الرأي

«السراب»..

يونس جنوحي
نريد أن يخبرنا أحد ما في هذا البلد عن موقعنا في خريطة الصناعة السينمائية حول العالم. إذ أننا نعيش هذه الأيام ما يشبه حربا نووية بين الدول، لا مكان فيها للصواريخ ولا حتى الرؤساء. المخرجون السينمائيون والمُنتجون والممثلون العالميون هم الذين يخوضون هذه الحرب.
إذ أن الأعمال العالمية لم تعد مجرد إنتاجات تعرض للجمهور، وإنما أصبحت أكثر تأثيرا من السياسيين أنفسهم. هذه الأيام لا حديث يعلو عن تداعيات سلسلة من تسع حلقات يمكن اعتبارها صناعة كورية جنوبية خالصة استطاعت أن تستأثر باهتمام الرأي العام العالمي وليس النقاد أو المنتجين فحسب. سلسلة كورية تناقش موضوع الإنسان المقهور وتداعيات قروض البنوك وانتشار إدمان لعبة القمار في أوساط الآسيويين.
وربما لم يسبق لأي عمل فني، باستثناء السلسلة الإسبانية الشهيرة التي تدور أحداثها حول اقتحام بنك إسبانيا وسرقة عصابة لاحتياطي الذهب في إسبانيا، أن خطف الأضواء بهذا الشكل. إذ أن السلسلة الكورية تكشف الوجه الآخر للصورة التي كرسها الناس عن كوريا الجنوبية. إذ رغم أنها بلد متقدم ومن كبريات الدول التي بنت اقتصادها على الصناعات الذكية والدقيقة، إلا أن الإنسان الكوري لا يزال يعيش إكراهات يعيشها مواطنو دول العالم الثالث.
ربما يكون ولى عهد هيمنة «هوليوود» على عالم الإنتاج السينمائي والتلفزي. لم يعد العالم مجبرا على اعتبار الأمريكي مخلص العالم من الشر وحامل الديموقراطية إلى كل أنحاء العالم.
نتوفر في المغرب على أفضل شروط تصوير الأعمال السينمائية، حتى أن الأعمال التي تناولت تطورات الأحداث السياسية في العالم العربي، جرى تصويرها جميعا في المغرب، بحكم أن الأوضاع المقلقة التي تعيشها تلك الدول لا تسمح بالتصوير ومشاركة ممثلين ومنتجين أجانب. إذ أن الاستقرار السياسي والأمني مكنا فعلا من تزايد العرض على اختيار المغرب وجهة وحيدة لتصوير هذه الانتاجات العالمية.
لكن لماذا ليست لدينا نحن صناعة سينمائية وإنتاجية محترمة؟ ربما ينجح المغرب في اختراع كاميرا متطورة يمكن تسويقها إلى العالم على أنها إنتاج مغربي خالص، ولن ينجح أحد في الإجابة على سؤال بهذا الحجم.
عندنا أرشيف محترم جدا من الأعمال وحتى «المحاولات» المبكرة لإنتاج الأعمال السينمائية في المغرب. لكن الوضع المقلق حاليا للإنتاجات المغربية يجعلنا نُسائل القائمين على القطاع، عن سبب تأخر المغرب مقارنة مع دول أخرى ربما لم يكن لها وجود عندما كان المغرب يناضل من أجل الاستقلال.
عندما تستطيع دول حديثة النشأة تأسيس صناعات سينمائية قدمت أعمالا تنافس على العالمية، في وقت لا نزال نحن نتفرج على إنتاجات الآخرين، ونرى كيف يأتي إلينا مُخرجون من كل أنحاء العالم لتصوير أفلام تحصد الجوائز، دون أن نستطيع الحصول على موقع في تلك المنافسة، فهذا يعني أن مشكلتنا أكبر بكثير من استغلال الإضاءة الطبيعية في ورززات.
يأتي مخرجون من أنحاء الكرة الأرضية لاستغلال مناظر التصوير والإطارات في المغرب، وفي نفس الوقت يصر بعض المخرجين المغاربة على تصوير أغلب مشاهد المسلسلات والأفلام داخل الشقق السكنية.
ورغم أن صناعة السينما في المغرب بدأت مبكرا، إلا أنه لا يوجد فيلم مغربي اليوم يتوفر على مشاهد تحاكي سحر الصورة التي ينقلها الأجانب عن المغرب في أفلامهم، رغم أن كل مُخرجي العالم يصورون بنفس أنواع الكاميرات.
وحده أحمد البوعناني كان يعرف إلى أين سوف تؤول الأمور لاحقا، ففكر في إخراج فيلمه «السراب» سنة 1979، حيث ناقش الفقر والقهر والدوامة التي دخلها الإنسان المغربي، بكاميرا واحدة فقط. اختفى الفيلم ونُسي، ولم يبق فعلا إلا «السراب».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى