
في كل سنة، ومع اقتراب عاشوراء، يدخل المغاربة في حالة استنفار احتفالي لا تشبه ما يقع في أي مناسبة أخرى. فهذه المناسبة الدينية، التي ارتبطت تاريخياً بمعانٍ روحية وتربوية، تحولت، مع مرور الزمن، إلى فسيفساء من العادات المحلية والطقوس الشعبية التي تمنحها نكهة مغربية خالصة. فالأسر تقتني لعب الأطفال، وتوزع الفواكه الجافة وتقام السهرات حول «الشعالة»، بينما يستعيد الصغار شعورهم القديم بأن عاشوراء هي العيد الذي لا يخضع لكثير من القواعد.
غير أن الوجه الآخر للاحتفال يبدو أقل بهجة، فما إن يحل المساء حتى تتحول بعض الأزقة إلى ساحات مطاردة عشوائية بالماء، ويصبح المرور في الشارع مغامرة غير مضمونة النتائج. فالمواطن، الذي خرج لقضاء غرض بسيط، قد يعود إلى منزله مبللاً بالكامل، وكأنه شارك دون علمه في بطولة وطنية للرماية المائية.
أما المفرقعات فأصبحت، هي الأخرى، جزءاً من المشهد السنوي. أطفال ومراهقون يتعاملون معها باعتبارها رمزاً للفرح، رغم أنها أقرب إلى مصدر للإزعاج الجماعي. وبينما يعتقد بعضهم أن قوة الاحتفال تقاس بحجم الضجيج الذي يحدثه، يجد الجيران أنفسهم في حالة ترقب دائم، غير قادرين على التمييز بين أجواء الاحتفال وأصوات ما يشبه ساحة تدريب عسكرية مصغرة.
لا تتوقف غرائب عاشوراء عند هذا الحد، إذ تعود في كل سنة، أيضاً، بعض الممارسات المرتبطة بالشعوذة والسحر. فهناك من يعتقد أن هذه الليلة تحمل خصائص استثنائية تسمح بتحقيق الأمنيات أو التأثير في الآخرين أو فك العقد وجلب الحظ. وتنتعش، خلال هذه الفترة، تجارة الوصفات الغامضة والطقوس التي يصعب تفسير استمرارها في عصر الهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي. فبينما يتحدث العالم عن استكشاف الفضاء، لازال البعض منشغلاً بإعداد وصفات سحرية لإخضاع «العݣوزة» أو السيطرة على الزوج المتسلط أو استرجاع الحبيب الهارب.
تاريخياً، لا ترتبط معظم هذه السلوكيات بجوهر المناسبة الدينية نفسها، بل تعود إلى تراكمات ثقافية وشعبية امتزجت عبر القرون بالموروث المحلي. فطقوس الماء، مثلاً، يربطها بعض الباحثين برموز التطهر والخصوبة التي عرفتها مجتمعات قديمة، بينما ارتبط إشعال النيران بمعتقدات شعبية تتعلق بطرد الشرور أو الاحتفال بانتهاء دورة زمنية معينة. أما ممارسات السحر والشعوذة فتمثل بقايا تصورات تقليدية ظلت تقاوم التراجع رغم التحولات الاجتماعية والتعليمية التي عرفها المجتمع المغربي.
غير أن المثير للاهتمام ليس استمرار هذه السلوكيات في حد ذاته، بل الطريقة التي يمارس بها بعض الأفراد هذه الطقوس. وهنا نستحضر ما جاء في تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول موضوع التمدن، والتي تؤكد أن التمدن لا يعني فقط الانتقال للعيش داخل المدن أو الاستفادة من البنيات التحتية الحديثة، بل يتعلق أساساً باكتساب قيم وسلوكيات تحترم الفضاء العام وحقوق الآخرين.
فالتمدن الحقيقي لا يقاس بعدد العمارات المرتفعة ولا بعدد المقاهي العصرية، بل بقدرة الفرد على إدراك أن الشارع فضاء مشترك وليس ملكية خاصة. وعندما يتحول رش الماء إلى اعتداء على المارة، أو تصبح المفرقعات وسيلة لفرض الفرح بالقوة على الجميع، فإن المشكلة لا تكون في المناسبة نفسها، بل في طريقة فهم العلاقة مع المجال العام.
ولعل المفارقة أن كثيرين، ممن يشتكون طوال السنة من الفوضى وقلة احترام القانون وسوء الخدمات، يتحولون خلال عاشوراء إلى مساهمين نشطين في إنتاج الفوضى نفسها. فالمواطن، الذي يغضب من احتلال الرصيف، قد لا يجد حرجاً في إغلاق الشارع لإشعال «الشعالة»، والذي يطالب بالهدوء في حيه قد يمنح أبناءه ترسانة كاملة من المفرقعات بدعوى الحفاظ على التقاليد.
عاشوراء، في نهاية المطاف، ليست مشكلة تحتاج إلى حل، بل مرآة اجتماعية تكشف درجة نضجنا الجماعي. فهي مناسبة جميلة وغنية بالرموز والذكريات، لكن جمالها يكتمل حين تتحول إلى لحظة فرح تحترم الآخرين، لا إلى موسم استثنائي لتعليق قواعد العيش المشترك. فالمجتمعات المتمدنة ليست تلك التي تتخلى عن تقاليدها، بل تلك التي تنجح في تهذيبها وجعلها منسجمة مع قيم الاحترام والمسؤولية. وبين عاشوراء الأمس وعاشوراء اليوم، يبقى السؤال الحقيقي: هل تطورت طقوسنا بالسرعة نفسها التي تطورت بها مدننا؟





