حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةسياسية

قضية إبستين تعيد جدل حصون واشنطن الخفية

أسباب جوهرية وراء إفلات المسؤولين السياسيين من المحاسبة

منذ انكشاف الوثائق المرتبطة برجل الأعمال، جيفري إبستين، المدان بالجرائم الجنسية، تهاوت مواقع سياسية في أوروبا تحت ضغط المحاسبة الأخلاقية والإعلامية، بينما ظل المشهد في الولايات المتحدة شبه محصن رغم ظهور أسماء نافذة في الملفات. لم تُترجم الصدمة إلى استقالات ولا إلى مسار مؤسسي واضح للمساءلة، بل بدا أن شبكة العلاقات التي أحاطت بإبستين من ساسة ورجال أعمال ومستشارين شكلت طبقة حماية غير مرئية، وحولت الفضيحة إلى جدل عابر لا إلى كلفة سياسية حقيقية، ما يتكرس مفارقة صارخة: سقوط سريع في الضفة الأوروبية ونجاة متكررة في واشنطن.

 

 

 

إعداد: سهيلة التاور

 

منذ الكشف عن ملايين الوثائق المتعلقة برجل الأعمال المتهم بالاتجار بالقاصرات جيفري إبستين، قبل ثلاثة أسابيع، شهدت أوروبا «مجزرة سياسية» أطاحت بوزراء وسفراء وأمراء وأثرياء. في المقابل، يظل المشهد الأمريكي هادئا بشكل مريب، فرغم ظهور أسماء بارزة في الوثائق لم تشهد واشنطن محاسبة مؤسسية تذكر.

المملكة المتحدة تعيش زلزالا سياسيا بعد تعيين رئيس الوزراء كير ستارمر لبيتر ماندلسون سفيرا في واشنطن، رغم معرفته بطول علاقة الأخير بإبستين، وهو ما فجّر أزمة سياسية متصاعدة دفعت ثلاثة من كبار مساعدي ستارمر إلى الاستقالة، فيما انسحب ماندلسون من حزب العمال.

 

إبستين رجل بلا ولاء.. شبكة عابرة للحزبين

 

وفق مجلة نيوزويك الأمريكية، فإن السبب الأول لإفلات المسؤولين الأمريكيين من المحاسبة يتمثل في أن إبستين كان «حرباء سياسية» ونسج علاقات عابرة بالحزبين، متنقلا بسهولة بين الديمقراطيين والجمهوريين.

هذا التشابك وتجاوز الخطوط الأيديولوجية جعلا من الصعب محاسبة طرف دون الآخر، ما أدى إلى تعقيد عملية المساءلة في أمريكا.

 

 أخلاق الحكم في أوروبا.. وقانونية النجاة في واشنطن

 

السبب الثاني، بحسب نيوزويك، يرتبط بطبيعة الفضيحة في أوروبا، حيث تُعد مثل هذه القضايا اختبارا لـ«صلاحية الشخص للحكم»، فحتى الروابط غير المباشرة تُعد مؤشرا على ضعف الحكم الأخلاقي وسوء التقدير، ما يسرّع سقوط المسؤولين.

أما في أمريكا، فالتركيز ينصب غالبا على المسؤولية القانونية الجنائية فقط، ونادرا ما تؤدي المساءلة الأخلاقية وحدها إلى الاستقالة.

 

النظام البرلماني.. آلة إسقاط سريعة

 

يكمن السبب الثالث في النظام البرلماني البريطاني الذي يفرض محاسبة أسرع، إذ يحتاج رئيس الوزراء إلى الحفاظ على ثقة البرلمان للبقاء في منصبه. وأوضحت المجلة أن استقالة مسؤول واحد قد تفتح الباب فورا للتساؤل عن المسؤولية في أعلى الهرم.

 

النظام الأمريكي.. حصون دستورية ضد العزل

 

يعود السبب الرابع إلى بنية النظام الأمريكي، حيث تحمي الولايات المتحدة المسؤولين بفترات حكم ثابتة وعوائق عالية أمام العزل أو الإقالة أو إسقاط القيادات، ما يقلل من الأثر المؤسسي للفضائح مقارنة بالأنظمة الأوروبية.

 

سياسة اعتادت الصدمة

 

ترى نيوزويك أن السبب الخامس يتمثل في تشبع السياسة الأمريكية بالفضائح إلى درجة أن الرأي العام أصبح أقل حساسية تجاهها، وبالتالي يضيع الغضب والمساءلة في السجالات الحزبية، ويتحول الأمر برمته إلى مجرد «حلقة أخرى» في دورة لا تنتهي من الجدل.

 

إعلام يطارد حتى السقوط

 

الصحافة البريطانية «شرسة ولا ترحم»، وفق تعبير نيوزويك، فبمجرد أن تظهر بوادر استقالة وشيكة، تواصل وسائل الإعلام الضغط حتى يتحقق ذلك، وتغذي النار بالقصص والتقارير الحصرية والتسريبات.

