حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

تفاصيل محاولة سطو فرنسا على أراضي «الأحباس» المغربية بالقدس سنتي 1948 و1953

كشفتها مراسلة «اعتراف» فرنسية للخارجية المغربية سنة 1957

يونس جنوحي

«لولا أن فرنسا لم تراسل المغرب في شهر أبريل سنة 1957، لما عُرفت تفاصيل خطة فرنسية لامتلاك أوقاف مغربية في القدس الشريف.

فطنت الحكومة الفرنسية من خلال مكتب الإقامة العامة في الرباط لوجود أملاك وقفية مغربية في القدس الشريف وقرى فلسطين، وخططت بهدوء للسيطرة عليها عبر مرحلتين. في البداية طالبت الخارجية الفرنسية إسرائيل بدفع مبالغ عن استغلال تلك الأراضي. وفي المرحلة الثانية رفعت دعوى قضائية لسحب اعتراف رسمي بأن تلك الممتلكات مغربية، وأنه يتعين دفع مستحقات ومتأخرات عن استغلالها لصالح الخارجية الفرنسية.

مراسلات من الأرشيف تحمل ترقيم 13091 و2410، تبقى «آخر» الأدلة على هذا المخطط المنسي..».

 

++++++++++++++++++++++++++++++++

مُراسلة تفضح تحصيل فرنسا أموالا عن استغلال أوقاف مغربية بالقدس سنة 1948

مع تأسيس وزارة الخارجية المغربية في أكتوبر 1956، ورث الوزير أحمد بلافريج تلقائيا أرشيف الخارجية الفرنسية في المغرب ما بين 1912 و1956.

وهكذا فإن اطلاع موظفي الوزير بلافريج على الأرشيف الذي تركته الإدارة الفرنسية خلفها، جعلهم يراسلون وزارة الأحباس -أول من ترأسها في حكومة البكاي الأولى قبل تعديل أكتوبر كان هو العالم الفقيه المختار السوسي- مباشرة لإطلاعها على ما اكتشفوه في تلك المراسلات.

وما كان أمر هذه المراسلات ليُعرف، لولا أن الخارجية الفرنسية راسلت نظيرتها المغربية، بداية 1957، تخبرها بوجود أرشيف مراسلات يوثق لمسألة الأحباس المغربية في القدس الشريف، وهو الملف الذي فتحته فرنسا، بهدف استخلاص عائدات الأحباس المغربية في القدس، من السلطات الإسرائيلية، وهو الملف الذي بقي مفتوحا دون أن يُغلق..

مراسلة الخارجية المغربية إلى الأوقاف تحمل رقم 13091، ويعود تاريخها إلى يوم 13 أبريل 1957. وجاء فيها أن وزارة الخارجية الفرنسية كتبت إلى ديوان بلافريج، تخبره أن حكومة إسرائيل سبق لها أن وافقت على دفع تعويض سنوي عن استغلالها لأراض مملوكة للمغاربة في فلسطين، أقامت فوقها عددا من المستوطنات سنة 1948، بقيمة مالية – من ضمنها متأخرات دفع- تتجاوز 4 ملايين فرنك فرنسي. كان الاتفاق بين فرنسا وإسرائيل، يقضي بدفع تعويضات لصالح الخارجية الفرنسية عن استغلال أراض مغربية! ابتداء من يوم 15 ماي سنة 1948.

كان جواب وزارة الأوقاف المغربية عن الرسالة كما هو مسجل في أرشيف وثائق الأحباس، ويعود تاريخه إلى يوم 22 ماي 1957، تحت رقم 2410، مفاده أنها -أي وزارة الأوقاف- لا يمكن أن تدخل في أي معاملة مع إسرائيل كيف ما كان نوعها. حتى لا يُفهم من ذلك أنه اعتراف – ولو ضمني- بمشروعية احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية.

وافقت وزارة الخارجية على طرح وزارة الأوقاف، الذي كان في الحقيقة يجسد أيضا الموقف الرسمي للمغرب، وأيضا بقية الدول العربية، ولا يخرج عنه.

لو أن الخارجية الفرنسية لم تراسل نظيرتها المغربية بعد استقلال المغرب، لما عرف أمر هذا الملف. فقد اتضح لاحقا، خصوصا بعد أحداث 1967، أن الملف لم يعد ممكنا فتحه للنظر في أمر الوقف المغربي في القدس، وهكذا تكون فرنسا قد استخلصت أموال استغلال أراضي وأوقاف المغاربة في القدس من الإسرائيليين، وتركت ملف تلك الممتلكات مفتوحا.

ورغم تنبيه فرنسا للمغرب بخصوص هذا الملف، إلا أن الحكومة الفرنسية لم تعد للمغرب أي أموال متحصلة، جراء هيمنتها على الأحباس المغربية في القدس. بل إن نبش الأرشيف، أثبت أن الخارجية الفرنسية لجأت إلى الحيلة نفسها مع تونس، وحاولت استخلاص أموال الوقف التونسي في القدس.

الحالة المغربية كانت مختلفة عن الحالة التونسية، إذ إن نص الحماية لم يكن ينص على أي بند واضح يسمح للخارجية الفرنسية بتحصيل أموال من الأوقاف المغربية لا خارج المغرب ولا داخله.

بعد مبادرة فرنسا سنة 1948، بتحصيل أموال من إسرائيل، بسبب استغلالها أو سيطرتها على مناطق تضم أوقافا مغربية، أعادت الخارجية الفرنسية مرة أخرى رفع دعوى رسمية سنة 1953، بسب توقف الطرف الإسرائيلي عن الدفع للخارجية الفرنسية، تطلب فيها بشكل مباشر من إسرائيل دفع أموال ومستحقات ومتأخرات عن استغلال أراض مملوكة للمغاربة، في إطار الوقف المغربي في القدس، وقرى فلسطينية أخرى مثل «عين كريم».

بل إن الخارجية الفرنسية لم تقف في الدعوى عند هذا الحد، بل طلبت من إسرائيل الاعتراف رسميا بأن تلك الأراضي مغربية، وترفع عنها الحجز، وتؤدي تعويضا بأثر رجعي منذ الإعلان عن تأسيس إسرائيل أي للفترة ما بين 1948 و1953، لصالح الخارجية الفرنسية!

المثير أن تلك القضية لم تحسم نهائيا، وبقيت مفتوحة إلى أن استقل المغرب عن فرنسا، دون أن يُحسم فيها.

 

 

بين بلافريج والمختار السوسي.. ملف استعادة الأحباس المغربية بعد الاستقلال

عندما تعينت أول حكومة مغربية في دجنبر 1955، كان المختار السوسي يقف هادئا، بجلبابه الأبيض، وزيرا للأحباس، باحثا لنفسه عن مكان وسط أصحاب البذل العصرية السوداء، الذين شكلوا أول حكومة في تاريخ المغرب بعد عودة محمد بن يوسف من المنفى، قبل شهر.

لم يكن أحمد بلافريج، القطب الاستقلالي الشهير، قد عزز موقعه بعدُ. لكنه في أول تعديل حكومي على حكومة البكاي الأولى، في شهر أكتوبر 1956، ظهر أن الرجل سوف يحوز مكانا أوسع، وسوف يسحب حقيبة وزارة الخارجية، ويستأثر بها، ثم بالحكومة نفسها لاحقا، ويشكل حكومته التي جمع فيها بين الخارجية والوزارة الأولى.

ورث المختار السوسي وزارة جديدة قديمة. فهي أول وزارة مغربية لتنظيم الأحباس، وفي الوقت نفسه، فإنها تمثل فقط واجهة عصرية لاحتواء الأحباس التي كانت دائما تُسير على الطريقة المخزنية التقليدية.

