
إبراهيم الخطيب
في رسالة موجهة إلى محمد برادة1، قبل بضعة أيام من التحاقه بمستشفى الأمراض العقلية في تطوان، شكا محمد شكري (1936-2003) من حالة فقدان وعي مفاجئة، ومن شعوره بكونه أصبح «خصما لنفسه» وللناس من حوله. كما عبّر عن رغبته في أن يصير «وحيد نفسه وعصره ولعنته» وأن يكون «أنا وما لستُ أنا بعدُ إياه»، وعن عزمه التشبث «بالذي كان ولم يكن». وكان الكاتب عانى من أزمة نفسية قبل 13 عاما (سنة 1946)، حيث حاول، وهو مقيم بالعرائش في فندق يملكه إسباني، تجرع 20 حبّة من مهدئ Librium، لكنه فقد الوعي بعد تجرع خمس منها فقط، ما جعل مالك الفندق يبادر إلى نجدته. ويُستعمل هذا العقار، في العادة، لتهدئة القلق والضغط الناتج عن الاضطرابات العصبية. وكان شكري، في رسالة سابقة إلى محمد برادة2 أيضا تحدث عن وقوع «أشياء جد مزعجة» له إلى درجة أنه فكر في الانتحار عدة مرات.
لم يكن هناك في سبعينات القرن الماضي مستشفى عمومي لعلاج الاضطرابات العصبية في طنجة. وكان مستشفى الأمراض العقلية بتطوان يستقبل، حسب تفويض إداري، المرضى الواردين من طنجة وشفشاون والقصر الكبير والحسيمة. ربما لهذا السبب، أو لأسباب أخرى يصعب التكهن بها، لم يجد محمد شكري بدّا، بعد شعوره باختلال صحته النفسية، من الالتحاق بالمستشفى المذكور، الذي كانت ساكنة تطوان تطلق عليه اسم Mallorca.
حل الكاتب بالمستشفى يوم 6 دجنبر سنة 1977، أي بعد مرور عشرة أيام فقط على الرسالة المشار إليها في صدر هذا المدخل. كان شكري حينها في الثالثة والأربعين من عمره، وكانت سيرته الذاتية (الخبز الحافي) قد صدرت بالإنجليزية قبل أربع سنوات عن دار النشر اللندنية (بيتر أوين Owen)، كما صدرت له قصص في المغرب ولبنان.
قبل يومين من التحاق شكري بالمستشفى، اتصل بمديره الدكتور محمد الجعيدي بواسطة الهاتف قائلا له بأنه يريد المجيء للاستشفاء «بمحض إرادته» وليس نزولا عند رغبة أحد، مستفسرا عن إمكانية وجود سرير، فرد ّعليه الدكتور بالإيجاب دون تردد. لم يكن هذا الأخير يجهل وضعية محمد شكري في الساحة الثقافية بالمغرب، فقد سبق أن بَلغتْه أصداء عن صدور النسخة الإنجليزية من روايته (الخبز الحافي) وما أثارته من ضجة، كما كان على علم بولع شكري بالكتابة واشتغاله عليها، لكنه لم يكن قد قرأ له شيئا مما نشره باللغة العربية.
بعد مرور يوم على المكالمة الهاتفية المذكورة، جاء شكري إلى المستشفى حاملا حقيبة صغيرة، فاختلى به الدكتور في مكتبه، وجرى بينهما حديث صريح عن معيش الكاتب في طنجة، وعاداته اليومية فيها، وسوابق اضطراباته النفسية. إثر ذلك فتح له ملفا سجل فيه ملاحظة موجزة لها صلة بتعاطي شكري للكحول، دون الإشارة إلى مسألة الإدمان، ثم أخبره بأن تأثير العقاقير التي سيصفها له يشترط التوقف عن استهلاك الخمر إبان فترة الاستشفاء، فكان رد شكري إيجابيا، حيث قال للدكتور بأنه بدوره سيحرص على ذلك، وأن لجوءه إلى المستشفى كان من أجل «الخلود إلى الراحة»، وأنه يعي تماما وضعه، ويخشى تطوره إلى ما هو أسوأ.
إثر ذلك وصف له الدكتور عقارين هما Tranxène الذي يستعمل كمخدر لمقاومة القلق عندما يكون مصحوبا بتشنجات عصبية نتيجة التوقف عن عادة، وElanil 10 الذي يلطف اضطرابات المزاج وتقلباته، قائلا له بأن ممرضا سيتكلف بتوفير هذين العقارين له في أوقات معينة. بعد ذلك، رافقه الدكتور إلى إحدى غرف (الجناح الجديد) حيث دله على السرير الذي سيرقد فيه، لكنه لن يكون هناك بمفرده، بل بمعية شاب يشغل سريرا آخر. كان السرير نظيفا شأن بقية أسرة (الجناح الجديد)، لكن هذه الصفة لم تكن تنطبق على باقي أسرة المستشفى بسبب هزالة الميزانية، في بند الصيانة، حيث لا تنظف الأغطية، شتوية أو صيفية، إلا بضع مرات في السنة، مما يعني أن نفس الأغطية تستعمل طيلة العام من طرف مرضى متعددين، كما لا يتم تنظيف ملابس النزلاء، إلا إذا ما تكلف أهلهم بذلك، أو قاموا بإحضار ملابس جديدة لهم3.
تعتمد مقالتي هذه عن مقام محمد شكري في مستشفى الأمراض العقلية في نهاية سنة 1977 على المصادر التالية:
- حواري مع الدكتور محمد الجعيدي المنشور في صحيفة «المحرر» سنة 1978 (أي السنة التي تلت مقام شكري في المستشفى)، إلى جانب مكالماتي الهاتفية معه ولقاءاتي به في (مقهى ديوان) بشارع الجيش الملكي في تطوان حين الشروع في كتابة هذه المقالة.
- كتاب المراسلات «ورد ورماد» (طبعة القاهرة 2015)، وخاصة الرسائل المتبادلة بين محمد برادة ومحمد شكري، إبان إقامة هذا الأخير في المستشفى المذكور، والتي تكشف جوانب من معيشه كنزيل، وشكل مقاربته لحالته الصحية، إلى جانب قراءاته.
- وثيقة تأبين: Turégano, adiós a una institución .
حكاية مستشفى
أقيم مستشفى الأمراض العقلية في تطوان داخل ثكنة عسكرية وإصطبل لخيول فيلق (الريكولاريس رقم 1) كان قد تم إخلاؤهما بعد نقل الفيلق إلى مدينة سبتة إثر إبرام معاهدة الاستقلال سنة 1956. حدث ذلك في إطار اتفاقية للتعاون التقني بين المغرب وإسبانيا حيث تم تكليف طبيب إسباني يدعى ألفونسو توريغانو كرييادو Alfonso Turegano Criado (1925-2017)4 بالعمل على إحداث مستشفى للأمراض العقلية لإيواء نزلاء مارستان (سيدي فرج) (1930) المجاور لمدخل المدينة القديمة من جهة باب العقلة، والذي غدا وضعه الاجتماعي محرجا بالنسبة للسلطات المحلية والصحية. لم تكن إمكانيات تشييد مقر جديد متوفرة، لذا تم اقتراح الثكنة المذكورة، الواقعة في سفح جبل درسة، نظرا لتوفرها على مساحة يمكن تدبيرها تدريجيا بحيث يصل عدد أسرتها، في المستقبل، 600 سرير، فضلا عن فضاء يمكن استغلاله للبستنة والاستراحة. لكن الأمور لم تسر على هذا الإيقاع: فعندما عُين الدكتور محمد الجعيدي