
يونس جنوحي
المغرب أول دولة في العالم تعترف بالولايات المتحدة الأمريكية دولة مستقلة. معلومة جاهزة، ومن كثرة ما تم تداولها عبر العالم، أفرغت تماما من حمولتها التاريخية.
اعتراف المغرب باستقلال الولايات المتحدة جاء في سياق أزمة جبل طارق، نهاية 1777، عاما واحدا بعد إعلان الأمريكيين إقامة دولتهم. ومن الحقائق المغيبة أن المغرب، في ذلك الوقت، جنّب منطقة جبل طارق حربا حقيقية بسبب تعرض قراصنة ليبيا لسفن أجنبية، بينها سفن أمريكية. ولم يفوت الأمريكيون الفرصة عندما رأوا أول يد صداقة تمتد إليهم، بل تمسكوا بها وأبرموا اتفاق صداقة بقي ساري المفعول إلى حدود 1837.
لكن الأمريكيين لم ينتظروا إلى أن تنتهي مدة الاتفاق «الهدنة»، الذي تعهد فيه المغرب بتأمين مرور السفن الأمريكية عبر مضيق جبل طارق، وأرسلوا سفيرا سنة 1835 -وهذه الحقيقة أهم وأولى أن تُعرف- إلى مدينة مكناس لإبرام اتفاق صداقة مع المغرب وأن يمتد لنصف قرن على الأقل.
حرارة شهر غشت من تلك السنة كادت تصيب المبعوث الأمريكي بالجنون، ولولا سماكة أسوار وجدران غرف قصر مكناس، لمات المبعوث من شدة الحر نهارا وليلا.
تلقى المغرب أول هدية من الولايات المتحدة. أول هدية جاءت من الغرب كانت مجرد مجموعة من الأثواب الشرقية النادرة والنفيسة!
وعلى ذكر الهدايا، فلم تكن تلك أولى الهدايا المتبادلة بين المغرب والولايات المتحدة. فقد سبق للسلطان المغربي، المولى عبد الرحمن، أن أرسل، سنة 1834، هدايا ثمينة للأمريكيين، كتبت صحافتهم عنها، بل وعقد «الكونغريس» الأمريكي جلسة خاصة وساخنة للتداول في ميزانية إطعام أسود مغربية أهداها المولى عبد الرحمن إلى حكومة الولايات المتحدة.
كانت الأسود ترابط في رصيف ميناء طنجة في انتظار أن يشحنها القنصل الأمريكي في الباخرة المتجهة إلى واشنطن.. وعانى الرئيس الأمريكي وقتها ليقنع النواب بالتوقيع على ميزانية سنوية لإطعام الأسود المغربية. وفي النهاية ضغط الرئيس على النواب، ولوح بإمكانية توتر العلاقات مع المغرب في حال رفض الهدية.. ووافقوا في الأخير على تخصيص ميزانية لإطعام الأسود القادمة من المغرب، وأرسلوا إلى القنصل إذنا بشحنها إلى الولايات المتحدة.
أما اتفاقية 1836 فلازال نصها التاريخي، كما اقترحه المغرب، محفوظا في سجل المكتبة الوطنية القومية في واشنطن، ويسجل أن المغرب وصف الأمريكيين بـ«الأمريكانوس»، وهو اسم استعاره المغاربة من البرتغاليين.. ووضع أكثر من خمسة وعشرين بندا، في انتظار أن يقترح الأمريكيون تعديلاتهم عليه. ولم تُبرم الاتفاقية إلا عاما بعد ذلك، وعرفت تاريخيا باتفاقية مكناس 1836.
لكن العلاقات المغربية- الأمريكية لم تتوطد فعلا إلا في عهد محمد الرابع، الذي حكم المغرب بين 1859 و1873. وفي عهده تطورت الصداقة المغربية- الامريكية، وأبرمت اتفاقيات أخرى، في عز أزمة الأمريكيين الداخلية، واستثمر صداقة قنصل المغرب مع المولى عبد الرحمن ابن هشام الذي حكم المغرب قبله، وتطورها لكي تُترجم إلى اتفاقيات تبادل وزيارات.
التاريخ لا يكرر نفسه، وإنما يدور في حلقات متقاربة ويستمتع بمشاهدة البشر يكررون الأخطاء والكوارث.
مضيق هرمز لا يختلف في أهميته عن جبل طارق. ومنذ اندلاع الحرب في المنطقة، والخبراء والاقتصاديون يلوحون بإمكانية استعمال مضيق جبل طارق بديلا عن مضيق هرمز.
المغرب فطن إلى أهمية جبل طارق منذ ما يقارب ثلاثة قرون، وجنب العالم حربا كارثية قبل 250 سنة بالضبط. وبدل أن يساند قبيلة القراصنة في طرابلس، ويقدم مبررا للأمريكيين ليضربوا السواحل أو يتحدوا مع إسبانيا أو البرتغال، أبرم اتفاقا مع أمريكا، وقطع فرصة احتلال السواحل المغربية من طرف ثلاث دول كبرى، كانت لتحول مضيق جبل طارق إلى شيء آخر.. وبقية القصة تعرفونها بالتأكيد.





