حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

«المْكتوب»

يونس جنوحي

 

إعادة الاعتبار إلى الكتاب أشبه ما تكون ببث الحياة من جديد وبعث للأمل في عادة قديمة جديدة اسمها «القراءة». ليس الأمر «إطالة»، فقط، للعمر الافتراضي للكتاب، بقدر ما هو توعية بأهمية الكتاب والكتابة في الحياة العامة.

قدر الكتاب ألا يموت رغم «توالي» الاختراعات. لم يسرق الراديو من الكتاب وهجه رغم أن احتلال المذياع للحياة العامة أصاب المفكرين، قبل قرن ونصف تقريبا، بالقلق على مستقبل عادة القراءة. إعفاء العين من تفحص الكتب مقابل التصاق الأذنين بحافة المذياع، كان «كابوسا» يقض مضجع مثقفي «زمان». وعندما جاء التلفاز، اعتقد الناس أن رصاصة الرحمة أطلقت في وجه الكتاب.. ليتضح أن إدمان التلفزيون لم يقلص أعداد قراء الجرائد ولا الأوفياء لاقتناء الكتب بكل ألوانها، سواء الكتب الفكرية أو الروائية. وفي النهاية اتضح أن الكُتاب هم عصب استمرار الصناعة التلفزيونية، لكي يعيش العالم في خمسينيات وستينيات القرن الماضي انتعاشا كبيرا في صناعة السينما والأفلام التلفزية بفضل إقبال الكُتاب والمبدعين على كتابة روايات جرى تحويلها إلى أفلام.

في المغرب، كعادتنا دائما، نعيش وضعا مختلفا. الكُتاب في جزيرة، وصناع السينما في جزيرة أخرى تماما. لا يوجد اتصال، وحتى لو وُجد، فإن جودته تكون رديئة. أعمال «ناقصة» وسوء فهم كبير يحل دائما محل الحوار بين الممثلين.

المغاربة عبر التاريخ قدموا خدمات جليلة لعالم الكتاب. أول مطبعة للكتب دخلت إلى المغرب، أدخلها «مواطن» ينحدر من مدينة تارودانت سنة 1864. وبفضل هذا الرجل المنسي، محمد بن الطيب الروداني، صار المغاربة لأول مرة قادرين على طباعة كتاب مغربي، بعدما كانت المخطوطات المغربية تُنقل، خلال رحلات الحج المغربية، إلى مصر، ومنها إلى لبنان، لكي تعرف طريقها إلى «النسخ»، وليس إلى المطبعة كما نعرفها اليوم.

تبارى كبار علماء المغرب على طباعة الكتب، واستطاعوا سرقة وهج عالم الكتاب من الشرق، ليعرف العرب أن ثورة ثقافية كبيرة تجري في مغرب تتربص به فرنسا وبريطانيا. وسرعان ما صارت الطباعة عادة مغربية خالصة، وظهرت مطابع أخرى تعرضت للتضييق لأن بصمة «الحركة الوطنية» كانت واضحة في مؤلفاتها.

حظي كُتاب المغرب الأولون بالرعاية، خصوصا بعد أن أخرج التهامي الوزاني -وهذا الرجل لوحده قامة فكرية يستحق أن تعاد سيرته إلى الحياة لدى أبناء جيل اليوم- كتابه «الزاوية»، سنة 1942 الذي يعتبره النقاد خارج المغرب وداخله، أول عمل روائي مغربي كُتب باللغة العربية. وقبل أن تصدر هذه الرواية بسنتين، طبع التهامي الوزاني أول كتاب له، وكان يحمل عنوان «تاريخ المغرب»، واعتمده بعض رجال الحركة الوطنية في المدارس الحرة، مقررا للتلاميذ ليطلعوا على تاريخ بلادهم منذ الفتوحات الإسلامية وصولا إلى الدولة العلوية.

مصير التهامي الوزاني لا يختلف كثيرا عن روايته.. «النسيان». الآفة الكبرى التي تلاحق كل ما هو مكتوب.. ولأن المغاربة يؤمنون بأن لا مفر من «المكتوب»، مر الكتاب المغربي بمرحلته الذهبية، ولا يكاد يهوي إلا لكي ينتعش من جديد. هناك جيل من الشباب المغربي يقبل على أصناف جديدة من الكتب. الطلب عبر الأنترنيت لعناوين أجنبية حول اهتمام الشباب نحو إصدارات جديدة لمؤلفين عرب وأجانب. وما وقع، العام الماضي، في نسخة المعرض الدولي للكتاب، من إقبال شبابي على مؤلف خليجي لا يعرفه «مثقفو» المغرب، وصل حد التدافع والإغماء بين قرائه الأوفياء، أكبر دليل على أن الجيل الجديد يتبع مسارا مختلفا في اختياراته الأدبية والفكرية.

أول من كتب عن رحلاته بالعربية هو الرحالة المغربي ابن بطوطة الطنجي. ولأنه ألف مذكراته، فإن يومياته ومشاهداته لا تزال حية بيننا رغم أن سفره انطلق قبل 7 قرون بالضبط.

يحق لنا أن نقول إن الكتاب المغربي بدأ قبل سبعة قرون من اليوم، ولا يزال ينتفض بانتظام، لكي يعود إلى الحياة كلما اعتقدنا أنه كان يحتضر. إنه «المكتوب»، على الطريقة المغربية!

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى