حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةتقاريررياضة

ثياو.. ثور في المغرب ونعامة في أمريكا


 

 

هناك لحظات في كرة القدم لا تُقاس بالنتيجة، بل بمدى قدرتها على تعرية البشر. فالكرة، مثل الحياة، تمتلك ذاكرة ساخرة، وتحب أن تعيد المشاهد نفسها، لكنها تغيّر مواقع الممثلين. وما فعله القدر مع ثياو، مدرب السنغال، في كأس العالم، بدا وكأنه إعادة عرض لمسرحية قديمة، ولكن هذه المرة مع تبديل الأدوار فقط.

تذكرون معي ذلك النهائي الأسطوري في كأس أمم إفريقيا بالمغرب؟ ضربة جزاء واضحة، صحيحة، لا غبار عليها، احتسبها الحكم للمغرب. ماذا فعل ثياو؟ هل اكتفى بالاحتجاج كأي مدرب عادي؟ لا يا سادة. قرر أن يحول المباراة إلى مسرحية هزلية تراجيدية. أمر لاعبيه بمغادرة الملعب، خلق فوضى عارمة، وترك البطولة تغرق في بحر من الطعون والشكاوى التي ما زالت تتداولها محكمة التحكيم الرياضية (طاس) حتى اليوم. كان يصرخ: «هذا ظلم! هذه سرقة!» بكل عجرفة من يعتقد أن كرة القدم ملك خاص لسنغال ثياو.

ثم جاءت كأس العالم في أمريكا، ووضع القدر ثياو في الموقف نفسه، كأن الحياة تقول له: «تعالَ نرى مبادئك يا رجل».

السنغال تقدمت بهدفين أمام بلجيكا، ثم استقبلت هدفين في الدقائق الأخيرة. وصلت المباراة إلى الشوطين الإضافيين، وفي الثواني الأخيرة احتسب الحكم ضربة جزاء للمنتخب البلجيكي… شبيهة جدا بتلك التي أثارت غضبه في المغرب. توقف الحكم، ذهب إلى «الفار»، أعاد المشهد، وأكد القرار.

كنت أنتظر، بكل صدق، أن أرى المسرحية تتكرر. أن يقف ثياو شامخا، يلوح بيده بتلك الحركة الدرامية المعتادة، ويصرخ للاعبيه: «اخرجوا يا أولادي! عودوا إلى الفندق، لا نريد شيئا من هذه اللعبة الملوثة!»

لكنه… سكت.

ابتلع لسانه. كتم غضبه. اكتفى بحركات يد خفيفة لا تكاد تُرى. لا احتجاج جماعي، لا مغادرة للملعب، لا فوضى. مجرد مدرب «محترف» يتقبل «قرار الحكم» بصدر رحب.

يا للروعة! إذن فالمبدأ الذي دافع عنه في المغرب بكل عنجهية لم يكن مبدأً، بل كان مصلحة. عندما تُحتسب الركلة ضدك في نهائي إفريقي فهي «سرقة القرن»، وعندما تُحتسب ضدك (أو لخصمك) في كأس العالم فهي «قرار يُحترم».

هذا هو ثياو الحقيقي: بطل الاحتجاج الانتقائي. رجل يمتلك مبادئ مرنة كالمطاط، تتمدد حين تكون في صالحه وتنكمش حين لا تكون. في المغرب كان ثورا هائجا، وفي أمريكا أصبح نعامة تدفن رأسها في الرمال.

لو كان ثياو يمتلك فعلا شجاعة مبادئه، لكان احتج بالطريقة ذاتها في المباراتين، أو على الأقل اعتذر عما فعله في المغرب. لكنه لم يفعل، لأن الأمر لم يكن يوما عن العدالة، بل عن «متى أكون أنا الضحية».

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى