
يسرا طارق
كان صدور كتاب «النبوغ المغربي» للعلامة عبد الله كنون الحسني سنة 1938، عن مطبعة المهدية بمدينة تطوان، وعلى حد تعبير الأستاذ سعيد حجي، في جريدة «المغرب»، بُعيد صدوره بأيام، بمثابة «حادث خطير في تاريخ المغرب ظهور كتاب النبوغ المغربي في الأدب العربي، أول كتاب من نوعه وأوفاه في موضوعه». لم يبالغ سعيد حجي في قوله هذا، فقد كان الكتاب خطيرا، حقا، فصدر قرار عسكري من سلطات الحماية الفرنسية بمنع رواج الكتاب، ومعاقبة من تضبط عنده نسخة منه، ومعاقبة كل من يبيعه أو يعرضه أو يوزعه. وفي تفسير أسباب نزول هذا القرار الجائر، كتب العلامة في مقدمته للطبعة الثانية، المنقحة والمزيدة، سنة 1960: «وإذا كان لهذا القرار دلالة فهي تأكيده لكون الكتاب عملا وطنيا فوق كونه عملا أدبيا ولذلك استحق أن يحظى من الاستعمار الفرنسي الغاشم بهذا الجزاء الظالم».
حين نقرأ الكتاب بتمعن، نجد أن الكتاب، ورغم أنه في ظاهره مخصص لتبيان الإسهام المغربي في الثقافة العربية الإسلامية، من خلال تسليط الضوء على الحياة العلمية والأدبية والفكرية، يحركه إحساس بأن الثقافة المغربية مظلومة، بل محتقرة ولا تقدر حق قدرها، وكلما كتب أحدهم تاريخا للأدب العربي، مر باستعجال على ما قدمه أهل المغرب الأقصى لهذا الأدب، كأن المغاربة لم يكتبوا شعرا ولا عرفوا نثرا، ولم يكتبوا مقامات ورسائل، ويخوضوا مناظرات. مرد كل هذا، في نظر العلامة، لجهل المشارقة والمستشرقين بالإبداع المغربي، ومرده أيضا لتقصير المغاربة المزمن في التعريف به والاحتفاء به، فما لم تكرم الذات الوطنية نفسها فلا تنتظر ذلك من أحد، لكن مرامي الكتاب لا تقف عند هذا، فقارئ الكتاب الفطن، والمطلع على السياق الذي كتب فيه، سيلاحظ أن العلامة لم يكتب كتابا لتاريخ الأدب المغربي، بمفهومه الواسع فقط، بل كتب بالأساس تاريخ الأمة المغربية الراسخ في التاريخ، والممتد عبر القرون. في أحد تجلياته الأكثر أهمية: الجانب الثقافي، تحدث العلامة عن علاقة الدول المتعاقبة على حكم المغرب بالحركية الثقافية في عهدهم، وبيّن، بلا ما يدع مجالا للشك، أن الدولة في المغرب قائمة منذ قرون تؤدي وظائفها، ولها سياسة تعمل على تنفيذها. وهذه الفكرة، وفي السياق الذي كتب فيه الكتاب، كانت مزعجة جدا لسلطة الحماية، التي عملت بلا كلل على النفخ في فكرة السيبة في المغرب، وضعف الدولة وعجزها عن الاضطلاع بمهامها، وهذا ما يبرر فكرة الحماية نفسها. لهذا لم يكن الحاكم العسكري، أو من يقرأ له ساذجا، لكي لا يفهم الرسالة المراد تبليغها بين سطور فقرات كهذه، تتحدث عن العصر المرابطي: «ومن صميم الشعب المغربي الذي سئم الفوضى والقلق، قام الرجل الذي رسم لهذه البلاد خطة العمل، وقاد أهلها إلى قرارة المجد ومستوى العظمة».
وبذكاء كبير، ركز العلامة، في «نبوغه»، كذلك، على أن المجد المغربي في العلوم والفنون والآداب، صنعته أمة موحدة ومتضامنة بمكونيها العربي والأمازيغي، وأن أمانة حماية اللغة العربية وتكريمها من خلال الإبداع بها، قام بها أمازيغ أقحاح، وفي هذا رد، غير مباشر، على السياسة الاستعمارية التي كانت تحاول أن تحدث شرخا بين مكونات الأمة، من خلال ما سمي بـ«الظهير البربري».
كتاب «النبوغ المغربي» معلمة هامة في الصرح الثقافي المغربي، ينبغي أن نعود لها باستمرار، وأن تكون ضمن البرنامج الدراسي للطلبة. فبالإضافة إلى قيمته التاريخية، مازال الكتاب يحتفظ بقيمته كموسوعة يمكن التعرف من خلالها على التاريخ والثقافة والآداب المغربية، من خلال الأعلام والنصوص والعصور والتحولات الكبرى.





