حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةسياسية

الهوة الطبقية

ليس هناك ما هو أخطر على تماسك أي مجتمع من اتساع الهوة الطبقية، واستفادة طبقة محدودة من الثروات والمناصب والمكاسب والصفقات العمومية، مقابل إقصاء الطبقات الفقيرة وتلك التي تعيش الهشاشة، ومعاناتها مع ضعف القدرة الشرائية، وارتفاع أسعار المواد الأساسية، وغياب فرص الشغل، ما يرفع من نسبة الاحتقان الاجتماعي، ويزيد من مخاطر تراكمات فشل التسيير وغياب العدالة المجالية.

وفي ظل برامج انتخابية حزبية باهتة، تتكرر مع كل محطة انتخابية دون جدوى، تقع على عاتق الحكومة المقبلة مسؤولية وضع معالجة الهوة الطبقية على رأس أولوياتها، والعمل على توسيع قاعدة الطبقة المتوسطة، من خلال الرفع من الأجور، وتشجيع إنشاء المقاولات، وتوفير الأرضية المناسبة لنجاحها في خلق فرص الشغل وتحقيق النمو، ومعالجة مختلف الإكراهات التي تواجه الشباب المستثمرين، عوض تركهم فريسة للديون وتقلبات السوق وهشاشة رأس المال وغياب التجربة الضرورية للتنافس.

فالمملكة المغربية تتوفر على مختلف أسس النهوض الاقتصادي وتحقيق التنمية الشاملة، وخلق فرص الشغل، والرفع من نسبة النمو، لكن غياب العدالة المجالية، واختلال توزيع الثروات والمشاريع التنموية، وسيطرة لوبيات تبادل المصالح على الإمكانيات، واستغلال الظروف الاقتصادية، كلها مؤشرات تؤدي، إلى جانب عوامل أخرى، إلى إنتاج الفقر والهشاشة عوض الحد منهما، كما تقلص من حجم الطبقة المتوسطة، التي أصبحت بدورها في وضع هش نتيجة ارتفاع الأسعار، واكتفائها المتزايد بشراء المواد الأساسية، ما ينكمش معه النشاط الاقتصادي، ويصبح من الصعب تحقيق التنمية المنشودة، لأن رأس المال البشري يظل أعظم استثمار وأضمن رهان للمستقبل.

وبالعودة إلى الخطب الملكية السامية، نجد أنها تطرقت مرارا إلى الثروات والعدالة في توزيعها، كما حذرت من تبعات غياب العدالة المجالية، ودعت إلى دعم الفئات الهشة والفقيرة، ودفع الشباب نحو الإنتاج، وتشجيعهم على الاستثمار والمبادرات الخاصة خارج الوظيفة العمومية. لكن فشل الأحزاب السياسية في ترجمة التوجيهات الملكية إلى برامج وسياسات عمومية فعالة، وغياب المواكبة الضرورية، يتسببان في عرقلة وتعثر مشاريع الإصلاح، مهما كانت صلبة ومنطلقة من الواقع، حيث تبقى النتائج المحصلة دوما دون مستوى التطلعات وانتظارات المواطنين.

إن تضييق الهوة الطبقية لا يتحقق فقط من خلال الدعم الاجتماعي، أو الإجراءات الظرفية، وإنما يحتاج إلى رؤية اقتصادية واجتماعية متكاملة تجعل من العدالة المجالية وتكافؤ الفرص وخلق الثروة وتوزيعها بشكل أكثر إنصافا أساسا للسياسات العمومية. فالمطلوب اليوم هو الانتقال من تدبير مظاهر الفقر إلى معالجة أسبابه، ومن تقديم الحلول المؤقتة إلى بناء اقتصاد قادر على إنتاج فرص الشغل، وتحسين الدخل، وتعزيز مكانة الطبقة المتوسطة.

وإذا كانت الانتخابات تفرز حكومات وبرلمانات جديدة، فإن الرهان الحقيقي يبقى في قدرتها على تحويل الوعود إلى سياسات قابلة للتنزيل، وجعل التنمية وسيلة لتحقيق الاستقرار الاجتماعي، لا مجرد شعار يتجدد مع كل استحقاق انتخابي.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى