
مصطفى عفيف
عادت قضية اجتثاث أشجار ساحة الحنصالي بمدينة الجديدة إلى واجهة النقاش العمومي بعد صدور الحكم الابتدائي في الملف، والذي قضى بإدانة صاحب مقهى متابع على خلفية هذه الواقعة التي أثارت استياءً واسعاً في الأوساط المدنية والبيئية، بحيث قضت المحكمة الابتدائية بالجديدة بمؤاخذة المتهم من أجل الأفعال المنسوبة إليه، والحكم عليه بشهرين حبسا موقوف التنفيذ وغرامة مالية نافذة قدرها 250 درهماً، مع إلزامه بأداء تعويضات مدنية لفائدة كل من إدارة المياه والغابات وجماعة الجديدة. وحددت المحكمة التعويض لفائدة إدارة المياه والغابات في 4800 درهم، مقابل 10 آلاف درهم لفائدة الجماعة الترابية للجديدة، مع تحميل المتهم الصائر ورفض باقي الطلبات.
ويأتي هذا الحكم ليضع حداً للشق القضائي الأول من القضية، لكنه في المقابل يفتح الباب مجدداً أمام تساؤلات متزايدة بشأن مدى احترام القوانين المنظمة لحماية الأشجار والفضاءات الخضراء بالمجال الحضري، خاصة أن الأشجار التي تعرضت للاجتثاث كانت تشكل جزءاً من المشهد البيئي والجمالي لأحد أهم الفضاءات العمومية بمدينة الجديدة.
وكان وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالجديدة قد قرر في وقت سابق متابعة صاحب المقهى في حالة سراح مقابل كفالة مالية بلغت 100 ألف درهم، مع إحالة ملفه على هيئة الجنحي التلبسي، بينما تقرر حفظ المتابعة في حق مستشارين جماعيين بسبب ما اعتبرته النيابة العامة آنذاك غياب أدلة كافية تبرر متابعتهما.
غير أن قرار الحفظ لم ينه الجدل المرافق للملف، إذ سارعت الهيئة الوطنية لحماية المال العام والشفافية بالمغرب، فرع الجديدة، إلى المطالبة بإعادة فتح التحقيق، من خلال تقديم طلب رسمي إلى النيابة العامة قصد إخراج الملف من الحفظ، استناداً إلى معطيات جديدة اعتبرت أنها تستوجب تعميق البحث وترتيب المسؤوليات.
وأكدت الهيئة أن المعطيات المتوفرة لديها تشير إلى احتمال تورط أطراف أخرى في عملية قطع الأشجار، معتبرة أن الأمر يتعلق بمساس مباشر بالملك العام البيئي، ما يفرض، بحسبها، تحديد جميع المسؤوليات الإدارية والسياسية والقانونية المرتبطة بالواقعة.
وكانت عناصر الشرطة القضائية بأمن الجديدة قد أحالت الملف على أنظار النيابة العامة بتاريخ 21 أبريل الماضي، حيث شملت الأبحاث ممثل الهيئة الوطنية لحماية المال العام والشفافية بصفته الطرف المشتكي، إلى جانب مستشارين جماعيين وصاحب المقهى الذي توبع في القضية.
وتشير معطيات متداولة في الملف إلى أن الهيئة الحقوقية استندت في طلبها إلى معلومات تفيد بمشاركة بعض المنتخبين في عملية اجتثاث الأشجار دون الحصول على التراخيص القانونية اللازمة أو وجود مبررات تقنية أو بيئية تفرض تنفيذ العملية، وهو ما دفعها إلى التشبث بمطلب توسيع دائرة البحث.
كما عرف الملف تطوراً لافتاً بعد تداول مراسلة وجهها النائب الأول لرئيس جماعة الجديدة، رفيق بناصر، إلى رئيس المجلس الجماعي، تحدث فيها عن وجود اختلالات مرتبطة بمسار معالجة طلب قطع الأشجار، مشيراً إلى أن كاتب المجلس قام بتسجيل الطلب وسحبه من مكتب الضبط وتتبع تنفيذ العملية ميدانياً.
وفي تعليقه على القضية، أكد رضوان دليل، نائب المنسق الإقليمي وعضو اللجنة الإدارية للهيئة الوطنية لحماية المال العام والشفافية بالمغرب، أن قطع الأشجار دون سند قانوني يعد فعلاً مجرماً بمقتضى الفصول 597 و599 من القانون الجنائي، فضلاً عن المقتضيات القانونية الواردة في النصوص المنظمة للغابات وحماية الثروة النباتية.
وأضاف أن الأشجار التي تم اجتثاثها لا تمثل مجرد أغراس عادية، بل تشكل جزءاً من الذاكرة البيئية والعمرانية لمدينة الجديدة، بالنظر إلى عمرها الذي يمتد لعقود طويلة وموقعها داخل أحد أبرز الفضاءات العمومية بالمدينة.
ورغم صدور الحكم القضائي، فإن القضية لا تزال تلقي بظلالها على تدبير الشأن البيئي المحلي، في ظل استمرار مطالب فعاليات مدنية وحقوقية بفتح تحقيق شامل وتحديد المسؤوليات بشكل دقيق، بما يضمن حماية الفضاءات الخضراء وصون الرصيد البيئي للمدينة من أي ممارسات قد تهدد استدامته مستقبلاً.





