
في كل مناسبة انتخابية، تخصص الدولة دعما ماليا بالملايير لفائدة الأحزاب السياسية، من أجل تمويل حملاتها الانتخابية، لكن صرف هذا الدعم تشوبه الكثير من الاختلالات والتلاعبات، وهناك قادة أحزاب صغيرة أصبح هدفهم هو «اصطياد» أموال الدعم، دون الحصول على أي مقعد برلماني.
الدعم المالي الذي تقدمه الدولة إلى الأحزاب ليس منّة، بل هو آلية لضمان تكافؤ الفرص وتعزيز التعددية السياسية. غير أن هذا الهدف النبيل لا يمكن تحقيقه بتاتا، حين تُستغل هذه الأموال خارج إطارها المشروع.
وكشفت تقارير متتالية للمؤسسات الرقابية عن اختلالات متكررة في صرف هذا الدعم، تتجلى في فواتير مشكوك فيها، ومصاريف غير مبررة، بالإضافة إلى غياب الشفافية في صرف الأموال، بل وأحيانا يتم توظيفه لتمويل أنشطة لا تمت بصلة للعمل السياسي.
إذن، المشكلة لا تكمن فقط في وجود هذه التجاوزات، بل في تكرارها دون رادع حقيقي. فبعض الأحزاب تتعامل مع المال العام بعقلية الغنيمة، مستفيدة من ضعف آليات المراقبة، أو بطء مساطر المتابعة والمحاسبة. والنتيجة هي إضعاف الثقة في المؤسسات، وتعميق فجوة الشك بين المواطن والعمل الحزبي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى إعادة النظر في العمل السياسي وفي المؤسسات المنتخبة.
إن تخليق الحياة السياسية لا يمكن أن يتحقق بالشعارات وحدها، بل يمر حتما عبر ربط المسؤولية بالمحاسبة. فكل درهم من المال العام يجب أن يكون خاضعا للتدقيق الصارم، وكل تجاوز ينبغي أن يقابل بعقوبات واضحة ورادعة، تصل إلى حد حرمان الأحزاب المخالفة من الدعم، أو متابعتها قضائيا عند الاقتضاء.
ولمحاربة هذه التلاعبات التي كانت موضوع تقارير صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات، سارعت وزارة الداخلية إلى إدخال تعديلات على القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، تتضمن مجموعة من التدابير الزجرية، تروم تشديد الرقابة على صرف الدعم العمومي الذي تمنحه الدولة للأحزاب السياسية، وتمنح التعديلات الجديدة على القانون، صلاحيات للرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات بإحالة الاختلالات المسجلة في شأن استعمال التمويل العمومي على رئيس النيابة العامة، لاتخاذ المتعين في أي حالة، كما يتضمن القانون عقوبات أخرى قد تصل إلى حل الحزب السياسي، في حال عدم الإدلاء بحسابه السنوي لمدة ثلاث سنوات متتالية.
المطلوب اليوم ليس فقط تشديد الرقابة، بل إرساء ثقافة سياسية جديدة قوامها الشفافية والنزاهة. فالأحزاب التي تعجز عن تدبير مواردها المالية بشكل سليم، لا يمكن أن يُعهد إليها بتدبير الشأن العام.
فكيف إذن لهذه الأحزاب التي تغيب الشفافية والنزاهة عن حساباتها المالية الداخلية أن تتصرف في ميزانية الدولة والمجالس المنتخبة، التي تشرف على تسييرها.