أما الصحافة الأمريكية، فهي أكثر تشرذما، حيث تُعرض الفضائح من منظور أيديولوجي بحسب حزب الشخصية المعنية، وغالبا ما تُنسى القضية بمجرد ظهور «الفضيحة التالية».

 

انعدام المحاسبة السياسية

 

تتجلى آثار العوامل الستة في تقرير نشره موقع أكسيوس، الذي أشار إلى أن فضيحة إبستين تهدد بالإطاحة بستارمر، وهو لم تسبق له مقابلة إبستين.

أما في الولايات المتحدة، فلا يزال المسؤولون وبعض الشخصيات الثرية التي تعاملت معه مباشرة بمنأى عن أي محاسبة.

وذكر الموقع مثال وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك، الذي ترفض الإدارة الأمريكية الاستجابة للمطالبات باستقالته، وتعتبر إثارة الموضوع مجرد محاولة تشويش إعلامية.

ولفت الموقع إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب استخف بظهور أسماء شخصيات كبيرة في الملفات، وقال إن الوقت حان لطي الصفحة، رغم أن القائمة شملت أسماءً من دائرته المقربة، مثل الميلياردير إيلون ماسك وكبير مستشاري ترمب السابق ستيف بانون، بل وترمب نفسه.

وحذر الموقع من ضعف المساءلة القانونية في أوساط السياسة الأمريكية حتى عند ثبوت الأدلة، ففي العام الماضي، صوت مجلس النواب ضد اتخاذ إجراءات تأديبية بحق النائبة ستايسي بلاسكيت بسبب رسائلها النصية مع إبستين، ولا تزال عضوا في مجلس النواب ونفت ارتكاب أي مخالفات.

ونقل الموقع عن صحيفة وول ستريت جورنال أن بنك غولدمان ساكس قدم الدعم لمستشارته القانونية، كاثرين روملر -المستشارة السابقة للبيت الأبيض في عهد الرئيس باراك أوباما– التي أظهرت الملفات أنها كانت تراسل جيفري إبستين بشكل متكرر.

وبحسب أكسيوس، تقتصر المحاسبة في أمريكا على قطاع الأعمال والجامعات -مثل استقالة براد كارب رئيس شركة المحاماة النخبوية «بول ويس»- بينما لا يزال «الحصن» المحيط بالساسة الأمريكيين منيعا.

 

 

تعاطف ودعم النخب لإبستين

كشفت صحيفة وول ستريت جورنال، استنادا إلى رسائل إلكترونية ووثائق أُفرج عنها حديثا، في تقرير إخباري حصري، أنه منذ وفاة إبستين في زنزانته بسجن مانهاتن في نيويورك شهر غشت 2019، حرصت شخصيات بارزة كانت على صلة به على التأكيد بأنها لم تكن تعلم إلا القليل عن سلوكه الإجرامي. وأضافت الصحيفة أن هذه الشخصيات أصدرت بيانات محسوبة بعناية للتعبير عن الأسف أو النأي بالنفس.

غير أن الرسائل الخاصة، التي تكشفها الوثائق الجديدة، ترسم صورة مختلفة تماما، إذ تُظهر أن عددا من أصحاب النفوذ لم يكتفوا بالإبقاء على قنوات التواصل معه بعد إدانته، بل بادروا إلى مواساته، وانتقاد الإعلام، والطعن في دوافع الضحايا وتقديم نصائح مباشرة لإعادة تأهيل سمعته العامة.

ومن بين أبرز هذه الرسائل -بحسب وول ستريت جورنال- ما صدر عن المفكر اللغوي والمنظّر السياسي المعروف نعوم تشومسكي.

ففي فبراير 2019، ردا على شكوى إبستين مما وصفها بـ«الصحافة النتنة»، نصحه تشومسكي بالتزام الصمت، محذرا من أن أي رد علني لن يؤدي إلا إلى «هجوم مسموم» تقوده أطراف تسعى إلى الشهرة أو الإثارة.

ومضى تشومسكي أبعد من ذلك، معتبرا أن الجدل العام حول الاعتداءات الجنسية بلغ حد «الهستيريا»، حيث أصبح التشكيك في الاتهامات أمرا غير مقبول اجتماعيا. وبعد خمسة أشهر فقط من تلك الرسالة، أُلقي القبض على إبستين بتهم تتعلق بالاتجار الجنسي، بحسب التقرير.

لكن الصحيفة تقول إن تشومسكي لم يكن حالة استثنائية، فبعد توقيف إبستين في مقاطعة بالم بيتش بولاية فلوريدا عام 2006، بعث إليه ستانلي بوتينغر، المسؤول السابق في وزارة العدل الأمريكية، برسائل تضامن انتقد فيها الشرطة المحلية، وصور إبستين على أنه ضحية لتجاوزات سلطوية.

جاء ذلك في وقت كانت السلطات تجمع أدلة موثقة على استغلاله عشرات الفتيات القاصرات.

