانات، وللمرضى المحاصرين بالمناطق النائية، أو تلك التي حاصرتها مياه الأمطار والتساقطات الكثيفة للثلوج، عبر التنسيق مع مصالح وزارة الداخلية.