مديرا للمستشفى خلفا للدكتور توريغانو سنة 1976، لم يكن عدد الأسرّة قد تجاوز 209 أسرّة، كما لم تكن هناك فضاءات لشغل أوقات النزلاء، وهو ما كان يضطرهم إلى الاكتفاء بالتجول داخل ممرات أجنحتهم دون أمل في القيام بأي نشاط ترفيهي5. وعندما التحق محمد شكري بالمستشفى، كانت هندسة هذا الأخير تنقسم إلى ثلاثة أقسام حسب الطبيعة المرضية للنزلاء: فالمرضى الأقل اعتلالا والأكثر استسلاما للعلاج يتم إيواؤهم في ما يسمى (الجناح الجديد)، الذي شيد في عهد الدكتور توريغانو، وكان يتوفر حينها على 60 سريرا، أما المرضى المتخلفون عقليا تخلفا مزمنا فيُعزلون في «الباطيو» (البهو)، في حين يعزل قسم من هؤلاء ممن لا يتحكمون في حاجاتهم الفيزيقية في قاعة معتمة، بدون أسرة، بل ذات مصاطب خشبية يطلق عليها العاملون في المستشفى «بيت الخرايا»6، وهما جناحان قديمان يعودان إلى سنة 1956. والملاحظ أن نزلاء (الجناح الجديد) كان يسمح لهم، بعد إذن المدير، بالخروج من المستشفى للتجول في المدينة، أو لملاقاة أفراد من عائلتهم، بشرط عدم إحداث أي شغب قد يضطر السلطات الأمنية للتدخل، فيما كان نزلاء الجناحين الأخيرين ممنوعين من مغادرة مبنى المستشفى. يُذكر في هذا الصدد أن عدد العاملين المكلفين بالمرضى، في ذلك الوقت، كان قليلا، فلكل عون ما يعادل 50 نزيلا يكلف بنظافتهم، وكذا «حراستهم»، فضلا عن قيامهم بمناولتهم الأدوية.
الدكتور الجعيدي
كان في حوالي الثلاثين من عمره حين حلول شكري بمستشفى الأمراض العقلية: متوسط القامة، غزير شعر الرأس، تنم الابتسامة التي لا تغادر شفتيه على سهولة التواصل معه، وأن عمله كمدير للمستشفى لا يقف حاجزا بينه وبين الإصغاء إلى مرضاه كيفما كانت أوضاعهم وتصرفاتهم. كان معروفا بصدره الرحب وتعاطفه مع المرضى، وإن كان صارما إبان مرحلة العلاج. ولد بمدينة أصيلة، وتلقى تعليميه الابتدائي والثانوي في طنجة وتطوان، وإثر ذلك درس الطب بجامعة فالينسيا (إسبانيا)، وعقب تخرجه التحق، في قرطبة، بحلقة الدكتور (كاسطيا ديل بينُو Castilla del Pino) (1922-2009) الذي كان يدرّس مادة التحليل النفسي الاجتماعي، وله أبحاث وكتب في هذا المضمار7. عدا ذلك، كان الدكتور الجعيدي مهتما بالقراءة، وخاصة باللغة الإسبانية، حيث كانت مكتبته الخاصة تتوفر على عشرات الروايات والقصص والدواوين الشعرية إلى جانب دراسات تاريخية وإيديولوجية (ماركسية في الغالب) وطبية. ويقول عنه محمد شكري في رسالة إلى محمد برادة 8: « إنه ليس مجرد طبيب نفساني، بل إنسان مثقف، يهتم بالأدب والفن، عموما، وبالمذاهب السياسية» لذا «كنا أحيانا نتحدث عن بعض التيارات الفكرية».
مشهد داخلي
كان سرير محمد شكري، كما أسلفنا، مجاورا لسرير نزيل شاب اسمه عبد الكريم، يجيد الفرنسية والعربية، ويهوى الاستماع إلى برامج موسيقية بواسطة مذياع صغير كان يضعه بجانب فراشه، كما كان مولعا بالتدخين. وكان الكاتب حين يستيقظ باكرا حوالي الخامسة صباحا، يتناول حبة فاكهة، ويدخن سيجارة أو اثنتين، وذلك قبل تناول فطوره مع المرضى الآخرين، والذي كان عبارة عن كأس قهوة بالحليب أو شاي، مع خبز وقليل من الزبدة أو المربى9. عقب ذلك كان يعمد إلى التجول في ردهات المستشفى متفرسا في وجوه المرضى وسحناتهم، ومصغيا إلى أحاديثهم وهذياناتهم. ورغم أنه لم يكن يشعر بملل حاد من وجوده بين ذهانيين، هادئين تماما، إلا أن الحياة اليومية في المستشفى لم تكن تخلو من منغصات عنف متبادل بين المرضى بعضهم وبعض لأسباب قد تكون بالغة البساطة أو تافهة. لقد وقع لشكري حدث من هذا القبيل ذات يوم، عندما طلب منه أحد المرضى سيجارة فرفض بخشونة، وعقب ذلك دار بينهما شد وجذب تحول إلى عراك وركل، قبل أن يؤول الأمر إلى تصالح تجلى في تدخينه، مع نزيل آخر، نفس السيجارة بالتناوب. وحدث أن اقتنى الكاتب جلبابا أبيض لرفيقه في غرفة (الجناح الجديد)، وألبسه إياه بحضور بعض المرضى، لكن عبد الكريم لم يفتأ أن جاء في اليوم التالي غاضبا لأن أحد المرضى، من المقيمين في «بيت الخرايا»، مزق جلبابه عند الكتف. ولتهدئة غضبه أعطاه شكري إبرة وخيطا لرتق الفتق، وعمد إلى تطييب خاطره. لقد كان الكاتب يحتاط أيضا من التعامل مع بعض المرضى، لأسباب غامضة، فلا يكلمهم ويتحاشى حتى مصافحتهم. إلى جانب ذلك، كان يشغل وقته وهو في المستشفى، فضلا عن القراءة، بالاستماع من مذياع رفيقه في الغرفة إلى الموسيقى الكلاسيكية أو أغاني كبار المنشدين الفرنسيين، أمثال ليو فيري (1916-1993)، الذين كان صيتهم ذائعا في ذلك الوقت بسبب نزعتهم الاحتجاجية ومواقفهم غير المحافظة. رغم ذلك، كانت مشاعر الكآبة تداهم شكري بين آونة وأخرى، إما حينما يستمع إلى نزيل يحكي له عن مآسي حياته، أو حين يفكر هو في المستقبل، فيتساءل كيف سيكون بإمكانه تغيير «نمط حياته» اليومية «نحو الأجمل»، كما عبّر في إحدى رسائله10.
مشهد خارجي
لم يكن محمد شكري غريبا عن مدينة تطوان «التي قضى فيها طفولته وجزءا من مراهقته»11، بمعية إخوته ووالديه اللذين كانا يملكان منزلا متواضعا في حي (الترانكات) بالمدينة العتيقة. كان والده عاطلا بعد تسريحه من الجيش الإسباني، وكانت والدته معسرة تبيع الخضر في سوق عمومي، لذا، وإشفاقا من حالها، لم يكن الكاتب يبخل عليها بنصيب من أجرته الشهرية إبان عمله أستاذا بثانوية (ابن بطوطة) في طنجة. في هذا السياق، وأثناء جلوسه، ذات يوم في مقهى (نيبون) Nipone، تذكر شكري أنه عمل في صباه، وبالضبط في مجرى سنة 1948، حيث كان في الثانية عشرة من عمره، منظفا للكؤوس والصحون في هذا المقهى الذي كان يملكه إسباني، والذي يوجد حاليا في شارع 10 ماي، وسطاً بين ساحة العدالة وساحة مولاي المهدي، ويتميز داخله بجدران مزينة بزليج إسباني داكن، أخضر وبني، وله باب زجاجي ونافذتان كبيرتان تطلان على الشارع المذكور. ورغم أن شكري لم يكن يجد في تطوان ما يغريه، ويفضل، حسب قوله، البقاء في المستشفى، إلا أن سلوكه كان يدل على غير ذلك، حيث كان حريصا على مغادرة هذه المؤسسة حوالي العاشرة صباحا، والانحدار باتجاه حي (الإينسانتشي) وسط المدينة الحديثة، مشيا، رغم وعورة وأحيانا توحل ممرات سفح جبل درسة في فصل الشتاء، حاملا معه كتبا، وأوراقا لكتابة رسائل إلى محمد برادة، أو تدوين ملاحظات على الكتب التي يقرأ. كان يبادر إلى الجلوس في مقهى (نيبون)، حيث يحتسي قهوة سوداء، ويراقب من إحدى نافذتيه حركة مرور المارة والسيارات، فيما كان يقصد، مرات أخرى، مقهى (مانيلا) بشارع علال بن عبد الله، على بعد خطوات من العمارة رقم 25 التي كان الدكتور الجعيدي يقيم في إحدى شققها بمعية زوجته. ورغم حبه للعزلة والاختلاء بنفسه، إلا أن شكري كان منفتحا مع ذلك على لقاء بعض معارفه من الكتاب أو ممن يراودون الكتابة، وكذا بعض أقاربه: هكذا التقى ذات يوم بالشاعر محمد الميموني (1935-2017) الذي عرض عليه مغادرة المقهى والتجول معه في شوارع المدينة، حيث تبادلا، في ما يبدو، أحاديث حول الثقافة والنشر والشعر واتحاد كتاب المغرب. وفي مرة أخرى التقى أحمد الإدريسي (1936-2005) ومحمد بوخزار وإبراهيم الخطيب الذين كانوا قد قدموا حينها من الرباط، حيث كانوا يعملون في ميدان التعليم، وذلك لقضاء عطلة رأس السنة في تطوان. إذ ذاك طلب منهم شكري الالتحاق به في مقهى (مانيلا)، فوافقوا في الظاهر، لكنهم، لسبب ما، لم يفعلوا، ما جعله يغتاظ من سلوكهم، ويعبر عن غيظه في إحدى رسائله12. في هذا السياق زاره شقيقه عبد العزيز، الذي كان يصغره بـ18 سنة، في مقهى (نيبون)، وأقرضه 50 درهما، وهو ما بدا لشكري مبلغا زهيدا إذا قورن بمداخيل عبد العزيز من تجارته التي تعتمد، حسب الكاتب، على التهريب ورشوة المسؤولين الأمنيين في ديوانة سبتة. وعند حلول الساعة الحادية عشرة والربع، كان شكري يقوم بجمع أوراقه وكتبه، ويشرع في التوجه إلى المستشفى معجلا لتناول طعام الغداء مع المرضى بصورة جماعية. وكان الغداء، بسبب عدم وجود مطبخ خاص بالمستشفى، يتم في أوقات غير مضبوطة، إذ كان يُستقدم من (المستشفى المدني) بسانية الرمل، ويتألف في العادة من قطعة خبز وشعرية وعدس، مع شريحة لحم أو سمك أو بيضة مطهوة، فضلا عن فواكه موسمية، وهي نفس الوجبة التي تقدم في العشاء. ويقول الدكتور الجعيدي13 بأن المبلغ اليومي المخصص، في ذلك الوقت، لطعام كل نزيل كان 3 دراهم ونصف، ما يعني أن مبلغ كل وجبة من الوجبات الثلاث لا يعدو 115 سنتيما.
رسائل
خلال مدة إقامته في مستشفى الأمراض العقلية أرسل شكري إلى صديقه محمد برادة 8 رسائل، فيما لم يتلق منه سوى رسالة واحدة14، أو لعله تلقى رسائل أخرى لم يحتفظ بها، فضاعت. وكانت الرسالة الوحيدة هي تلك التي بدأها برادة بقوله: «لم تفاجئني رسالتك الآتية من المستشفى…» وذلك ردا على رسالة أولى أرسلها له محمد شكري (يوم 11 دجنبر، حسب الظن)15 يخبره فيها، ربما، بوضعه الجديد كنزيل في مستشفى الأمراض العقلية، وبالحديث الذي دار بينه وبين الدكتور الجعيدي حول حالته الصحية. وكان شكري يبعث برسائله تحت عنوان (مستشفى الأمراض العقلية. الجناح الجديد. مايوركا Mallorca، تطوان). والملاحظ أن رسائله توالت بإيقاع يكاد يكون يوميا من 11 دجنبر إلى 22 منه، وهو ما يعكس رغبته الملحة في التواصل مع صديقه، ثم انقطعت يوما واحدا (يوم 23)، وبعد مرور يوم أرسل رسالة أخرى، قبل أن يرسل رسالتين أخريين له في يوم واحد هو (يوم 27) دجنبر. تتراوح أسطر الرسائل بين 25 سطرا (وهي أطول رسالة) و5 أسطر (وهي أقصرها). كتب شكري رسائله الثماني إلى محمد برادة في المقهى 6 مرات، فيما كتب واحدة في المستشفى، بينما لا يتضح من أي مكان كتب رسالته الثامنة. وتعني أمكنة كتابة هذه الرسائل أن الكاتب لم يكن يستطيب المكوث في المستشفى إلا نادرا. وكان شكري يوقع رسائله باسمه الكامل، أو بـ(شكري) فقط، ويقرنه أحيانا بصفة (المسيخط)، أو بـ(الراضي عن نفسه). وتتميز رسائله بكونها تتحدث عن وقائع يومية لصيقة بالحياة في المستشفى (أنظر: مشهد داخلي)، أو بالمقاهي التي يرتادها والأشخاص الذين يلتقيهم (أنظر: مشهد خارجي) أو بمشاغله ككاتب في موضوع نشر أعماله، أو بقراءاته، كما تشير الرسائل إلى اهتمامه بمعيش محمد برادة في ذلك الوقت، حيث كان هذا الأخير حديث عهد بالزواج من السيدة ليلى شهيد16، كما كان شكري مهتما بصحة هذه الأخيرة التي كانت تعاني من مرض الربو، بل إنه لم يتردد في اقتراح بعض العلاجات الشعبية عليها.
اهتمامات صحية
طيلة مدة إقامته في مستشفى الأمراض العقلية، كان محمد شكري حريصا على تتبع تطورات حالته، مراقبا تقلباتها. وتُشكل الرسائل الثماني التي بعثها إلى محمد برادة، خلال المدة المذكورة، مرايا تعكس ذلك: حيث كان الكاتب يشير فيها إلى انطباعات جزئية وعابرة عن وضعه الصحي، هنا وهناك، دون أن يبالغ في تحليلها أو يبحث عن تعليلات لها. لقد كان عاديا، بعد مرور بضعة أيام على حلوله كنزيل بالمستشفى، أن يشعر بحالة من الكآبة تغزوه بسبب تغير فضاء العيش، وكذا بسبب الانسلاخ عن مجريات معيشه في طنجة. في نفس الوقت كان يلاحظ حدوث تحسن بيّن في صحته النفسية، الناتج عن تعاطيه العقارات بانتظام، وشعوره باعتداد مزاجي لكون الدكتور الجعيدي كان يعتني به، ولكونه تفهم حالته، وترك له حرية تقييمها بنفسه. وبما أنه كان عليه ألا يتناول الكحول إبان فترة الاستشفاء، فقد عمد إلى تعويض ذلك بالإكثار من احتساء قهوة سوداء، قوية، سواء أثناء وجبة الفطور في المستشفى، أو في المقهيين اللذين كان يتردد عليهما: (نيبون) و(مانيلا). نتيجة لذلك أدرك شكري فعلا أن التوقف عن تناول الخمر لم يعد عامل توتر لأعصابه، كما كان يحدث له في السابق، بل حدا به هذا التحول إلى أن ينظر إلى خلايا جسمه نظرة متفائل يأمل في تجددها وتخلصها من عبئها المرهق. بالنظر إلى كل ذلك، لم يكن الكاتب يشعر بأي ملل من استمرار إقامته في المستشفى، بل إنه سيعمد إلى تمديدها برغبته، وأن العقارين اللذين وُصفا له ساهما في ممارسته حياته بصورة عادية، رغم بعض الخدر الطفيف الذي كان يشعر به بين آونة وأخرى. وسنلاحظ في رسائل أخرى بعثها إلى محمد برادة، بعد مغادرته المستشفى، أن شكري تمسك باستعمال ذينك العقارين كلما أحس بأن توتر حالته النفسية أو العضوية يستدعي ذلك، وهو ما يدل على أن ثقته في الدكتور الجعيدي كانت مبررة.
