
يونس جنوحي
لا مجال نهائيا للتوقعات عندما يتعلق الأمر بمسألة الحرب الأمريكية- الإيرانية.
تدخل المفاوضات، الأسبوع المقبل، منعطفا لا بد أن يكون حاسما. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه، أبان عن «مرونة» -حسب التوصيف الذي استعملته صحف أمريكية تعرف جيدا خلفيات الرئيس وحساباته- بعد أن قضى أسابيع يستعرض فيها «صعوبة المراس».
الخبراء الآن يسلطون أضواءهم على باكستان التي تلعب دور الوساطة. قائد الجيش الباكستاني، الذي وصل إلى طهران، يُنتظر منه أن يحمل أخبارا سارة لفتح باب الحوار والتفاوض على الوقف النهائي للحرب.
لكن ما نشره مركز «أوروبا واير» يذهب بعيدا ويحلل ما وراء الخرجة الباكستانية التي حلت محل الوساطة الأوروبية المعهودة في مثل هذه الأزمات.
التقرير، الذي أصدرته «أوروبا واير»، يؤكد أن الأمر لا يتعلق بدور جديد لباكستان، بقدر ما هو إعادة تغليف لدور استراتيجي قديم. وجاء في التقرير، الذي يحمل عنوان «ظاهر الوساطة الباكستانية وحدود غموضها الاستراتيجي»:
«تشير التقارير الأخيرة إلى أن طهران أطلقت فقط الاتصالات الأولية مع دول مثل باكستان وتركيا ومصر، لتقييم ما إذا كانت هناك شروط للحوار، مع إنكارها علنا أن المفاوضات الرسمية مع واشنطن جارية».
لا يمكن اعتبار باكستان وسيطا راسخا، في مثل هذه الحالات، بل يتعلق الأمر إذن بـ«قناة محتملة» لضمان تعدد وسائل التمهيد للتفاوض الأهم.
عندما يتعلق الأمر بدول الخليج، التي تعرضت لاعتداءات من إيران رفضها المجتمع الدولي، فإن باكستان لم تُظهر أي مبادرة ناجعة، علما أنها مرتبطة مع دول الخليج باتفاقيات عسكرية. وهذا الموقف ليس وليد اليوم، بل إن باكستان سبق لها أن رفضت بشكل مباشر سنة 2015، المشاركة في العمليات العسكرية المباشرة خلال الأزمة اليمنية.
التقرير وصف، أيضا، باكستان بأنها «تقدم نفسها طرفا مُفيدا لجميع الأطراف، لكنها تتجنب دفع تكاليف التوافق الكامل مع أي منها».
العلاقات الباكستانية- التركية مثال آخر على هذا «التناقض».. هناك تبادل لعبارات التطمين دون تحقيق تقارب استراتيجي مكتمل. هناك برنامج للبحرية الباكستانية، في إطار التعاون وبرامج التدريب مع تركيا، بالإضافة إلى الإنتاج المشترك للأنظمة الجوية وتوسيع برامج التدريب العسكري.. إلا أن العمل على خلق توازن أوسع لصالح أنقرة مقارنة مع التحالفات الغربية الموسعة، يجعل العلاقة بين البلدين «ذات عمق استراتيجي محدود».
الأمر نفسه ينطبق على طبيعة العلاقات الباكستانية- المصرية. يُلاحظ وجود مشاركات ثنائية، خلال عامي 2024 و2026، في مجالي الدفاع والأمن، بما في ذلك تبادل الوفود العسكرية، والتدريبات المشتركة والتعاون المحدود في مكافحة الإرهاب.. لكن عندما يتعلق الأمر بالتأثير الإقليمي والتنسيق المشترك في هذه التوافقات الدولية يظهر أن العلاقات محدودة بل و«وظيفية».
لكن عندما يتعلق الأمر بالعلاقات بين باكستان والصين، فإن المعايير ومظاهر التأثير تختلف. وإذا ركزنا فقط على سنة 2025 والسنة الحالية، سنجد أن الأمر يتعلق باتفاقيات اقتصادية ومشاريع استثمارية تتعلق بالبنيات التحتية في باكستان، تشرف عليها الصين، وتكلف ملايين الدولارات، وهو ما يجعل مسألة استقلالية القرار الباكستاني عن الصين محدودة جدا.
بالنسبة لأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، هذا النهج الذي تمضي فيه باكستان يمكن اعتباره «فرصة ومخاطرة على حد سواء»، إذ أن تقرير «أوروبا واير»، الذي أشرف عليه، بالمناسبة، الخبير القانوني والسياسي اليوناني «ديميترا ستايكو»، جاء فيه: «لا تزال باكستان مُحاورا مفيدا محتملا في الأزمات الإقليمية، ومع ذلك فإن اعتمادها المستمر على الغموض الاستراتيجي يُقوّض مصداقيتها باعتبارها شريكا مستقرا».
خلال الحرب الأمريكية في أفغانستان، كانت باكستان متحالفة رسميا مع الولايات المتحدة، بينما اتُهمت، في الوقت نفسه، بالتسامح مع الشبكات التي تعمل عكس المهمة التي تدعمها باكستان في الظاهر.
هناك دور ظاهري وآخر حقيقي، لكنه خفي دائما ولا ترصده الكاميرات بقدر ما تفضحه المواقف.