عندما نُفي السلطان سيدي محمد بن يوسف في غشت 1953، كان موضوع بعض الممتلكات التابعة للأحباس محط نقاش في الكواليس، خصوصا وأن شخصيات مناصرة للسلطان الجديد، ابن عرفة، كانت ترغب في بسط يدها على ممتلكات للأحباس في كل من الرباط وفاس ومراكش..

وُجهت اتهامات لاحقا إلى الباشا الكلاوي، بسحب توقيع من ابن عرفة، لتفويت ممتلكات للأحباس، لم يكن ممكنا أبدا السطو عليها دون تغيير السلطان. إذ كان معروفا أن ممتلكات الأحباس تُرعى بشكل صارم ويشرف عليها أهل ثقة السلطان من العلماء ونظارة الأوقاف.

ولم يكن الكلاوي وحده من اتُهم بالتأثير على ابن عرفة، التهمة ذاتها وُجهت إلى باشوات آخرين، ممن كانت تربطهم بابن عرفة مصالح مشتركة.

عندما أمسك العالم المختار السوسي بمسؤولية الأوقاف، كان لديه تفويض من الملك الراحل محمد الخامس، لإعادة ترتيب الفوضى التي طالت الأحباس المغربية خلال الحماية الفرنسية. ولم يكن وزيرنا وقتها يعلم أن الخارجية الفرنسية خططت ونفذت سياسات للسيطرة على الأحباس المغربية في القدس..

ولولا المراسلة التي توصلت بها وزارة الخارجية المغربية في الأشهر الأولى من عهد الوزير بلافريج، لما اكتشف المغرب نهائيا وجود ملف للأحباس المغربية في القدس الشريف، ووجود دعوى قضائية رفعتها الخارجية الفرنسية من باريس تطلب فيها من إسرائيل دفع مستحقات استغلال أراض مملوكة للأحباس المغربية.

لم تكن فرنسا هي الأخرى لتعرف بوجود هذه الممتلكات، لولا توغل موظفي الإقامة العامة الفرنسية وإلمامهم بالجرد الكامل لممتلكات الأحباس المغربية في الداخل والخارج. وهي طبعا ممتلكات تبرع بها أصحابها، وجعلوها «وقفا» للمسلمين، وفوض أمر تدبيرها بالتالي إلى الأحباس.

اختراق الإدارة الفرنسية لوثائق الأحباس المغربية بعد توقيع الحماية سنة 1912، نتج عنه بسط الخارجية الفرنسية سيطرتها على عقارات مغربية.. لم تطل فترة اشتغال المختار السوسي في وزارة الأحباس، وغادرها قبل أن تظهر الملامح الكاملة لمدى «الأضرار»، التي تسببت فيها الحماية الفرنسية ما بين 1912 و1955 على الحقل الديني المغربي.

 

 

كيف واجه مجلس علماء مطامع باريس في أموال الأوقاف

عندما وصل السلطان سيدي محمد بن يوسف إلى الحكم سنة 1927، وهو في بداية مرحلة شبابه، وجد نفسه محاطا بخط آمن من العلماء المتمرسين الذين ورثهم عن والده الراحل المولى يوسف. وبعض هؤلاء العلماء، التحقوا بالقصر الملكي منذ عهد المولى الحسن الأول، وشكلوا مجلسا استشاريا لم يسبق أن تعرض للحل أو التعديل، إلا بوفاة أحد أعضائه لكي يتم تعويضه بآخر.

وهؤلاء العلماء، شكلوا نخبة من المستشارين الذين ساهموا في وضع خط مقاومة أولي ضد السياسات الفرنسية بعد 1912. ووجدت الإقامة العامة، بزعامة المقيم العام ليوطي، نفسها أمام سد منيع يحول بينها وبين مباشرة التعديلات..

