
مع اقتراب نهاية الولاية التشريعية الحالية، ما زال الرأي العام الوطني ينتظر إخراج عدد من التقارير التي أنجزتها لجان موضوعاتية أو استطلاعية حول بعض القضايا التي أثارت ضجة في أوساط الرأي العام، لكن «لوبيات» نافذة داخل المؤسسة التشريعية مارست ضغوطات على «نواب الأمة» لإقبار هذه التقارير.
وعلى سبيل المثال، تم إقبار التقرير الذي أعدته اللجنة البرلمانية الاستطلاعية حول مقالع الرمال والرخام، على غرار تقارير سابقة لم تخرج إلى الوجود، وذلك بضغط من «لوبيات» أرباب المقالع، وضمنهم برلمانيون يستفيدون من رخص «ريع» مقالع الرمال والرخام، خاصة أن اللجنة البرلمانية رصدت استمرار ظاهرة الريع في قطاع المقالع، فضلا عن تفشي عمليات النهب والسرقة التي تتعرض لها المواد المستخرجة من المقالع، وعدم التصريح بالكميات الحقيقية المستخرجة من المقالع المرخصة، ما يكبد خزينة الدولة خسائر مالية فادحة تقدر بنحو 900 مليون درهم سنويا من المبالغ المستحقة.
وفي الوقت الذي يُفترض فيه أن تشكل المهام الاستطلاعية البرلمانية أداة فعالة لتعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، يطرح تأخر أو عدم إخراج تقارير عدد من هذه المهام بمجلس النواب أكثر من علامة استفهام حول جدية تفعيل هذا الاختصاص الرقابي للمؤسسة البرلمانية، وكشف الحقائق وتنوير الرأي العام حول ملفات غالبا ما تكون حساسة ومرتبطة بالمال العام، أو بتدبير مرافق حيوية.
إن تعطيل نشر هذه التقارير، أو إبقاءها حبيسة الرفوف، لا يمكن اعتباره مجرد تأخر إداري عابر، بل يرقى إلى مستوى إفراغ العمل البرلماني من أحد أهم أدواره، وهو الرقابة الفعلية على السياسات العمومية. فحين يُحرم المواطن من الاطلاع على خلاصات هذه المهام، يُحرم في الآن ذاته من حقه في الحصول على المعلومة، وهو حق مكفول دستوريا للجميع، وبذلك تتآكل الثقة في المؤسسة البرلمانية باعتبارها مؤسسة تمثل الأمة وتدافع عن المواطنين وحقوقهم.
والأخطر من ذلك، فإن إقبار هذه التقارير يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة، تتراوح بين وجود ضغوط سياسية لإخفاء معطيات محرجة، أو غياب الإرادة الحقيقية لمساءلة الجهات المعنية، وفي كلتا الحالتين، فإن الخاسر الأكبر هو منسوب الثقة في العمل البرلماني، وصورة المؤسسة التشريعية كمؤسسة دستورية قادرة على القيام بأدوارها كاملة.
إن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بإخراج هذه التقارير، بل بإعادة الاعتبار للوظيفة الرقابية للبرلمان، عبر ضمان آجال معقولة لمناقشة هذه التقارير وتفعيل التوصيات الصادرة عنها، ونشرها للعموم، وربطها بإجراءات عملية للمساءلة والمتابعة، لأن الديموقراطية لا تُقاس فقط بعدد القوانين المصادق عليها، بل أيضا بمدى قدرة المؤسسات على كشف الاختلالات ومحاسبة المسؤولين عنها، تفعيلا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، يصبح من غير المقبول أن تبقى ملفات وقضايا تهم الشأن العام دون كشف الحقيقة كاملة بشأنها، ولذلك فالمسؤولية تفرض على المؤسسة البرلمانية القيام بمهامها الدستورية، وإلا ستتحول إلى مجرد غرفة للتسجيل.





