
النعمان اليعلاوي
أعلنت الحكومة رسمياً طي صفحة إصلاح أنظمة التقاعد، خلال ما تبقى من ولايتها الحالية، وترحيل هذا الورش الحساس إلى الحكومة المقبلة، بعد أشهر من الاجتماعات التقنية والمشاورات مع المركزيات النقابية، في خطوة تعكس حجم التعقيدات التي تحيط بأحد أكثر الملفات الاجتماعية والمالية إثارة للجدل في المغرب.
وأكدت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح العلوي، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، أن الحكومة الحالية لن تتمكن من الحسم في هذا الملف قبل نهاية الولاية التشريعية، مشيرة إلى أن اللجنة التقنية المكلفة بإصلاح أنظمة التقاعد عقدت، الاثنين الماضي، آخر اجتماع لها في إطار المشاورات الجارية مع الشركاء الاجتماعيين.
وأوضحت الوزيرة أن وضعية صناديق التقاعد أصبحت تهم جميع المغاربة، بالنظر إلى التحديات المالية التي تواجهها، مؤكدة أن ضمان استدامتها على المدى المتوسط والبعيد يقتضي المرور عبر إصلاحات جوهرية. وأضافت أن بطء وتيرة التقدم في هذا الورش يعود إلى حساسية الموضوع وتشعب أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والمالية، فضلاً عن تباين مواقف مختلف الأطراف المعنية.
وشددت فتاح العلوي على أن الحكومة اختارت نهج الحوار والتشاور مع النقابات باعتباره السبيل الأمثل للوصول إلى حلول توافقية، مؤكدة أن إصلاح التقاعد لا يمكن أن يكون قراراً تقنياً أو حكومياً صرفاً، بل هو قضية مجتمعية تتطلب توافقاً واسعاً بين مختلف الفاعلين.
ويأتي هذا الإعلان في وقت تتزايد فيه التحذيرات من الوضعية المالية لعدد من صناديق التقاعد، خاصة النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد والصندوق المغربي للتقاعد، حيث سبق لتقارير رسمية صادرة عن مؤسسات رقابية وخبراء أن نبهت إلى مخاطر اختلال التوازنات المالية والديمغرافية لهذه الأنظمة، نتيجة ارتفاع أعداد المتقاعدين مقارنة بعدد المنخرطين النشطين.
وكان ملف إصلاح التقاعد قد عاد إلى واجهة النقاش خلال جولات الحوار الاجتماعي الأخيرة، وسط تخوفات نقابية من أن يتضمن أي إصلاح مستقبلي إجراءات غير شعبية من قبيل رفع سن التقاعد أو الزيادة في نسب الاقتطاعات أو مراجعة طريقة احتساب المعاشات. وتؤكد النقابات أن أي إصلاح ينبغي أن يحافظ على الحقوق المكتسبة للأجراء والمتقاعدين، وأن يأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الاجتماعية للفئات المتوسطة والضعيفة.
في المقابل، يرى خبراء في المالية العمومية أن استمرار تأجيل الإصلاح من شأنه أن يرفع كلفته مستقبلاً، ويجعل الخيارات المتاحة أكثر صعوبة، خصوصاً إذا استمرت المؤشرات الحالية المتعلقة بالعجز المالي لبعض الأنظمة. ويعتبر هؤلاء أن الإصلاح التدريجي والمتوافق بشأنه يظل أقل كلفة من الإصلاحات المستعجلة التي قد تفرضها الإكراهات المالية مستقبلاً.
ومن المرتقب أن يتحول ملف التقاعد إلى أحد أبرز رهانات الحكومة المقبلة، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالتوازنات المالية للدولة وبالاستقرار الاجتماعي. كما يُتوقع أن يحتل موقعاً متقدماً ضمن أجندة الحوار الاجتماعي خلال السنوات المقبلة، في ظل الحاجة إلى إيجاد صيغة تضمن استدامة الصناديق وتحافظ في الوقت نفسه على حقوق المنخرطين والمتقاعدين.
ويؤشر قرار ترحيل الملف إلى الولاية المقبلة على صعوبة تحقيق توافق سياسي واجتماعي حول الإصلاحات المطلوبة، رغم الإجماع القائم على أن استمرار الوضع الحالي لم يعد ممكناً، وأن مستقبل أنظمة التقاعد بالمغرب يفرض قرارات كبرى ستجد الحكومة المقبلة نفسها مطالبة بحسمها.