هذه التعديلات كانت مركزة على إعادة هيكلة الحقل الديني. وأحد الشهود -غير المباشرين- على هذه المرحلة، هو العالم الكبير عبد الله كنون، الذي نقل عن والده محنة محاصرة الجيش الفرنسي لجامع القرويين، بمجرد توقيع معاهدة الحماية في آخر أيام شهر مارس 1912، حيث استنطق الضباط الفرنسيون العلماء الرئيسيين في القرويين، وكتبوا تقريرا مفصلا عن طريقة اشتغال الجامعة وعلاقتها بالقصر ومجلس مستشاري السلطان.

أحد كبار مستشاري السلطان هو العالم الطريس، ثم ابن اليماني، وكلاهما كان ضد الوجود الفرنسي في المغرب، وأشارا على السلطان مولاي يوسف ألا يوقع نهائيا على الظهير الذي يسمح لفرنسا بفتح فروع بنوكها في المغرب، وأخّرا حزمة من المشاريع الفرنسية.

ونجد أيضا الأخوين الكتاني، وهما معا كانا يحظيان بتقدير كبير لدى المولى يوسف، وساهما في سن فتاوى تحمي سيادة السلطان على الأوقاف، ضدا في المساعي الفرنسية التي اقترحت قوانين على السلطان من شأنها الهيمنة على عائدات الأوقاف المغربية.

لم تجد فرنسا بدا من ضرورة اختراق الحقل الديني في المغرب، وكانت النتيجة إرسال عدد من العلماء المغاربة إلى السجن. وأمام هذا الوضع، ظل السلطان المولى يوسف ممانعا عن توقيع جملة من الظهائر التي كانت ترمي إلى سحب السلط الدينية من السلطان، وتفويتها إلى الإقامة العامة.

كان السلطان المولى يوسف يمتلك جردا واضحا بممتلكات الأوقاف المغربية، من بينها أراض زراعية شاسعة، وأملاك وقفية تبرع بها أصحابها للأوقاف، من بينها مبان تحولت إلى مدارس، وكانت فرنسا تنوي بسط يدها على هذه الأملاك، خصوصا وأنها كانت تقع في قلب المدن التي تشهد تطويرا عمرانيا فرنسيا، مثل الرباط، الدار البيضاء، فاس ومراكش.

من بين كبار العلماء الذين شكلوا المجلس الاستشاري للسلطان المولى يوسف، واشتغلوا أيضا في عهد سيدي محمد بن يوسف، نجد كلا من أحمد بن الخياط، وكان وقتها رئيسا للمجلس المشرف على جامع القرويين، وكان طبيعيا أن يكون عضوا بارزا في مجلس مستشاري السلطان. ثم أبو شعيب الدكالي، الذي كان وزيرا للعدل، ويحظى بتقدير كل العلماء المغاربة، وكان يعتبر وقتها أبرز عالم مغربي، وأقرب مستشاري السلطان مولاي يوسف، بحكم أن الدكالي عاد إلى المغرب سنة 1907، قادما من الحجاز، وعينه المولى عبد الحفيظ وزيرا للعدلية مباشرة بعد وصوله إلى المغرب وقال في حقه إنه أحق عالم مغربي بالمنصب، ولا يعقل منحه لغيره في ظل وجوده بين المغاربة. شكل الدكالي لوحده تيار ممانعة ضد مساعي فرنسا للتدخل في الأوقاف المغربية.

ثم محمد بن عبد الكبير الكتاني، الذي كان يعتبر أحد أكثر علماء فاس شعبية بين الفاسيين، وكان يمثل صوت المحافظين منهم لدى القصر.

 

 

مهمة «جانو» السرية لطرد موظفي «الأحباس» في الرباط

في مارس سنة 1932، جاء إلى المغرب موظف فرنسي ليشغل منصب القائم على الشؤون الدينية في الإقامة العامة الفرنسية.

كان السيد «جانو» قد اشتغل سابقا في الجزائر ما بين سنتي 1920 و1927، ورحل إلى فرنسا فترة قصيرة، قبل أن يتم إرساله إلى المغرب، للعمل في ديوان المقيم العام، «لوسيان سان»، مستشارا.

تتوفر بعض المراسلات التي وقعها السيد «د. جانو»، موجها إياها إلى المقيم العام «سان»، وتتضمن توجيهات لـ«إصلاح الحقل الديني في بلاد المغرب».

أحد هذه التقارير، الموقع في 27 ماي 1932، جاءت فيه ملاحظات، تُظهر مدى اطلاع السيد «جانو» على هيكلة الحقل الديني، وهو الذي اقترح أن يتم توجيه مذكرة إلى السلطان سيدي محمد بن يوسف، لاقتراح مجموعة من التعيينات الجديدة في نظارة الأحباس.

يقول التقرير إن مدن فاس ومكناس ومراكش تتركز فيها جل ممتلكات الأحباس المغربية، ويتم تحصيل عائدات مهمة منها سنويا. «جانو» يذكر المقيم العام بأن الإشراف على الأحباس بشكل غير مباشر، سوف ينعش الخزينة، ويُبعد بعض «الأسماء» غير المرغوب فيها والمشكوك في ولائها لفرنسا.

كان السيد جانو في الحقيقة لا يرمي إلى إحداث ثورة في دواليب الأحباس المغربية، بقدر ما كان يريد توفير مورد إضافي للأموال، لصالح الإقامة العامة. وهذا ما يفضحه تقريره الذي لم يقدم أي معلومات عن الأسماء التي وصفها بـ«المشكوك في ولائها لفرنسا»، وركز بدل ذلك على ما تتوفر عليه بعض المناطق في المغرب من أملاك تابعة للأحباس.

التقرير فصل صلاحيات السلطان سيدي محمد بن يوسف، وظهر من خلاله أن «جانو» كان خبيرا بعالم الأوقاف، وصلاحيات الناظر الحبسي، وطرق تحصيل أموال الأوقاف وتوجيهها إلى الخزينة، واقترح على المقيم العام أن يسن قوانين تنظم عملية جمع مال الأحباس، بعيدا عن رقابة السلطة الدينية. بل ذهب بعيدا واقترح أن يجري المقيم العام اجتماعا مع السلطان سيدي محمد بن يوسف، الذي لم يكن قد مضى على وصوله إلى الحكم سوى خمس سنوات فقط، لكي يسن ظهيرا جديدا يعفي من خلاله «الحرس القديم».

يتعلق الأمر بموظفين في الأحباس، وفي القصر الملكي، يشتغلون منذ أيام المولى الحسن الأول الذي حكم المغرب ما بين 1873 و1894.

طرد هذا «الحرس القديم» لم يكن يعني سوى إعلان حرب فرنسية ضد التقاليد المخزنية، خصوصا في مجال الأحباس. ولم يكن تركيز هذا «الزلزال» في المناصب مركزا على القضاة، وإنما على موظفي الأحباس من محتسبين ومستخلصي عائدات الأوقاف الحبسية في مختلف المدن، وبينهم من توارثوا هذه المسؤوليات أبا عن جد، منذ عهد المولى إسماعيل الذي وضع ضوابط تنظم الأحباس المغربية ونظم تقييدها.

المخطط الفرنسي كان يفتقر إلى طرح بديل معقول، بل كان يرمي فقط إلى وضع سياسة جديدة لتمكين فرنسا من ميزانية سنوية مهمة.

هذا المخطط، سيتطور إلى أن يصل درجة محاولة فرنسا السيطرة على الأحباس المغربية في القدس الشريف، ومحاولة استخلاص عائداتها لصالح وزارة الخارجية الفرنسية، وهو الأمر الذي لم يكن ليفضح نهائيا، لولا أن الخارجية المغربية اكتشفت أرشيف المراسلات ورفعت عنه الستار سنة 1957، كما رأينا في تقديم هذا الملف.

 

دبلوماسي سابق يستعيد مساعي صيانة أوقاف المغاربة

عدد من الدبلوماسيين المغاربة، كانوا شهودا على مساعي المغرب لحماية ما تبقى من أوقاف المغاربة في القدس. وهي الأملاك التي كانت موضوع تفويت و«تقزيم»، بسبب حملات التضييق على المقدسيين.

أحد هؤلاء الدبلوماسيين المغاربة، السفير قاسم الزهيري، الذي كتب في شهر نونبر 1983، مستعيدا تجاربه في ستينيات القرن الماضي، عندما حضر عددا من المؤتمرات والقمم العربية التي كان موضوعها القضية الفلسطينية، سيما بعد اعتداء 1967 على القدس.

كتب الزهيري بخصوص أملاك المغاربة في القدس على وجه التحديد:

«ففي عهد دولة المرابطين حل بالقدس الشريف فخر المغرب القاضي أبو بكر بن العربي، الذي رافق والده الإمام عبد الله في سفارته إلى المستظهر بالله العباسي من قبل يوسف بن تاشفين عام 309ه 1097م، ثم توالى على بيت المقدس أعلام مغاربة نذكر منهم الشيخ صالح بن حرزهم، والقاضي بدر الدين بن سعيد، ومحمد بن سالم العزي، والرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة، وأبو الحسن الواسطي، وأبو عبد الله بن سالم الكناني، وعلي بن أيوب المقدسي، وشمس الدين الخولاني، ومحمد بن تباتة. والمقري، صاحب «نفح الطيب».

..استمر اهتمام الدولة العلوية بالقدس الشريف منذ تسلمت الحكم في القرن السابع عشر، فوسعت أوقاف الحي المغربي، حيث اكتظت جوانبه وأصبح يشكل القلب النابض لهذه المدينة، ولم يتوان ملك من ملوكها حتى في أحلك الظروف التي مر بها المغرب عن ابتعاث الوفود المحملة بالهبات كل سنة إلى القدس الشريف، لإسعاف المحتاجين من القائمين على الرحاب المقدسة، أو من سلالة المغاربة الذين اختاروا فلسطين دار قرار على مر الحقب والأجيال، ولم تنقطع هذه الصلة بوقوع المغرب تحت الحماية الأجنبية، حيث واصلها جلالة الملك محمد الخامس رحمه الله وسلفه المولى يوسف، فدأبا على توجيه الهبات السنية إلى الرحاب المقدسة في المشرق، وفي مقدمتها القدس الشريف.

بعد نهب الأوقاف المغربية في القدس، أعد المغاربة المقيمون عليها جردا كاملا أودعوه المكاتب الرسمية وما زال موجودا، كما سجلوا اعتراضهم على القرارات الإسرائيلية الجائرة في حق تلك الأوقاف، منبهين إلى أن القانون الدولي لا يجيز لسلطات الاحتلال أن تستملك أي جزء من الأراضي التي تحتلها، خاصة وأن ما بها من عقارات وأوقاف تخضع لأحكام الشريعة الإسلامية وشروط من أوقفوها، فلا يسوغ تفويتها بأي ذريعة كانت، وأعلن المغاربة كذلك احتفاظهم بحقهم في اتخاذ الإجراءات القانونية الكفيلة بإبطال مفعول القرارات المتخذة من طرف سلطات الاحتلال، لكن هذه أصمت أذنها واستمرت في هدم العقارات وإزالتها من الوجود».

 

خطة «ليوطي» للتحكم في رحلات الحجاج المغاربة سنة 1917

لم يكن الأمر نابعا من فراغ، بل إن قرار المقيم العام ليوطي تأطير الموكب الرسمي للحج المغربي والسيطرة عليه، كان نتيجة دراسة عميقة أجرتها الإدارة الفرنسية، لتخلص إلى أن أحد أوجه سلطة القائمين على الأحباس المغربية، هو رحلات الحج المغربية التي كانت تتوجه إلى الحجاز، بمساعدات سنوية مالية مهمة منذ عهد المولى إسماعيل. وهناك دراسات تاريخية تؤكد هذه العادة المغربية، حتى قبل 1672، لكنها لم تكن موثقة بالشكل الذي نظمه السلطان المولى إسماعيل.

