حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

العجوز والجبل (1)

يسرا طارق

كان يحلو لماو تسي تونغ الاستشهاد بحكاية من موروث الحكم الشعبية: العجوز والجبل.. كره رجل عجوز الجبل الذي ينتصب أمام داره، يحجب الرؤية ونور الشمس والهواء النقي عنه، فقرر هو وأطفاله أن يهاجموه بالفؤوس والمجارف، سخر جيرانه فرد عليهم: «الجبل لن يكبر، بينما لن نتعب، أنا وأطفالي وأحفادي، من النيل منه». في نظر ماو، تلخص هذه الحكاية الشعبية التحديات التي على الشعب الصيني مواجهتها، وهي تحديات تشبه معولا يواجه جبلا، لكن بالإصرار وطول النفس والعمل الدؤوب يمكن للمعول أن يسقط الجبل ويتخلص منه. عرف ماو، وبشكل مبكر، أن مشاكل الصين الكبيرة، والمتراكمة منذ قرون، لا يمكن أن تجد لها حلولا إلا بالحكمة، وسر الأسرار، سر الفلاح – كما كتب آلان بيروفيت، في كتابه: حين تستيقظ الصين.. سيرتج العالم (نابليون الأول) نظرات حول النهج الصيني، وهو ثمرة رحلة استطلاعية ودراسية للصين- هو الاستمرار، الاستمرار حتى قلب الوضعيات، أو انتظار النضج البطيء الذي يبرر أفعال من ذنبهم الوحيد هو أنهم كانوا على حق بشكل مبكر.

انطلق ماو من منطقة قروية صغيرة سنة 1927، بعد سحق الحزب الشيوعي، لم يكن معه إلا مئات من الفلاحين، وبعد 22 سنة، سينتصر جيش الحفاة على كل أعدائه. راهن ماو على جعل البوادي في صفه، وتمثل تكتيكه الحربي في تجميع كل القوى أثناء الهجوم، وتشتيتها أثناء التراجع. تدمير العدو بشكل مفاجئ، وأن لا يسمح له أبدا بالمفاجأة: «حين يتقدم العدو نتراجع، وحين يتوقف ويقيم معسكره نزعجه، وحين يحاول العدو تجنب المعركة نهاجمه، وحين ينسحب نلاحقه». بهذه المبادئ حقق ماو انتصارات كبيرة على عدو يفوقه بعشرة أضعاف.

بعد تلقي ضربات قاصمة من طرف جيش الجنرال شيانغ كي- شيك، ومحاصرة معقل جيشه في كيانغسي، سيقرر ماو القيام بانسحاب أسطوري نحو مقاطعة شنسي. كان على بقايا جيشه الأحمر أن تقطع 12 ألف كلم في تضاريس التبت الصعبة، ليصل إلى مكان بعيد عن المدن، بعيد عن الشاطئ، بعيد عن الغربيين، بعيد عن اليابانيين، بعيد عن المناطق الصناعية، بعيد عن التجارة الدولية، بعيد عن كل القطاعات التي يمكن للجنرال كي- شيك الارتكاز عليها أو توظيفها. إنها المسيرة الطويلة أو الكبرى، التي تمكن ماو بواسطتها من تحويل هزيمة نكراء إلى انتصار عسكري، واستراتيجي وسياسي. لكن كيف تمكنت بقايا جيش مهزوم، منهك، جائع، مطارد، وبتسليح بدائي، وفي مدة 12 سنة من قلب الوضع؟ منذ أن وصل ماو إلى مقاطعة شنسي، تمكن، كما فعل طيلة اختبارات كبرى في حياته، من أن يحول الهزيمة إلى انتصار، وزع الأراضي، نظم الإنتاج الفلاحي وفق النظام التعاوني، نظم الصناعة التقليدية، فتح التعليم في وجه جميع الأطفال، أشرك الفلاحين في اتخاذ القرارات التي تهم حياتهم اليومية، حرص على أن يتصرف كوادر الحزب الشيوعي بتواضع وتفهم والتزام، ورغم شيوعية ماو، ولأنه حقق نصرا باعتماده التام على قوى داخلية، فقد أصر على اتباع نهج وطني، تصدر فيه القرارات والخطط وفق السياق الداخلي لا إملاءات الخارج.

غرس ماو في الشعب الصيني ما سماها «روح يونان» وهي روح الزهد والمساواة، لبس لباس جنوده، مشى راجلا معهم، أكل أكلهم ونام فوق الثرى، وحين وزع الأراضي لم يعط لنفسه شيئا. فهم ماو مبكرا أن التنظير الأيديولوجي لا يكفي، وادعاء الفضيلة لا يؤثر في الناس إلا إذا قُرِنَ بأخوة حقيقية معهم ومشاطرة لهم في رزاياهم ومواجعهم ومحنهم. كان يطلب من الكوادر الحزبية أن يعطوا النموذج بأفعالهم وليس بأقوالهم، وأن يكونوا من الناس في سلوكهم ولباسهم وسكنهم.

في حكاية العجوز والجبل، واصل العجوز يوكينغ عمله ضد الجبل يوما بعد يوم، فرقت له السماء التي أرسلت ملائكة نقلت الجبل من مكانه إلى مكان آخر. يعلق ماو على الحكاية: «اليوم هناك جبلان كبيران يثقلان الشعب الصيني: الأول هو الامبريالية والثاني هو الإقطاع.. ينبغي أن نواصل عملنا ضدهما بدون تهاون، وسننتهي باستثارة السماء، سماؤنا هنا هي كتلة الشعب الصيني، إن نهضت كلها معنا فكيف لا نتمكن من إزاحة هذين الجبلين».

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى