
النعمان اليعلاوي
دخلت أزمة مشروع قانون مهنة المحاماة مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما نظم المحامون والمحاميات، أمس الاثنين، وقفة احتجاجية وطنية أمام مقر البرلمان بالرباط، استجابة لدعوة جمعية هيئات المحامين بالمغرب، التي أطلقت على الخطوة اسم «وقفة تحصين المكتسبات الوطنية»، احتجاجا على ما تعتبرها مقتضيات تمس باستقلالية المهنة، في وقت تتمسك فيه الحكومة بالمشروع باعتباره جزءا من ورش إصلاح منظومة العدالة.
واحتشد مئات المحامين، أمام مقر البرلمان بالرباط في وقفة وطنية دعت إليها جمعية هيئات المحامين بالمغرب، للتعبير عن رفضهم لمشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، معتبرين أنه يمس باستقلالية المهنة ويقوض الضمانات المرتبطة بحق الدفاع.
كما عبر المحامون عن استيائهم مما وصفوه بـ”تنصل رئيس الحكومة من الالتزامات التي سبق أن تعهد بها”، مؤكدين أن الحكومة تراجعت عن التوافقات التي تم التوصل إليها خلال اجتماع جمع الطرفين في فبراير 2026. وكان ذلك الاجتماع قد أفضى إلى تعليق الاحتجاجات واستئناف المحامين لممارسة مهامهم، مقابل تجميد مسار مشروع القانون وإحالته على لجنة مشتركة برئاسة الحكومة لإعادة النظر في مقتضياته، قبل أن يعود إلى المسار التشريعي بصيغة أثارت رفضا واسعا داخل الجسم المهني.
وفي معرض حديثه خلال الوقفة الاحتجاجية التي نظمها المحامون أمام البرلمان، قال نقيب المحامين الحسين الزياني إن مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة بصيغته الحالية لا يستجيب لانتظارات الجسم المهني، معتبرا أنه يتضمن مقتضيات تمس باستقلالية المهنة وبالضمانات التي تكفل للمحامي أداء رسالته في الدفاع عن الحقوق والحريات. وأكد أن جمعية هيئات المحامين بالمغرب سبق أن تقدمت بمقترحات وملاحظات خلال مناقشة المشروع، غير أن جزءا مهما منها لم يؤخذ بعين الاعتبار.
وأضاف أن الوقفة الاحتجاجية تجسد وحدة المحامين وتمسكهم بالدفاع عن استقلالية المهنة، مشددا على أن الاحتجاج ليس موجها ضد أي جهة، وإنما يهدف إلى المطالبة بإخراج قانون توافقي يحافظ على مكانة المحاماة ويعزز دورها داخل منظومة العدالة، كما أكد أن المحامين سيواصلون الأشكال النضالية المشروعة إذا لم تتم الاستجابة لمطالبهم، داعيا إلى فتح حوار جاد ومسؤول يفضي إلى مراجعة المشروع بما يحقق التوافق مع مختلف مكونات المهنة.
الزياني: «أزمة ثقة وهجوم تشريعي غير مسبوق»
قال النقيب الحسين الزياني، رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، إن مهنة المحاماة تواجه «هجوما تشريعيا غير مسبوق»، معتبرا أن آثار مشروع القانون لا تقتصر على المحامين، بل تمتد إلى المواطنين وإلى ضمانات المحاكمة العادلة واستقلالية العدالة.
وأوضح الزياني أن جوهر الإشكال يتمثل في إصرار الحكومة على إخراج المشروع في فترة وجيزة وقبيل نهاية ولايتها، معتبرا أن هذا التسرع أفرز نصا قانونيا لا يعكس التوافقات، التي تم التوصل إليها، خلال جلسات الحوار.
وأكد أن الجمعية انخرطت في حوار مؤسساتي مع وزارة العدل ورئاسة الحكومة، وقدمت مقترحات وصفتها بالعملية، وأسفرت المفاوضات عن تفاهمات مشتركة، إلا أن الصيغة النهائية المعروضة على البرلمان، بحسب قوله، لم تحترم تلك التوافقات، وهو ما جعل الأزمة تتحول إلى «أزمة ثقة».
وأضاف أن جمعية هيئات المحامين لا تعارض مبدأ الإصلاح، بل تؤيد كل إصلاح يروم تطوير المهنة، لكنها تعتبر أن الحكومة أضاعت فرصة لإخراج قانون توافقي يواكب تطور العدالة، ويحافظ في الوقت نفسه على استقلالية المحاماة.
مطالب بسحب المشروع وفتح حوار جديد
تطالب جمعية هيئات المحامين بسحب مشروع القانون من المسار التشريعي، وإعادة فتح حوار جديد بشأنه، معبرة عن رفضها لعدد من المقتضيات التي تعتبرها مسا باستقلالية المهنة.
ومن أبرز النقاط التي تثير اعتراض الهيئات المهنية، نقل بعض اختصاصات التكوين إلى وزارة العدل، والتدخل في تدبير المجالس المهنية، وتشديد شروط الترشح لمنصب النقيب، إلى جانب إخضاع ودائع المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، وهي إجراءات ترى الجمعية أنها تمس بمبدأ التدبير الذاتي للمهنة.
وأكد الزياني أن المحامين لا يدافعون فقط عن مصالحهم المهنية، وإنما عن حقوق المتقاضين وضمانات العدالة، معتبرا أن قانون المحاماة يعد من النصوص الأساسية التي تعكس صورة منظومة العدالة بالمغرب، الأمر الذي يقتضي، بحسب تعبيره، توافقا حقيقيا يراعي خصوصية رسالة الدفاع.
وكشف أن خيار اللجوء إلى تحكيم ملكي لا يزال مطروحا، موضحا أن هذا المقترح سيخضع لتداول مؤسسات الجمعية، خلال المرحلة المقبلة.
استمرار المقاطعة وتصعيد جديد
كان اجتماع النقباء، المنعقد نهاية الأسبوع الماضي بمدينة الدار البيضاء، قد قرر مواصلة التصعيد والإبقاء على مقاطعة عدد من المهام القضائية، وتعليق العمل بنظام المساعدة القضائية، إلى حين سحب المشروع أو تجميده وفتح حوار جدي مع الحكومة.
وبحسب معطيات الجمعية، فإن الاجتماع أقر أيضا الاستمرار في الأشكال الاحتجاجية، مع الإعلان عن خطوات تصعيدية جديدة، تزامنا مع الوقفة الوطنية أمام البرلمان.
وفي السياق ذاته، أعلنت فيدرالية جمعيات المحامين الشباب الدخول في اعتصام إنذاري لمدة ثلاثة أيام، يبدأ مباشرة بعد انتهاء الوقفة الاحتجاجية، ويستمر إلى غاية الثاني من يوليوز المقبل.
وأكدت الفيدرالية أن هذه الخطوة تأتي رفضا لمشروع القانون، ودعما لمواقف جمعية هيئات المحامين بالمغرب، وذلك عقب اجتماع تنسيقي جمع مسؤوليها، بقيادة رئيسها سعد الله التونسي، مع رئيس الجمعية، النقيب الحسين الزياني، ونقيب هيئة الرباط، عزيز رويبح.
وقبيل تنظيم الوقفة، وجه النقيب عبد الرحيم الجامعي رسالة مفتوحة إلى المحاميات والمحامين، دعا فيها إلى مشاركة واسعة في الاحتجاج، معتبرا أن الدفاع عن استقلال المحاماة هو في جوهره دفاع عن استقلال القضاء ودولة القانون.
ودعا البرلمان إلى تحمل مسؤولياته الدستورية، خلال مناقشة مشروع القانون في القراءة الثانية، مطالبا بمراعاة متطلبات استقلال المهنة والالتزامات الدولية للمغرب في مجال سيادة القانون، ومستحضرا الاتفاقية الأوروبية المتعلقة بحماية مهنة المحاماة التي اعتمدها مجلس أوروبا سنة 2025، إلى جانب اتفاقية الشراكة الجديدة بين المغرب والمجلس للفترة 2026-2029.
الحكومة: «المشروع يندرج ضمن إصلاح العدالة»
تتمسك وزارة العدل بمشروع القانون، وتؤكد أنه يندرج ضمن ورش تحديث منظومة العدالة وتطوير الإطار القانوني المنظم لمهنة المحاماة، معتبرة أن الإصلاح يستهدف تعزيز النجاعة وتحديث الممارسة المهنية.
غير أن الهيئات المهنية تؤكد أن اعتراضها لا ينصب على مبدأ الإصلاح، وإنما على مضامين محددة ترى أنها تمس باستقلالية المحاماة، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لضمان الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة.
ويواصل البرلمان حاليا دراسة مشروع القانون، وسط تباين واضح بين الحكومة وجمعية هيئات المحامين بشأن عدد من مواده، في انتظار ما ستسفر عنه التحركات الاحتجاجية الجارية، وما إذا كانت ستفتح الباب أمام استئناف الحوار بين الطرفين، أو المضي في مسار التصعيد.