وهكذا، فإن ليوطي فطن قبل 1917 لضرورة الهيمنة على الركب المغربي التقليدي إلى الحج، وضرورة السيطرة على موارده، وتحديد الشخصيات التي تُكونه أيضا. وبدل أن يحتفظ الركب المغربي باسمه التاريخي، قرر ليوطي في موسم حج 1917، أن يصبح الاسم الجديد لهذا الركب، هو: «الوفد المغربي الرسمي إلى الحج».

وبدل الطريقة التقليدية التي اعتاد المغاربة الخروج بها إلى الحج، من خلال تنظيم الركب والمرور عبر فاس، وفق طقوس وعادات مرعية، ومنها التوجه شرقا إلى الجزائر، ثم مصر، ومنها بحرا إلى الحجاز، كان مخطط ليوطي يرمي إلى استعمال الخط السككي بين الدار البيضاء والجزائر، أو الخط البحري المباشر من الدار البيضاء عبر طنجة والجزائر وتونس وطرابلس، ثم مصر ومنها مباشرة إلى الحجاز.

هذه الثورة في عالم النقل البري والبحري، سهلت مهمة ليوطي، الذي أشرفت إدارته فعليا على اختيار أعضاء الوفد المغربي لتلك السنة، ورحل الوفد من المغرب، مع حرص فرنسا على أن ترفرف الأعلام الفرنسية عاليا قبل انطلاق الموكب، في إشارة ضمنية إلى بداية عهد إشراف فرنسا على موسم الحج المغربي.

في سنة 1918، أطلقت فرنسا فرصة المنافسة أمام شركات النقل الملاحي الفرنسية التي كان أغلبها ينشط في مارسيليا جنوب فرنسا، وفتحت مكاتبها في ميناء الدار البيضاء. في حين بقي الخط السككي الذي يمر عبر الجزائر بعيدا عن أي منافسة، بحكم أن وزارة النقل الفرنسية كانت تشرف عليه.

هذه الشركات الملاحية أطلقت أسعارا تفضيلية أمام الحجاج المغاربة، وبدأ رسميا تنظيم رحلات لعموم المغاربة، بحرا إلى الحج، على متن البواخر الفرنسية العصرية.

لا توجد أرقام تكشف عائدات هذه الشركات الفرنسية خلال موسم نقل الحجاج إلى الحجاز ومنها إلى المغرب، لكن الأكيد أن هذه الشركات سجلت انتعاشا كبيرا، بعد أن وفر لها المقيم العام ليوطي فرصة ذهبية، وفتح أمامها سوقا مهما، كان ممكنا أن تشرف عليه الأوقاف المغربية منذ البداية، بدل أن تُديره الإقامة العامة.

لا يمكن القول إن مخطط ليوطي قد باء بالفشل، فقد سجل نجاحا لافتا. إلا أن الملك الراحل محمد الخامس، الذي كان وقتها لا يزال يحمل لقب السلطان، لم يدع فرنسا لتسحب البساط من تحت أقدام القائمين على الأوقاف المغربية، واحتفظ لنفسه بسلطة اختيار العلماء الذين يكونون الصف الأول لأعضاء الوفد الرسمي المغربي إلى الحج. لكن الإدارة الفرنسية أصرت على إدراج بعض الأسماء الموالية لها، وظلت تشرف على الشأن التنظيمي لرحلة الوفد المغربي، وبقية الحجاج المغاربة أيضا، وظلت الشركات الفرنسية للملاحة البحرية تحتكر هذا السوق السنوي، لسنوات طويلة. بل إن بعض المؤشرات تفيد بقاء الشركات الفرنسية إلى ما بعد 1955، حيث ظلت رخص الشركات السياحية الفرنسية نشيطة في المغرب، خلال السنوات الأولى التي تلت الاستقلال.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى