
د. خالد فتحي
كأس العالم ليس للفرجة فقط… هو مسرح كبير تتقاطع فيه السياسة بالتاريخ، والاقتصاد بالهوية والذاكرة بالمستقبل. وفي كل مباراة، إلى جانب الأهداف والنتائج، تظهر دائما حكايات إنسانية صغيرة، لكنها تكشف معاني عميقة، أكبر بكثير من كرة القدم نفسها.
من بين هذه الحكايات ما أثاره ياسين العياري، اللاعب السويدي من أصل تونسي، خلال مباراة السويد وتونس. فقد سجل هدفين في شباك المنتخب التونسي، لكن اللافت لم يكن الهدفان بقدر ما كان طريقة الاحتفال بهما.
عندما سجل الهدف الأول، امتنع عن الاحتفال. إذ رصدت الكاميرات لاعبا يبدو حذرا يتورع عن إظهار فرحته، وكأن شيئا ما يشده إلى الخلف. أكيد أنه أدرك أن الكرة التي سكنت الشباك لم تهز منتخبا منافسا فقط، بل أصابت أيضا بلدا منحه اسمه العائلي ونزرا من تاريخه الشخصي، بلدا يضم ذاكرة والده. لقد بدا للجميع وكأنه لا يريد أن يكون أول من تطعن قدمه تونس، بلده.
في تلك اللحظة كانت المباراة ما تزال مفتوحة على كل الاحتمالات. لم تكن تونس قد انهارت بعد، ولم تكن السويد قد حسمت النتيجة. كان الطرفان يقفان على أرض متقاربة، بحظوظ متساوية تقريبا. وربما لهذا السبب بقي العياري معلقا بين انتماءين؛ بين البلد الذي منحه الجنسية والتكوين والنجاح، والبلد الذي منحه الاسم والجذور والذاكرة. ولعلي لا أجازف إذا تخيلت أنه قد يكون تمنى، دون وعي منه، في أعماقه لو ترد تونس الصاع صاعين لبلده الثاني.
لكن المباراة أخذت مسارا آخر. رأى الفريق التونسي يتهاوى تدريجيا أمام ناظريه، وتتكاثر أخطاؤه، ليتسع الفارق وتتحول المقابلة إلى عرض للقوة من طرف واحد. وعندما سجل العياري هدفه الخامس، احتفل هذه المرة بحرارة وعفوية كبيرة، حتى بدا وكأن اللاعب نفسه الذي تحفّظ قبل دقائق قليلة اختفى تماما، بل وكأنه يعتذر علنا لأبناء جلدته الجدد من السويديين، فيبالغ في التكفير عن «خطأ» إمساكه عن الفرح بهدفه الأول.
هنا تبدأ القصة الحقيقية.
قد يقول البعض إن الأمر مجرد انفعال رياضي طبيعي. وربما يكون ذلك صحيحا جزئيا. لكن الرياضة، مثل الأدب، بل هي أدب تكتبه حناجر الجماهير وأقدام ومشاعر اللاعبين وتوثقه الكاميرات؛ أدب يكشف بأجوائه الخاصة عما لا يقوله الناس صراحة. ولهذا ظهر المشهد وكأنه يحمل دلالة أعمق: ففي البداية كان اللاعب لا يزال منقسما بين وطنين موزعا بين شعورين، أما في النهاية فقد بدا أنه حسم اختياره وانحاز بالكامل، وربما دون رجعة، إلى الطرف الأقوى.
المشهد بدا لي وكأنه محاكاة على الملعب لرواية «عائد إلى حيفا» لغسان كنفاني، حين رفض دوف أو خالد أن يعود إلى حضن أبويه البيولوجيين مفضلا البقاء مع الأسرة التي تبنته .
إنها غريزة إنسانية قديمة. الناس يحبون القوة أكثر مما يعترفون بذلك. ينجذبون بالفطرة إلى النجاح، وإلى المنتصر وإلى النموذج القادر على فرض نفسه. أما الضعف فقلما يجذب أحدا. وحين يترسخ هذا الضعف يتحول أحيانا إلى عامل طرد، حتى بالنسبة لأبناء الوطن الذين في الداخل أنفسهم.
ولعل هذا ما يجعل قضية أبناء الجاليات أكثر تعقيدا مما نظن. فنحن نتصور أن رابطة الدم تكفي وحدها للإبقاء على الانتماء، بينما الواقع يقول إن الانتماء يحتاج أيضا إلى أسباب متجددة. يحتاج إلى وطن يبعث على الفخر، ويمنح أبناءه صورة إيجابية عن أنفسهم، ويجعل الانتساب إليه إضافة تثريهم لا عبئا على كاهلهم .
ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من التجربة المغربية خلال السنوات الأخيرة، إذ نجح المغرب في استقطاب عدد كبير من أبناء الجالية، العامل المالي كما كشف فوزي لقجع، رئيس جامعة كرة القدم، في «البودكاست» الذي بث أخيرا، لم يكن هو المحدد الرئيسي في ذلك كما قد يتصور البعض. فهؤلاء اللاعبون نشؤوا في بلدان توفر أعلى مستويات التكوين والاحتراف، ولا يمكن أن تنجم قراراتهم عن السعي لمنحة أو مكافأة أو امتياز مادي.
الذي أقنعهم في العمق هو وجود مشروع متكامل ومستدام. فاللاعب المولود في أمستردام أو بروكسيل أو باريس لا يبحث عن جواز سفر أو عن فرصة للمشاركة الدولية، بل يبحث عن بيئة تشبه البيئة التي نشأ فيها؛ عن ملاعب حديثة، ومراكز تكوين متطورة، ومؤسسات تعمل باحترافية ومناخ يسمح بالإبداع والتطور والمنافسة. إنه يريد أن يشعر بأن البلد الذي ينتمي إليه بأصوله قادر أيضا على احتضان طموحه.
من الواضح أن المغرب أدرك هذه الحقيقة مبكرا، فبنى مشروعا كرويا متكاملا، وأقام بنية تحتية تضاهي أفضل المعايير الدولية تتصدرها أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، وخلق مناخا يسمح بالإبداع الكروي والتطور والمنافسة. ولهذا لم يعد ابن الجالية يشعر بأنه مطالب بالاختيار بين النجاح والانتماء، بل أصبح قادرا على الجمع بينهما، بل إن المغرب هو من يوفرهما له معا.
هناك أيضا عامل لا يقل أهمية عن الملاعب والأكاديميات، وهو أن المغاربة المقيمين بالخارج لم تنقطع صلتهم ببلدهم يوما. فالمغرب بالنسبة إليهم ليس مجرد ذكرى بعيدة أو قصة يرويها الآباء، بل علاقة يومية مستمرة مع الأسرة واللغة والعادات والزيارات المتكررة. ولهذا فإن استجابة كثير منهم لنداء المنتخب لم تكن نتيجة حسابات مالية باردة، بل تعبيرا عن رابط وجداني ظل قائما رغم المسافات.
وهنا تكمن الفكرة التي تجعل قصة العياري جديرة بالتأمل، وجديرة بأن تستوعبها كل الحكومات العربية والإفريقية: فالأوطان لا تحافظ على أبنائها بالشعارات وحدها، ولا تستعيدهم بالخطب العاطفية فقط. الأوطان تستعيد أبناءها عندما تصبح قادرة على إقناعهم بأنها ما زالت مكانا للنجاح والأمل والكرامة. فالانتماء، مهما كانت جذوره عميقة، يحتاج دائما إلى ما يغذيه في الحاضر.
لذلك ربما لا ينبغي أن ننشغل كثيرا بالحكم على اللاعب، بقدر ما ينبغي أن نتأمل الرسالة التي يحملها المشهد كله. فالسؤال الحقيقي ليس لماذا احتفل ياسين العياري بالهدف الخامس، بل لماذا أصبحت بعض أوطاننا عاجزة عن الاحتفاظ بأبنائها، ليس فقط بأولئك الذين يعيشون بعيدا عنها، بل حتى بمن يعيشون فيها بأجسادهم؟
في النهاية، لا تستمال القلوب ولا تستعاد بالمواعظ. القلوب تعود إلى حيث تجد ما يدعو إلى الفخر. وإذا أردنا أن نسترجع أبناءنا المنتشرين في العالم والمتفوقين في كل المجالات، فعلينا أولا أن نجعل الوطن نفسه جديرا بالانتماء إليه؛ قويا لا ضعيفا، واثقا لا مرتبكا، قادرا على الإلهام لا مكتفيا باستدعاء الذكريات وإيقاظ النوستالجيا.
الوطن الذي يوفر مناخ الانتماء والنجاح لا يضطر إلى أن يطلب من أبنائه الولاء. إنهم يمنحونه إياه طوعا، لأن الإنسان قد يحن إلى جذوره، لكنه يختار دائما أن يمد فروعه نحو الجهة التي يرى فيها الشمس. عليه أن يكون هذه الشمس.





