
نعيمة لحروري
في يوم من أيام رمضان، وفي شارع عام يعج بالمارة، وقعت جريمة تقشعر لها الأبدان. سيدة شابة تعرضت للذبح على يد زوجها أمام أعين الناس. لم يكن المشهد في مكان معزول ولا في زاوية خفية من المدينة، بل في فضاء مفتوح حيث يمر الناس وتدب الحياة. ومع ذلك، كان أكثر ما يوجع في تلك اللحظات ليس فقط بشاعة الجريمة، بل ما أحاط بها من صمت وذهول. وقف البعض يتفرج، واكتفى آخرون بإخراج هواتفهم لتصوير المشهد، وكأن المأساة تحولت فجأة إلى مادة للفرجة.
هذه الحادثة ليست مجرد خبر عابر في سجل الجرائم، بل مرآة قاسية تعكس واقعا مقلقا: العنف الذي تتعرض له النساء في الفضاء العام، والبرودة التي قد تقابل بها هذه المآسي أحيانا. فالمرأة لا تتعرض فقط للعنف داخل الجدران المغلقة، بل كثيرا ما تواجهه أيضا في الشارع، حيث يفترض أن يكون المجال العام فضاء آمنا للجميع.
من المؤلم أن تقع مثل هذه الجريمة في شهر يفترض أن يذكر الناس بالرحمة وضبط النفس، وفي أيام قليلة فقط قبل أن يحيي العالم اليوم العالمي للمرأة. هذا اليوم الذي يفترض أن يكون مناسبة للاحتفاء بما حققته النساء من مكاسب، والتذكير بضرورة صون كرامتهن وحقوقهن. لكنه يأتي هذا العام مثقلا بمشهد دموي يطرح أسئلة صعبة عن واقع العنف، وعن مسؤولية المجتمع كله في مواجهته.
العنف ضد النساء ليس دائما بهذا الشكل الصادم، لكنه قد يبدأ أحيانا بأشكال تبدو أقل خطورة: كلمة جارحة، تحرش في الشارع، تهديد أو إهانة. غير أن الخطورة تكمن في أن التساهل مع هذه السلوكيات الصغيرة يفتح الباب تدريجيا أمام عنف أكبر وأكثر قسوة. فالمجتمع الذي يعتاد رؤية الإهانة دون أن يتحرك، قد يجد نفسه يوما أمام جريمة كبرى لم يعد أحد قادرا على إيقافها.
لكن هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: ماذا يحدث لنا عندما نصبح مجرد متفرجين على الألم؟ لا أحد يطلب من الناس أن يتحولوا إلى أبطال يغامرون بحياتهم في كل موقف خطر، لكن بين اللامبالاة الكاملة والشجاعة المطلقة مساحة واسعة من الإنسانية. صرخة، محاولة تدخل جماعي، اتصال سريع بالشرطة، أو حتى إظهار رفض واضح للعنف… كل ذلك قد يصنع فارقا.
لقد أصبحت الهواتف الذكية، في كثير من الأحيان، أسرع من رد فعل الضمير. بدل أن تكون أداة للاستغاثة أو طلب النجدة، تتحول أحيانا إلى وسيلة لتوثيق المأساة فقط. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن تتحول المآسي إلى مشاهد تُستهلك على الشاشات، بينما يظل الضحايا وحدهم في مواجهة العنف.
في اليوم العالمي للمرأة، لا يكفي أن نكتفي بالتهاني والورود والخطب المنمقة. القيمة الحقيقية لأي مجتمع تقاس بما تشعر به نساؤه من أمان في الشارع قبل أي شيء آخر. فإذا كانت امرأة يمكن أن تتعرض للعنف في وضح النهار وأمام الناس، فذلك يعني أن الخلل أعمق من مجرد جريمة فردية. المطلوب ليس فقط قوانين رادعة، بل أيضا يقظة ضمير جماعي يرفض العنف ولا يقف متفرجا عليه. لأن المجتمع الذي يسمح بأن تُنتهك إنسانية امرأة أمام أعينه، ثم يمضي في طريقه كأن شيئا لم يكن، هو مجتمع يحتاج، قبل كل شيء، إلى أن يستعيد حساسيته تجاه الألم، وأن يتذكر أن حماية الضعفاء ليست شعارا، بل مسؤولية مشتركة.





