
النعمان اليعلاوي
دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى إطلاق مشروع وطني متكامل، للنهوض بالسلوك المدني في الفضاءات العمومية، يقوم على ميثاق وطني يحدد قواعد السلوك المشترك ويعزز قيم المواطنة والمسؤولية الجماعية، معتبرا أن الاستعدادات الجارية لتنظيم كأس العالم لكرة القدم 2030 تشكل فرصة استراتيجية لتسريع هذا الورش المجتمعي.
وجاء ذلك خلال لقاء تواصلي احتضنه مقر المجلس بالرباط، خصص لتقديم مضامين الرأي الذي أعده حول السلوك المدني في الفضاءات العمومية، حيث استعرض المجلس أبرز خلاصاته وتوصياته الرامية إلى تعزيز التماسك الاجتماعي، وتحسين جودة العيش المشترك، وترسيخ الثقة بين المواطنين.
وأكد عبد القادر اعمارة، رئيس المجلس، أن الفضاء العمومي يشكل مجالا مشتركا تتجسد فيه مختلف أشكال التفاعل الاجتماعي، مشددا على أن احترام القواعد المنظمة لهذه الفضاءات وتحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات يعدان مدخلا أساسيا لترسيخ المواطنة الفاعلة، وتعزيز ثقافة المسؤولية.
وأوضح اعمارة أن المغرب يتوفر على رصيد حضاري وقيمي غني قائم على التضامن والاحترام المتبادل وخدمة الصالح العام، وهي قيم برزت بوضوح خلال العديد من المحطات الوطنية، خاصة في فترات الأزمات التي شهدت تعبئة مجتمعية واسعة وروحا تضامنية عالية.
في المقابل، سجل المجلس استمرار عدد من الممارسات التي تعكس ضعف الالتزام بالسلوك المدني في بعض الفضاءات العمومية، من قبيل الإضرار بالممتلكات العامة، والإخلال بالنظافة، وعدم احترام قواعد السلامة والاستعمال السليم للطريق، معتبرا أن هذه السلوكيات تتعارض مع متطلبات العيش المشترك ومع القيم التي يزخر بها المجتمع المغربي.
وأشار المجلس إلى أن المبادرات العمومية التي أطلقت خلال السنوات الماضية بهدف تعزيز ثقافة المواطنة والسلوك المدني عبر المدرسة ووسائل الإعلام وبرامج التوعية المختلفة، لم تحقق بعد الأثر المنشود بسبب محدودية التنسيق بين المتدخلين وطغيان المقاربة القطاعية على هذه الجهود.
وربط الرأي الاستشاري للمجلس انتشار بعض الممارسات غير المدنية بجملة من العوامل، من بينها التحولات التي تعرفها آليات التنشئة الاجتماعية، وتزايد تأثير الفضاء الرقمي، والتفاوتات الاجتماعية والمجالية، إضافة إلى صعوبات الولوج إلى بعض الخدمات وفرص الإدماج، فضلا عن تحديات مرتبطة بتفعيل القوانين المؤطرة للفضاءات العمومية وآليات تدبير القرب.
وأكد المجلس أن إعادة الاعتبار للفضاء العمومي تقتضي تحسين جودته وتطوير استعمالاته وضمان ولوج الجميع إليه في ظروف ملائمة، بما يسهم في تشجيع احترام القواعد المشتركة وترسيخ السلوكيات المدنية.
وفي هذا السياق، اقترح المجلس إطلاق مشروع وطني شامل يستند إلى ميثاق وطني للسلوك المدني يتم إعداده وفق مقاربة تشاركية تضم مختلف الفاعلين، كما دعا إلى دراسة إمكانية إشراك مؤسسة «المغرب 2030» في تنزيل هذا المشروع، ضمن التحضيرات المرتبطة بتنظيم نهائيات كأس العالم.
وأوصى بتشديد تفعيل المقتضيات القانونية المتعلقة بالمخالفات الماسة بالنظام العام، وإرساء إطار موحد للعقوبات الإدارية يراعي الخصوصيات الجهوية، مع اعتماد بدائل ذات طابع تربوي وإصلاحي، من بينها الأشغال ذات المنفعة العامة وبرامج التكوين والتأهيل.
ودعا أيضا إلى إعداد مدونة وطنية للسلوك المدني داخل المرافق العمومية، تحدد حقوق وواجبات المرتفقين والموظفين، مع اعتماد معايير واضحة لجودة الخدمات، وترسيخ ثقافة القدوة الحسنة في تدبير الشأن العام.
وفي المجال التربوي، شدد المجلس الرأي على ضرورة إدماج التربية على السلوك المدني بشكل صريح ضمن المناهج والبرامج الدراسية بمختلف الأسلاك التعليمية، مع تعزيز الأنشطة الموازية الهادفة إلى غرس قيم المواطنة والمسؤولية لدى الأجيال الصاعدة.
وخصص جزءا مهما من توصياته للسلوك المدني في التظاهرات الرياضية الوطنية والدولية، داعيا إلى تعزيز قيم الاحترام والروح الرياضية والعيش المشترك داخل الملاعب ومحيطها، وتحسين شروط السلامة والولوجية، وتطوير البنيات التحتية الرياضية، إلى جانب توظيف الحلول الرقمية لتدبير تدفقات الجماهير والحد من المخاطر، بما يضمن تنظيم تظاهرات رياضية آمنة ودامجة تعكس صورة إيجابية عن المغرب.






