حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

السجادة الحمراء لراحة البال

 

مقالات ذات صلة

 

نعيمة لحروري

 

 

في هذه المرحلة من العمر وصلت إلى ما أسميه «المقام المذهب للامبالاة الواعية». مقام لا يشبه البرود ولا الجفاء، بل هو أشبه بمرتفع ترى منه كل شيء بصفاء: فلا تندهش، ولا تغضب، ولا تركض خلف أي عاصفة. لقد ركضت كثيرا، وجربت كل المسافات، ثم اكتشفت أن معظم تلك العواصف لم تكن سوى هواء فاسد.

لم يعد يعنيني من يرقص مع القمر، أو يتسلق الغيم ليعلن نفسه ملكا على الغيوم. من يعبد الحجر أو البطاطس، من يسجد للشمس، أو يطارد الكواكب ليجمع منها غبارا ذهبيا. من يقرأ القرآن أو كف العجائز، من يحلف بالسماء أو بالأرض. جميعهم متساوون عندي، ما داموا لا يمدون أصابعهم إلى جيبي، ولا يزرعون شوكا في طريقي، ولا يقتلعون باب بيتي، بحجة أنهم يملكون مفاتيح الحقيقة.

في الماضي، كنت أستنزف طاقتي في النقاش والجدال، في الدفاع وتصحيح الأخطاء، متوهمة أنني أستطيع إنقاذ العالم، أو على الأقل مسح شيء من غباره الأخلاقي. لكنني اكتشفت، متأخرة، أن العالم يحب غباره، يعانق عتمته، ويرش العطر على قذارته، كي يبدو مقبولا أمام المرآة. حينها فهمت أن دوري ليس أن أكنس الأرض، بل أن أختار موطئ قدمي كي لا تتسخ.

لم يعد يثير فضولي من باع ضميره في المزاد، أو اشترى قناع الفضيلة بالتقسيط، أو بدل جلده كل فصل كما تفعل الأفاعي. من يتباهى بأمجاد لم يصنعها، وبكلمات لم يؤمن بها، وبوعود يعلم أنه لن يفي بها. صاروا مجرد مشاهد باهتة في سيرك الحياة، وأنا اخترت مقعد المتفرج الصامت الذي يأكل الفشار ويضحك من بعيد.

لم أعد أسأل الناس عن دينهم، ولا عن ألوان قلوبهم، ولا عن مقاسات أفكارهم. لا يعنيني مع من ينامون ولا على أي وسادة يحلمون، ما داموا لا يقطعون الطريق على أحلامي، ولا يسكبون السم في فنجان قهوتي.

وضعت مسافة أمان بيني وبين الجميع: قريبة تكفي كي أراهم بوضوح، وبعيدة تمنع عني ضجيجهم إن قرروا الصراخ.

أكبر إنجاز أفتخر به اليوم هو أنني تعلمت فن اختيار المعارك، وفن الصمت أمام نصف الكلام، وفن قول «لا يهم» وأنا أعنيها حقا. وهذا الفن لا يكتسب في يوم، بل يحتاج سنوات من التجارب، وكمية محترمة من الخيبات، وساعات طويلة من الجلوس مع النفس.

الآن، كل ما يهمني هو فنجان قهوة أحتسيه ببطء، وكرسي هزاز على شرفة تطل على حديقة ساكنة، ونسمة عابرة تقول لي: «أحسنت، ها أنتِ على الطريق».

يهمني أن أضحك من قلبي، أن أقرأ كتابا لا يناقشني فيه أحد، أن أكتب جملة لا أنتظر لها تصفيقا، وأن أعيش يوما كاملا دون أن أشرح نفسي لأحد.

لقد تعبت من أولئك الذين يظنون أنفسهم وكلاء الله على الأرض، ومن لجان التفتيش الأخلاقي المتنقلة، ومن المعارك الصغيرة التي تستهلك الروح، ومن الحوارات التي لا تنتهي، ومن الآراء التي تلد آراء أخرى دون أن تلد الحقيقة.

الآن عرفت أن الحياة أقصر من أن تهدر في تتبع خطايا الآخرين، أو في تصحيح أخطائهم. أجمل ما أقدمه لنفسي هو أن أعيش كما يحلو لي، بلا أذى لأحد، وبلا انتظار لموافقة أحد.

لقد بلغت أخيرا تلك النقطة من النضج «أو الجنون الجميل»، حيث أفرش السجادة الحمراء لراحة بالي، وأدعها تدخل قبلي إلى البيت، ثم نجلس معا نحتسي الشاي، ونضحك من بعيد على هذا السيرك الكبير المسمى حياة.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى