
في مشهد دبلوماسي متسارع، يتأكد، مرة أخرى، أن الزمن لم يعد يشتغل لصالح الأطروحات الانفصالية، بل بات يسير بثبات في اتجاه تكريس واقع جديد عنوانه: ترسيخ مغربية الصحراء وتعزيز مشروعية مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
القرار الذي أعلنته دولة الهندوراس، أول أمس الأربعاء، بتعليق اعترافها بجمهورية الوهم، جاء مباشرة بعد خطوة مماثلة من دولة مالي، انضافت إلى قرارات مماثلة اتخذتها دول أخرى في وقت سابق، وبالتالي لا تمكن قراءة هذه الأحداث بشكل معزول، لأنها تشكل حلقة جديدة في سلسلة انتصارات دبلوماسية متراكمة يقودها المغرب بهدوء وثقة.
وشكل القرار الأممي بالاعتراف بسيادة المغرب على كافة أقاليمه الصحراوية، ضربة موجعة لأعداء الوحدة الترابية، وجاء هذا القرار ثمرة مجهودات كبيرة قامت بها الدبلوماسية الملكية على كافة المستويات، حيث راكم المغرب العديد من الانتصارات المتتالية بالمحافل الدولية، خاصة على مستوى الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي، وتمكن، من خلال حضوره القوي بالمنظمات والهيئات الدولية، من محاصرة الدعاية الانفصالية، والدفاع عن مقترح الحكم الذاتي الذي يقترحه المغرب لإيجاد حل سياسي نهائي للنزاع المفتعل بالصحراء المغربية.
ملف الصحراء المغربية شهد، على مدى 26 سنة من حكم الملك محمد السادس، تحولات استراتيجية غير مسبوقة على المستويين الدبلوماسي والسياسي، بعدما تمكن المغرب من تثبيت مواقفه الراسخة إقليمياً ودولياً بخصوص وحدته الترابية، وفرض مقاربته الواقعية القائمة على مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الجدي والوحيد القابل للتطبيق من أجل تسوية هذا النزاع المفتعل الذي عمر لأزيد من خمسة عقود.
هذه التحولات لم تأتِ من فراغ، بل هي نتيجة عمل دبلوماسي عميق ومتعدد الأبعاد، نجح في نقل ملف الصحراء من منطق «نزاع إيديولوجي جامد» إلى مقاربة واقعية قائمة على الحلول الممكنة. فالمبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي تحظى بدعم متزايد داخل المنتظم الدولي، أصبحت اليوم المرجعية الأكثر جدية ومصداقية، كما تؤكد ذلك تقارير الأمم المتحدة ومواقف عدد متزايد من الدول.
إن توالي قرارات سحب أو تعليق الاعتراف بالكيان الانفصالي يعكس تحولا عميقا في موازين التقدير الدولي. فدول كانت في وقت ما تنخرط في الاعتراف بدوافع سياسية أو ظرفية، بدأت تعيد قراءة الواقع على الأرض، لتكتشف أن الرهان على كيان وهمي في مواجهة دولة عريقة، لم يعد مجديًا، لا سياسيًا ولا تنمويًا.
في المقابل يرسخ المغرب حضوره كفاعل إقليمي موثوق، يجمع بين الاستقرار السياسي والدينامية الاقتصادية والانفتاح الإفريقي، وهو ما جعل مواقفه في ملف وحدته الترابية تحظى بقدر متزايد من التفهم والدعم. فالدبلوماسية المغربية لم تعد تكتفي بردود الفعل، بل أصبحت تبادر، وتقنع وتبني شراكات استراتيجية تعيد تشكيل خريطة المواقف الدولية.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد «سحب اعتراف» هنا أو «تجميد موقف» هناك، بل هو انهيار تدريجي لسردية انفصالية فقدت سندها الواقعي، في مقابل صعود رؤية مغربية تستند إلى الشرعية التاريخية، والقانون الدولي ومنطق الحلول العملية.




