
لمياء جباري
شهدت العيون، خلال السنوات الأخيرة، تحولا لافتا جعلها تنتقل من مدينة إدارية في قلب الصحراء إلى قطب حضري وسياحي صاعد في الجنوب المغربي. وساهمت الاستثمارات العمومية في البنية التحتية، من طرق ومرافق ثقافية وفضاءات حضرية، في تعزيز جاذبية المدينة وتحسين جودة العيش بها، ما أتاح بروز عرض سياحي متنوع يجمع بين البحر والصحراء والأنشطة الرياضية. ويأتي هذا التطور في إطار رؤية تنموية تروم تنويع الاقتصاد الجهوي، وجعل السياحة رافعة أساسية لخلق فرص الشغل وتحفيز المبادرات المحلية، مع التركيز على الاستدامة البيئية وتثمين الخصوصية الثقافية الصحراوية.
ارتفاع الطاقة الإيوائية
تشكل الأقاليم الجنوبية للمملكة، اليوم، قاطرة حقيقية للسياحة المغربية، وإحدى أهم ركائز خارطة الطريق الوطنية للسياحة بالنظر إلى ما توفره من مؤهلات طبيعية وشاطئية جذابة، تجعل منها وجهة سياحية تنافسية على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وكانت للتصور الحكومي نتائج جد مشجعة في الأقاليم الجنوبية، حيث تم تسجيل تطور ملحوظ في الطاقة الإيوائية المصنفة بالأقاليم الجنوبية للمملكة خلال الفترة ما بين 2020 و2025، إذ ارتفع مجموع عدد الأسرّة من 5697 سريرا سنة 2020 إلى 7441 سريرا سنة 2025، أي بمعدل نمو سنوي متوسط قدره 5 بالمائة.
هذا التطور يعكس الدينامية التي تعرفها جهات الجنوب في المجال السياحي، خاصة في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز البنيات التحتية الفندقية وتطوير العرض السياحي المتنوع.
وسجلت جهة الداخلة–وادي الذهب، وفق عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، أعلى نسبة نمو، حيث ارتفعت طاقتها من 2016 إلى 3062 سريرا خلال خمس سنوات، متبوعة بجهة العيون–الساقية الحمراء التي بلغت 2.538 سريرا سنة 2025. وتعرف الأقاليم الجنوبية ارتفاعا ملحوظا لعدد التعاونيات، حيث تنشط بها ما يناهز 7300 تعاونية، يشتغل ضمنها 50 ألف منخرطة ومنخرط. هذه التعاونيات تنشط أساسا في مجالات الفلاحة والصيد البحري والصناعة التقليدية والسياحة وغيرها، حيث يتجاوز رقم معاملاتها 300 مليون درهم.
«فم الواد».. أبرز مواقع الرياضات البحرية بالمغرب
على بعد نحو 25 كيلومترًا من مدينة العيون، تبرز محطة «فم الواد» كأحد أبرز مواقع الرياضات البحرية بالمغرب، خصوصًا رياضة «الكايت سورف»، بفضل رياحها المنتظمة والمساحة الشاسعة التي توفر ظروفًا مثالية للمبتدئين والمحترفين على حد سواء.
وساهمت الاستثمارات السياحية في تطوير مرافق الإيواء والمطاعم والفضاءات الترفيهية، مع توجه واضح نحو مشاريع تحافظ على التوازن البيئي للساحل. فضلا عن أن المنطقة بدأت تستقطب تظاهرات رياضية دولية، ما يعزز إشعاعها كوجهة للرياضات الشاطئية والمغامرات البحرية. وبفضل مشاريع حماية السواحل وإنشاء كورنيش عصري، ستتحول منطقة فم الواد إلى وجهة سياحية متكاملة تجمع بين جمال الطبيعة وبنية تحتية حديثة، لتصبح هذه المنطقة البحرية جوهرة إضافية ضمن التنمية التي تعرفها جهة العيون الساقية الحمراء.
وعلى طول الطريق المؤدية إلى الساحل، تتوزع مشاريع تنموية متنوعة، منها ما بدأت أشغالها ومنها ما سيشرع فيها قريبا، على رأسها جامعة محمد السادس متعددة التخصصات، ومشاريع الطاقة الريحية التي بدأت تظهر فيها توربينات عملاقة، إضافة إلى مصانع ومعامل ومستودعات ومراكز تجارية وتجهيزات سكنية وتجارية.
وتشهد الجهة تحولا حضريا واقتصاديا كبيرا، في ترجمة عملية للنموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، ولا تقتصر هذه المشاريع على البنيات التحتية، بل ترسم ملامح تحول شامل يجعل من العيون قطبا حضريا وساحليا متميزا.
من بين أبرز المشاريع المستقبلية قنطرة الساقية الحمراء، أكبر جسر من نوعه في إفريقيا، بأساسات عميقة تصل إلى خمسين مترا، سيربط مدينة العيون بشاطئ فم الواد، مما يساهم في تخفيف حركة السير وتحسين الربط بين مختلف مناطق الجهة.
وجهة صاعدة لسياحة المؤتمرات
بالتوازي مع السياحة الترفيهية، تواصل مدينة العيون ترسيخ موقعها كوجهة صاعدة لسياحة المؤتمرات والأعمال في الصحراء المغربية، مدفوعة بحركية تنموية تشمل تعزيز بنيتها التحتية الفندقية وإطلاق مشاريع مهيكلة في مقدمتها قصر المؤتمرات الجديد.
ويُرتقب أن يشكل هذا المشروع، الذي يمتد على مساحة تناهز 24 ألف متر مربع، نقلة نوعية في القدرة الاستيعابية للمدينة، بفضل قاعة رئيسية تتسع لنحو 1500 مقعد وأخرى ثانوية لـ500 مقعد، ما يفتح المجال أمام احتضان تظاهرات دولية ومهرجانات كبرى في ظروف تنظيمية حديثة.
وتستفيد العيون في هذا التوجه من عرض فندقي متنامٍ قادر على استقبال الوفود وتنظيم الفعاليات المهنية، إلى جانب فضاءات مفتوحة مثل ساحة المشور التي تحولت إلى منصة لاحتضان الاحتفالات والأنشطة الكبرى. بدورها تضيف البيئة الصحراوية بعداً تجريبياً مميزاً لبرامج المؤتمرات، إذ تتيح للزوار الجمع بين متطلبات العمل وأنشطة الاستكشاف والترفيه، في إطار يعكس خصوصية الثقافة المحلية.
ومع ما تشهده المدينة من استقرار أمني وتطور حضري متواصل، تتعزز جاذبيتها كقطب ناشئ على خريطة سياحة الأعمال بالمملكة، يجمع بين حداثة المرافق وعمق الهوية الصحراوية. هذا التوجه يتيح تنويع الطلب السياحي والحد من موسمية النشاط، ويعزز صورة المدينة كمنصة للحوار الاقتصادي والاستثمار في جنوب المملكة.
نموذج سياحي متكامل
تتجه العيون إلى بناء نموذج سياحي يقوم على التكامل بين الموارد الطبيعية والرهانات التنموية. فبين شواطئ الأطلسي واتساع الصحراء، وبين البنية الحضرية الحديثة والعمق الثقافي الحساني، تتشكل هوية سياحية جديدة قادرة على جذب فئات متنوعة من الزوار، من عشاق المغامرة إلى سياح الأعمال.
ويظل التحدي الأساسي في المرحلة المقبلة هو الحفاظ على التوازن بين وتيرة النمو وحماية المنظومات البيئية، بما يضمن استدامة الجاذبية السياحية للجهة ويعزز دورها كبوابة سياحية واقتصادية للجنوب المغربي.