اهتمامات ثقافية
ظل محمد شكري، إبان فترة الاستشفاء، مهتما بعمله ككاتب وقارئ. ففي ما يتصل بالقراءة يبدو أنه انشغل بقراءة رواية الكاتب والطبيب النفسي (لويس مارتين سانطوس) (1924-1964) Tiempo de silencio، التي تروي وقائع حياة طبيب إسباني كان يعمل بأحد المختبرات في مدريد، إبان أربعينات القرن الماضي، لكن فقر المختبر من حيث عدم التوفر على فئران التجارب وفقر الواقع الاقتصادي في إسبانيا، بعد الحرب الأهلية (1936-1939)، حالا دون آمال الطبيب في مواصلة أبحاثه حول السرطان، خاصة عقب تورطه، دون رغبة منه، في عملية إيقاف نزيف إجهاض فاشلة لفتاة، وما جره عليه ذلك من مشاكل من طرف خطيبها، ما جعله يتخلى في نهاية المطاف عن طموحاته، ليغدو مجرد طبيب عادي في إحدى القرى. لقد سجل شكري في رسالة إلى محمد برادة تعليقا موجزا على هذه الرواية حيث قال: «أقرأ (زمن الصمت) ببطء» «إنه كتاب جيد، ولكن ليس رواية عظيمة. الكاتب يهتم بالتفاصيل التي تجووزت في الرواية الحديثة»17. تحدث الكاتب في إحدى رسائله أيضا عن وجود رواية الكاتب الأمريكي (إيريك سيغال) Love story18 بين يديه (وهي رواية كانت في الأصل مجرد سيناريو) لكنه لم يقل إنه قرأها أو شرع في قراءتها، كما لم يعلق عليها. ويتضح من رسائل شكري الأخرى أنه كان يستمتع أحيانا بترجمة شعر راق من اللغة الإسبانية إلى العربية، مع إثبات النص الأصلي كبرهان على دقة الترجمة، كما يتضح منها اهتمام ذاكرته بالإحالة على قراءاته السالفة في (نيتشه) و(سيربانطيس)، أو استعمال سرديات أسطورية يونانية للتعبير عن مشاغله الراهنة من قبيل ذكر (أجنحة إيكاروس) و(متاهات ديدالوس) و(خيط أريان)، دون أن يغفل التلميح إلى (الروض العاطر) و(القرآن الكريم) في مظان أخرى. أما في ما يتعلق بعمله ككاتب فليس في رسائله الثماني ما يدل على أنه كان يشتغل حينذاك على نص أو يعمل على تصحيحه، والأمر الوحيد المتصل بهذا المجال هو سؤاله لمحمد برادة «عما إذا كان قد استرد مخطوط سيرته الذاتية من سهيل إدريس» (1925-2008) مدير دار الآداب في بيروت، الذي كان اشترط على شكري، قبل نشر نص السيرة، إدخال تأملات فلسفية عليها، وعدم الاكتفاء بحرفيات وقائعها. لكن الكاتب رفض إدخال أي تغيير، كما هو معروف.
خاتمة
مكث محمد شكري في مستشفى الأمراض العقلية 24 يوما، وفي يوم 21/12/1977 سافر إلى طنجة صباحا لاستئناف عمله في ثانوية (ابن بطوطة) بشكل صوري، ثم عاد في مساء نفس اليوم إلى المستشفى للمكوث به إلى غاية نهاية شهر دجنبر، وذلك قصد التمتع بالعطلة المدرسية، وعطلة رأس السنة الميلادية، دونما حاجة على رخصة غياب إدارية. وكان الكاتب قد اتفق مع الدكتور الجعيدي على «الخروج نهائيا» من المستشفى، لكن هذا الأخير نصحه بزيارته، على الأقل مرة في الشهر، سواء في مقر عمله أو في شقته بشارع علال بن عبد الله. حينها علق شكري قائلا إنه «تفرس صدقَه في عينيه ووجهه»19. يُذكر في هذا الصدد أن الكاتب كان قد اقترح على محمد برادة كتابة رسالة يشكر فيها الدكتور الجعيدي على عنايته السابغة به20. من جانبه، وأثناء المغادرة، عبّر شكري عن امتنانه للدكتور الجعيدي بإهدائه نسخة من الترجمة الإنجليزية التي أنجزها بول بولز لرواية (الخبز الحافي) بعنوان For bread alone في طبعة أنيقة، مجلدة، من صنف الـ(هارد كوڤر)، حيث كتب في صفحتها الأولى ما يلي: «إلى الدكتور محمد الجعيدي وزوجته المحترمة الدكتورة أمينة السعيد21، مع محبتي وصداقتي. محمد شكري. تطوان».
هوامش
- رسالة مؤرخة في 25/11/1977.
- رسالة مؤرخة في 03/02/1977.
- حوار مع الدكتور محمد الجعيدي (جريدة «المحرر» 1978).
- درس بمدريد في كلية سان كارلوس، وتخصص في علم الأعصاب والطب النفسي، وسبق أن عمل في المستشفى العسكري الإسباني بتطوان.
- أنظر: حوار مع الدكتور الجعيدي.
- نفس المصدر السابق.
- أنظر سيرته الذاتية Casa del olivo.
- رسالة مؤرخة في 24/12/1977.
9- أنظر: حوار مع الدكتور الجعيدي.
10- رسالة مؤرخة في 24/12/1977.
11- «المعيش قبل المتخيل: حوارات مع محمد شكري» تأليف حسن بيريش 2013.
12- رسالة مؤرخة في 27/12/1977.
13- أنظر: حوار مع الدكتور الجعيدي.
14- رسالة مؤرخة في 13/12/1977.
15- رسالة غير موجودة في (ورد ورماد).
16- اقترن محمد برادة بليلى شهيد يوم 20 يوليوز1977. وليلى شهيد: مناضلة فلسطينية ولدت في بيروت سنة 1949، ودرست بالجامعة الأمريكية في نفس المدينة. عملت في مخيمات اللاجئين إلى حدود سنة 1947. اشتغلت بالشركة المغربية للناشرين المتحدين (Smer) بالرباط، قبل ان تعمل مندوبة عامة للسلطة الفلسطينية في فرنسا، وسفيرة لدى الاتحاد الأوروبي، في كل من بروكسيل ولوكسمبورغ.
17- رسالة مؤرخة في 24/12/1977.
18- رسالة مؤرخة في 21/12/1977.
19- رسالة مؤرخة في 27/12/1977.
20- رسالة مؤرخة في 18/12/1977.
21- اسمها الحالي أمينة برݣاش.