ومع اقتراب إقراره بالذنب عام 2008، واصل إبستين تلقي رسائل الدعم، فقد تبادل ستيفن كوسلين، رئيس قسم علم النفس في جامعة هارفارد آنذاك، والذي استفادت أبحاثه سابقا من تبرعات مرتبطة بإبستين، رسائل ودّية معه.

وتشير الرسائل ذاتها إلى أن الأكاديمي ساعد إبستين في صياغة نصوص موجّهة للصحافيين بغرض تحسين صورته العامة، وفقا لما نقلته الصحيفة.

 

نخبة عابرة للقارات

 

لم يقتصر الدعم السياسي على الولايات المتحدة، وفق التقرير، ففي بريطانيا، كتب بيتر ماندلسون، مفوض الاتحاد الأوروبي للتجارة آنذاك، رسالة تعاطف بعد إدانة إبستين، عبّر فيها عن غضبه مما حدث، وحثّه على السعي للإفراج المبكر.

وكشفت وثائق لاحقة عن شبهات تتعلّق بمشاركة ماندلسون معلومات حكومية حساسة مع إبستين، ما دفع السلطات البريطانية إلى فتح تحقيق جنائي، وقدّم ماندلسون اعتذارا لضحايا إبستين، لكنه امتنع عن التعليق على مضمون الرسائل.

وبرزت أسماء من دوائر المال والملكية، فقد أفادت الصحيفة بأن جيس ستالي، المسؤول التنفيذي البارز في بنك «جيه بي مورغان تشيس»، تبادل آنذاك رسائل ودّية مع إبستين خلال فترة سجنه وبعد الإفراج عنه.

وفي عام 2011، طمأن الأمير أندرو دوق يورك، إبستين في رسالة قال فيها: «نحن في هذا معا»، في وقت كانت الضغوط تتزايد بسبب اتهامات فرجينيا جوفري، التي قالت إن إبستين اتَّجَر بها وقدّمها للأمير، ورغم نفيه، جُرّد الأمير لاحقا من ألقابه الملكية.

 

 

 

نصائح لإدارة السمعة

بحلول أوائل العقد الثاني من الألفية، كان إبستين يعمل بنشاط على إعادة صياغة صورته، فقد نصحته فيث كيتس، مالكة وكالة عارضات أزياء، بتجنب الظهور في وسائل الإعلام مؤقتا، وهاجمت من تخلوا عنه، واقترحت مبادرات خيرية مستقبلية عندما تخف حدة الاهتمام الإعلامي.

وكتب المحامي ديفيد شون، الذي سيُعرَف لاحقا بدوره في الدفاع عن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، رسالة متعاطفة وصف فيها السلطات والضحايا المحتملين بلهجة تقلل من شأنهم.

وفي المجال الإعلامي، كشفت وول ستريت جورنال، نقلا عن الوثائق المسرّبة، أن الصحافي مايكل وولف عرض عام 2013 كتابة بروفايل «متعاطف» يُعيد السيطرة على السردية العامة.

المستشار الاستراتيجي السابق للبيت الأبيض ستيف بانون صوّر التدقيق الإعلامي بحق إبستين على أنه «عملية منسقة»، ونصحه مرارا بعدم الرد العلني.

وبدوره، اقترح الملياردير البريطاني ريتشارد برانسون استراتيجية علاقات عامة تقوم على شهادات إيجابية من بيل غيتس رئيس شركة مايكروسوفت، وتقديم جرائم إبستين باعتبارها «زلة قديمة».

ولعب المستشارون القانونيون والسياسيون دورا لافتا، وطبقا للتقرير الحصري المطوّل، تبادلت المحامية كاثرين روملر، المستشارة القانونية الحالية لبنك غولدمان ساكس، مئات الرسائل مع إبستين. وأقرت في رسالة عام 2017 -في ذروة صعود حركة «مي تو» النسائية المناهضة للتحرش وكافة أنواع العنف الجنسي ضد المرأة- بأن سلوكه ينطوي على «إساءة استخدام للسلطة»، مع حثه في الوقت نفسه على التواري عن الأنظار.

أما المستشار الاستراتيجي السابق للبيت الأبيض، ستيف بانون، فصوّر التدقيق الإعلامي بحق إبستين على أنه «عملية منسقة»، ونصحه مرارا بعدم الرد العلني، محذرا من أن أي مواجهة إعلامية ستطيل أمد الأزمة.

والتزم إبستين بهذه النصائح حتى اعتقاله في يوليوز 2019، وبعد أربعة أشهر، أُلقي القبض عليه مجددا، وفي غشت 2019، وُجد ميتا في زنزانته، في واقعة صنّفها الطبيب الشرعي في نيويورك على أنها انتحار.

وترسم هذه الرسائل في مجملها صورة شبكة نفوذ تعاملت مع انكشاف جرائم إبستين بوصفها أزمة سمعة لا قضية أخلاقية، ويغيب عن هذه المراسلات أي حضور حقيقي لأصوات الضحايا، الذين جرى في كثير من الأحيان التشكيك في رواياتهم أو التقليل من معاناتهم.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى