
حاوره: النعمان اليعلاوي
يدخل ملف مشروع قانون مهنة المحاماة مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، بعدما صادق البرلمان على النص في قراءة ثانية، وسط رفض واسع من طرف هيئات المحامين التي تعتبر أن المشروع يمس باستقلالية المهنة ويتجاهل مخرجات الحوار الذي دار مع وزارة العدل. وفي المقابل، تؤكد الحكومة والأغلبية البرلمانية أن القانون يشكل خطوة إصلاحية لتحديث المهنة وتعزيز حكامتها.
وفي خضم هذا الاحتقان، أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب عن برنامج نضالي مفتوح، يشمل الاستمرار في التوقف عن تقديم الخدمات المهنية، وتنظيم احتجاجات بمختلف محاكم الاستئناف، إلى جانب التوجه نحو الهيئات والمنظمات الدولية للترافع بشأن ما تعتبره مساساً بضمانات استقلال المحاماة.
في هذا الحوار مع “الأخبار”، يكشف النقيب عزيز رويبح، نقيب هيئة المحامين بالرباط، خلفيات التصعيد الذي يخوضه المحامون، ويقدم قراءته لمضامين مشروع القانون، كما يتحدث عن مستقبل العلاقة مع الحكومة، وحدود الحوار، وآفاق المعركة التي يقول إنها لم تعد تتعلق بمصالح فئوية، بقدر ما ترتبط بالدفاع عن استقلال مهنة المحاماة ومكانتها داخل منظومة العدالة.
بعد مصادقة مجلس النواب على مشروع قانون مهنة المحاماة في قراءة ثانية، كيف تقرؤون هذه الخطوة؟
بعد مصادقة مجلس النواب على مشروع القانون في قراءة ثانية، عقد مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب اجتماعا مطولا مباشرة بعد انتهاء المسار التشريعي، وتم خلاله تقييم المرحلة السابقة والوقوف عند ما آلت إليه الأمور، خصوصا بعد أن اختارت الحكومة والأغلبية البرلمانية المضي في المصادقة على النص رغم الرفض الواسع الذي عبرت عنه هيئات المحامين بمختلف ربوع المملكة.
ما تم لا يعني بالنسبة إلينا نهاية المعركة، بل هو بداية مرحلة جديدة من النضال. لذلك تم الاتفاق داخل مكتب الجمعية على برنامج احتجاجي جديد يأخذ بعين الاعتبار تطورات المرحلة. صحيح أننا رفعنا الاعتصام المركزي أمام البرلمان، لكن ذلك لا يعني إطلاقا التراجع عن مواقفنا، بل هو انتقال إلى أشكال نضالية أكثر انتشارا وفعالية.
أول قرار تم اتخاذه هو الاستمرار في التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية إلى أجل غير مسمى، لأننا نعتبر أن الدفاع عن استقلالية المهنة وعن ضمانات العدالة يقتضي مواقف قوية ومسؤولة. كما تقرر نقل الوقفات الاحتجاجية من العاصمة الرباط إلى مختلف المدن المغربية، حتى يصبح الاحتجاج وطنيا ويشمل جميع دوائر محاكم الاستئناف، لأن القضية لا تهم هيئة دون أخرى، وإنما تهم المحاماة المغربية بكاملها.
ومن بين الخطوات التي اتفقنا عليها أيضا التوجه نحو المنظمات الدولية ذات الصلة باستقلال القضاء والمحاماة وبمنظومة العدالة، سواء المنظمات التي تجمعنا بها شراكات أو التي ننتمي إليها مهنيا، وذلك من أجل شرح حقيقة ما وقع، وإبراز أن الأمر يتعلق، في نظرنا، بمساس بضمانات مهنة تعد أحد أعمدة العدالة ودولة القانون.
كما تركت الجمعية لكل هيئة من هيئات المحامين حرية اختيار الأشكال النضالية المناسبة داخل نفوذها الترابي، حتى تعبر كل هيئة عن موقفها وسخطها وغضبها من هذا المشروع الذي نعتبره مشروعا مشؤوما، لأنه لم يحترم المنهجية التشاركية التي يفترض أن تؤطر أي إصلاح يهم مهنة دستورية بحجم مهنة المحاماة.
هل تعتبرون أن باب الحوار مع الحكومة أُغلق بشكل نهائي؟
المحاماة لم تكن يوماً ضد الحوار، بل إن الحوار هو جوهر رسالتها اليومية، لأنها تؤمن بأن بناء المؤسسات وحل الخلافات لا يكون إلا عبر النقاش الجاد والمسؤول. ولذلك، فإننا منذ بداية مناقشة مشروع قانون المهنة انخرطنا في مختلف جولات الحوار بكل حسن نية، وقدمنا تصورات ومقترحات عملية، وكان هدفنا الوحيد هو إخراج قانون عصري يحمي استقلالية المهنة ويطورها.
لكن الحوار الحقيقي يقتضي وجود إرادة صادقة للوصول إلى حلول مشتركة، وليس مجرد الاستماع إلى الآراء ثم اتخاذ القرار بشكل منفرد. ما وقع خلال هذا المسار، للأسف، أظهر أن كثيراً من النقاشات التي خضناها لم تنعكس على الصيغة النهائية للمشروع، وهو ما جعل الجسم المهني يشعر بأن الحوار كان شكلياً أكثر منه حواراً مؤسساتياً منتجاً.
واليوم، يجب أن أؤكد أنه لم يعد هناك، في هذه المرحلة، موضوع للحوار. فبعد أن استكملت الحكومة والأغلبية المسار التشريعي وأصرتا على تمرير المشروع رغم الرفض الواسع الذي عبرت عنه هيئات المحامين وجمعية هيئات المحامين بالمغرب، لم يعد هناك نص نتفاوض حوله أو مقتضيات يمكن تعديلها داخل البرلمان. وبالتالي فإن الظروف التي كانت تبرر الحوار لم تعد قائمة.
أكثر من ذلك، أن كل الحوارات التي خضناها طيلة الأشهر الماضية تم إفراغها من مضمونها، وتم إفشالها من طرف مختلف المسؤولين الذين جلسنا معهم. وكنا نعتقد أننا نتفاوض مع مؤسسات الدولة من أجل الوصول إلى توافقات تحترم مكانة المحاماة باعتبارها شريكاً أساسياً في منظومة العدالة، لكن ما وقع بعد ذلك أظهر أن تلك التوافقات لم تكن تحظى بأي التزام حقيقي.
ولعل ما لخص هذا الوضع هو التصريح الذي صدر عن السيد وزير العدل خلال مناقشة المشروع حين قال: “شكون انتوما“؟ بالنسبة إلينا، هذا التصريح لم يكن مجرد عبارة عابرة، بل كشف عن قناعة راسخة لديه، مفادها أنه كان يتفاوض مع أشخاص لا يعترف بهم كمؤسسات مهنية لها الشرعية التمثيلية، وهو ما يعني أن ما كان يجري لم يكن تفاوضاً بالمعنى الحقيقي، وإنما مجرد مناورة سياسية لربح الوقت وامتصاص الاحتقان.
هذا الكلام كان مؤلماً بالنسبة لهيئات المحامين، لأنه يمس مؤسسة عريقة لعبت أدواراً وطنية كبرى في الدفاع عن الحقوق والحريات، وساهمت في بناء دولة القانون. وعندما يتم التعامل مع ممثليها بهذه الطريقة، فإن الأمر لا يتعلق بإهانة أشخاص، وإنما بعدم احترام مؤسسة دستورية تشكل أحد أعمدة العدالة.
ورغم كل ذلك، فإننا لا نغلق الباب أمام أي مبادرة جادة ومسؤولة يمكن أن تعيد الأمور إلى نصابها مستقبلاً، لأن المحاماة ستظل تؤمن بالحوار كخيار حضاري. لكن هذا الحوار يجب أن يكون قائماً على الاحترام المتبادل، والاعتراف بالمؤسسات المهنية، والالتزام بما يتم الاتفاق عليه، وليس مجرد لقاءات شكلية لا تغير شيئاً في الواقع.
أما في المرحلة الحالية، فإن الأولوية بالنسبة إلينا هي مواصلة البرنامج النضالي الذي سطرته جمعية هيئات المحامين بالمغرب، والدفاع بكل الوسائل القانونية والمؤسساتية عن استقلال المهنة وضماناتها، لأننا نعتبر أن ما يجري اليوم لا يتعلق فقط بقانون ينظم المحاماة، بل بمستقبل العدالة في بلادنا وبالضمانات التي ينبغي أن تتوفر لكل مواطن يلجأ إلى القضاء.
الحكومة تؤكد أن المشروع جاء لتحديث المهنة وتعزيز الحكامة، فيما تعتبرونه أنتم تراجعا عن المكتسبات. أين يكمن جوهر الخلاف؟
الخلاف ليس حول مبدأ الإصلاح، فنحن أول من دعا إلى تحديث القوانين المنظمة للمهنة، لأن قانون المحاماة الحالي لم يعد يساير التحولات التي يعرفها المجتمع ومنظومة العدالة. لكن الإشكال الحقيقي يكمن في الكيفية التي تم بها إعداد المشروع، وفي عدد من المقتضيات التي تم إدراجها دون توافق مع المهنة.
لقد شاركنا في جلسات الحوار وقدمنا مقترحات عملية، ووصلنا إلى تفاهمات مع رئاسة الحكومة في عدد من النقاط، لكننا فوجئنا لاحقا بإعادة إدراج مقتضيات سبق الاتفاق على حذفها أو تعديلها، وهو ما اعتبرناه إخلالا بالثقة التي يجب أن تؤطر الحوار المؤسساتي.
هناك من يعتبر أن استمرار التوقف عن العمل يضر بالمتقاضين أكثر مما يضغط على الحكومة، كيف تردون؟
ندرك تماما أن أي توقف عن العمل ستكون له انعكاسات على المتقاضين، وهذا يؤلمنا لأن المحامي في النهاية وجد للدفاع عن حقوق المواطنين.
لكن ينبغي أن نطرح السؤال بطريقة أخرى: من المسؤول عن الوصول إلى هذه المرحلة؟ هل المحامون الذين نبهوا منذ أشهر إلى خطورة المشروع وطلبوا الحوار، أم الجهة التي اختارت تمرير القانون رغم كل الاعتراضات؟، لقد حاول السيد وزير العدل مصادمتنا مع المتقاضين ومع البرلمانيين ومع العديد من الفئات، لكن ما يجب التأكيد عليه هو أننا نحن المحامين أعرف بحقوق المتقاضين في الدفاع، معركتنا هذه هي أيضا دفاعا عن حقوق المتقاضين في دفاع جرئي وغير مكبل وغير ضعيف، فنحن لا نستهدف المتقاضين، بل ندافع عن استقلالية المحاماة باعتبارها ضمانة أساسية لحقوقهم. فإذا فقدت المهنة استقلالها، فإن أول المتضررين سيكون المواطن.
أعلنتم أيضا تدويل الملف، ما الهدف من هذه الخطوة؟
تدويل الملف لا يعني البحث عن تدخل خارجي في الشأن الوطني كما قد يروج البعض وكما يحاول وزير العدل تقديم الأمر، وإنما هو ممارسة طبيعية تقوم بها الهيئات المهنية عبر العالم عندما ترى أن هناك قضايا تتعلق باستقلال المهنة أو تخص المعايير الدولية المنظمة لها.
المحاماة المغربية عضو في عدد من المنظمات الدولية، وترتبط بعلاقات تعاون مع هيئات مهنية عالمية، ومن حقها أن تعرض عليها ما يجري وأن تشرح موقفها، تماما كما تفعل هيئات المحامين في مختلف الدول.
هل تخشون أن يؤدي هذا التصعيد إلى قطيعة مع المؤسسات؟
المحاماة لم تكن يوما في مواجهة مع مؤسسات الدولة، بل كانت دائما شريكا أساسيا في بناء دولة الحق والقانون، خلافنا اليوم يتعلق بنص قانوني، وليس بالدولة أو بالمؤسسات. ولذلك فإننا حريصون على أن يبقى نضالنا مسؤولا وسلميا ومؤطرا بالقانون.
غير أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال التنازل عن مطالبنا بإلغاء المشروع لعدة اعتبارات، وسنواصل معركتنا النضالية ولو تطلب الأمر عامين من النضال، ولن نقبل بأي حال من الأحوال استهداف المهنة.
ما هي أكثر المقتضيات التي تعتبرونها مثيرة للجدل؟
هناك مجموعة من المواد التي تحفظنا عليها، سواء تلك المرتبطة بتنظيم المهنة أو بتدبير بعض الجوانب المالية أو بطريقة ولوج المهنة أو بالعلاقة بين المؤسسات المهنية والسلطة الحكومية. وهنا يجب التأكيد على بطلان ما يتم الترويج له بأن المحامين ضد المراقبة المالية أو أن نضالهم بهدف التصرف في ودائع المتقاضين، هذا الأمر خال من الصواب وأموال المتقاضين لم تكن يوما من الأيام تحت تصرف المحامين أو النقباء، والهدف من ترويج هذا القول هو تبخيس معركتنا النضالية وإظهار المحامين كما لو أنهم يبحثون عن السطو على أموال المتقاضين.
وعموما بخصوص المشروع المشكل ليس في مادة واحدة، وإنما في الفلسفة العامة للنص، التي نعتبر أنها تقلص من هامش استقلالية المؤسسات المهنية، بينما كان المطلوب هو العكس تماما.
الأغلبية البرلمانية تؤكد أن البرلمان يشرع باسم الأمة وليس لفئة مهنية معينة. كيف تنظرون إلى هذا الطرح؟
لا أحد ينازع البرلمان في اختصاصه التشريعي، فهذا اختصاص دستوري لا نقاش فيه.
لكن عندما يتعلق الأمر بقانون ينظم مهنة دستورية، فإن الاستماع إلى أهل المهنة والأخذ بملاحظاتهم ليس امتيازا يمنح لهم، وإنما هو شرط لنجاح أي إصلاح.
التشريع لا يعني فقط التصويت العددي، وإنما يعني أيضا إنتاج قوانين قابلة للتطبيق وتحظى بحد أدنى من التوافق.
هل تعتقدون أن الأزمة كان يمكن تفاديها؟
بكل تأكيد.
لو تم احترام مخرجات الحوار، ولو تم الالتزام بالتوافقات التي تم التوصل إليها، لما وصلنا إلى هذا الاحتقان.
لقد كانت هناك فرصة حقيقية لبناء قانون توافقي يحظى بقبول الجميع، لكن للأسف تم تضييعها.
كيف تنظرون إلى مستقبل المهنة في ظل هذه التطورات؟
المحاماة المغربية مرت عبر تاريخها بمحطات أصعب من هذه، وكانت دائما تخرج أكثر قوة.
أنا متفائل بأن هذه الأزمة ستنتهي في نهاية المطاف بالحوار، لأن لا أحد يمكنه أن يتصور منظومة عدالة قوية دون محاماة مستقلة.
التحديات التي تواجه المهنة كثيرة، سواء على مستوى التحول الرقمي أو الذكاء الاصطناعي أو تطور المنازعات الاقتصادية، ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي يجب أن ينصرف إلى تأهيل المحامي وتعزيز مكانته داخل منظومة العدالة، وليس إلى خلق توترات جديدة.
ما الرسالة التي تودون توجيهها للمحامين وللرأي العام؟
رسالتي إلى الزميلات والزملاء المحامين هي ضرورة الحفاظ على وحدة الصف، لأن قوة المحاماة كانت دائما في تماسك هيئاتها ومؤسساتها.
أما للرأي العام، فأقول إن ما نقوم به ليس دفاعا عن امتيازات أو مصالح فئوية، وإنما دفاع عن مهنة كانت ولا تزال إحدى ركائز حماية الحقوق والحريات.
نحن نؤمن أن استقلال المحامي ليس امتيازا شخصيا، بل هو ضمانة للمواطن قبل أن يكون ضمانة للمحامي نفسه، ولذلك سنواصل الدفاع عن هذا المبدأ بكل الوسائل القانونية والمؤسساتية، إلى أن يتم فتح حوار جدي يفضي إلى مراجعة هذا القانون بما يحقق المصلحة العامة ويصون مكانة المحاماة داخل منظومة العدالة المغربية.
++++
النقيب رويبح في أسطر
عزيز رويبح هو نقيب هيئة المحامين بالرباط، ويعد من الوجوه البارزة في الساحة المهنية والقانونية بالمغرب.
راكم تجربة طويلة في ممارسة المحاماة وفي تدبير الشأن المهني، وبرز خلال السنوات الأخيرة كأحد أبرز المدافعين عن استقلال مهنة المحاماة وتعزيز ضماناتها الدستورية.
يشارك بصفته نقيباً لهيئة الرباط في مختلف المبادرات والحوارات المرتبطة بإصلاح منظومة العدالة، كما يضطلع بدور فاعل داخل جمعية هيئات المحامين بالمغرب، خاصة في ظل النقاش الدائر حول مشروع قانون مهنة المحاماة والبرنامج النضالي الذي تخوضه الهيئات المهنية رفضاً لمضامينه.
++++++++
نافذتان:
تقرر نقل الوقفات الاحتجاجية من العاصمة الرباط إلى مختلف المدن المغربية، حتى يصبح الاحتجاج وطنيا ويشمل جميع دوائر محاكم الاستئناف، لأن القضية لا تهم هيئة دون أخرى.
يجب التأكيد على بطلان أن المحامين ضد المراقبة المالية أو أن نضالهم بهدف التصرف في ودائع المتقاضين، وأموال المتقاضين لم تكن يوما من الأيام تحت تصرف المحامين أو النقباء.





