
تتسع رقعة المواجهة العسكرية في منطقة الشرق الأوسط وسط تصاعد الضربات الجوية والصاروخية بين طهران وتل أبيب، وتزايد المؤشرات على أن الصراع قد يتجه نحو مواجهة طويلة ومكلفة. وبينما تواصل إسرائيل استهداف مواقع داخل العاصمة الإيرانية، وتكثف إيران وحلفاؤها هجماتهم الصاروخية، تتكشف تدريجيا الكلفة الحقيقية لهذه الحرب التي لا تقتصر على الدمار العسكري فحسب، بل تمتد إلى استنزاف مالي وعسكري هائل تتحمله الولايات المتحدة وحلفاؤها. ومع تزايد الضربات واستخدام منظومات قتالية متطورة وباهظة الثمن، بدأت التقديرات الدولية تسلط الضوء على الفاتورة الاقتصادية الضخمة لهذا النزاع، وعلى التداعيات الاستراتيجية التي قد يتركها استنزاف الترسانة الأمريكية، في وقت تراقب قوى كبرى، مثل الصين وروسيا، مسار هذه الحرب عن كثب.
إعداد: سهيلة التاور
في اليوم الثامن من الحرب على إيران، واصلت إسرائيل هجماتها المكثفة على طهران، وسط إشارات متضاربة من تل أبيب بشأن وجهة الحرب في الأيام المقبلة، وذلك وسط تأكيد إيراني للاستعداد لحرب طويلة الأمد.
وقال الجيش الإسرائيلي، في بيان، إنه شن موجة واسعة من الهجمات على ما وصفها بـ«البنية التحتية للنظام الإيراني» في طهران.
وأفاد التلفزيون الرسمي الإيراني بوقوع انفجارات في طهران بعد الإعلان الإسرائيلي، قائلا إن مناطق في شرق طهران ووسطها تعرضت لغارات جوية.
ومن جهتها، قالت القيادة المركزية الأمريكية إنها استهدفت حاملة مسيّرات إيرانية كبيرة، مؤكدة أنها مشتعلة الآن في البحر.
في المقابل، قال المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني إن «ابتكارات وأسلحة جديدة» لدى بلاده في الطريق لم تُستخدَم من قبل.
ويواصل الحرس الثوري الإيراني هجماته الصاروخية المكثفة على مناطق داخل إسرائيل، بالتزامن مع هجمات صاروخية من حزب الله، وفق ما أفادت به وسائل إعلام إسرائيلية.
ومن جهته، أفاد الهلال الأحمر الإيراني بمقتل 1332 مدنيا منذ بداية الحرب الأمريكية- الإسرائيلية.
وفي الأثناء، دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أفراد الحرس الثوري والجيش والشرطة إلى إلقاء أسلحتهم، محذرا من أنهم «لن يواجهوا سوى القتل» إذا استمروا في القتال، داعيا إياهم إلى الوقوف إلى جانب الشعب الإيراني والإسهام في «استعادة البلاد».
ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال»، عن مصادر مطلعة، أن مسؤولي وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) يعملون على إعداد خطط لتجديد مخزون الذخائر الذي استُهلك خلال الحرب.
الكلفة الاقتصادية للحرب
تتزايد التقارير الدولية حول الكلفة الباهظة للعمليات العسكرية الأمريكية- الإسرائيلية في إيران.
وفي هذا السياق، كشف مسؤول في الكونغرس الأمريكي، أول أمس الخميس، أن التقديرات الأولية لتكلفة الحرب المستمرة ضد إيران، بحسب وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون)، تصل إلى مليار دولار يوميا، وفقا لما نقلته صحيفة «ذي أتلانتيك».
وتتجاوز تكاليف هذه المواجهة مجرد ثمن القنابل، فهي تعكس استنزافا هائلا بدأ حتى قبل إطلاق القذيفة الأولى، وعلى الرغم من أن النطاق الكامل لتكاليف الحرب على إيران لا يزال غير واضح، فإن التقديرات تقول إنها كبيرة.
وقالت القيادة المركزية الأمريكية، الاثنين الماضي، إن الجيش ضرب بالفعل أكثر من 1250 هدفا في إيران في أولى 48 ساعة منذ بدء الضربات، ونشرت قائمة تضم أكثر من 20 من الأصول العسكرية وأنظمة الأسلحة المختلفة التي تم استخدامها حتى الآن.
ومن المرجح أن هذه العمليات أضافت الملايين إلى تكلفة الحرب خلال الأيام القليلة الماضية فقط، حيث تتراوح تكلفة إنتاج وتشغيل هذه الأصول من 35 ألفا إلى ملايين الدولارات.
وبحسب تقارير نشرتها صحف دولية، بدأت ملامح الانهيار المالي بالظهور، إذ تبلغ تكلفة تشغيل حاملتي طائرات في المنطقة نحو 13 مليون دولار يوميا.
وقدرت «بلومبيرغ»، في فبراير، أن تكلفة تشغيل «يو إس إس جيرالد فورد»، وهي حاملة طائرات أُرسلت إلى إيران، كانت حوالي 11.4 مليون دولار يوميا، عندما كانت الحاملة متمركزة في فنزويلا.
وبلغت تكلفة نحو 1250 طائرة مسيرة من طراز «كاميكازي» حوالي 43.8 مليون دولار. ورغم عدم توفر إحصائية دقيقة لعدد الضربات المنفذة، فإن بيانات بلومبيرغ تؤكد أن كلفة المسيرة الواحدة تبلغ 35 ألف دولار، ما يجعلها الخيار الأرخص مقارنة بالصواريخ المليونية.
ومن المرجح أن الضربات الكبرى كلفت كل منها الملايين، حيث قال كاميرون شيل، الرئيس التنفيذي لشركة تصنيع الطائرات المسيّرة، لشبكة «فوكس نيوز»، إن الضربات التي اغتالت المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي السبت «ربما كلفت عشرات الملايين»، بين استخدام طائرات مسيّرة ذات ضربات دقيقة أكثر تكلفة وطائرات مأهولة.
وتشكل تكلفة قاذفات «بي-2» المتطورة أكثر بكثير من الطائرات المسيّرة ذات الاتجاه الواحد، حيث ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن تشغيل هذه القاذفات، التي استخدمت في الضربات، يكلف وحده 130 ألفا إلى 150 ألف دولار لكل ساعة طيران.
أما صواريخ «ثاد» الاعتراضية للصواريخ الباليستية، التي يستخدمها الجيش لصد ضربات العدو، فيكلف كل منها حوالي 12.8 مليون دولار، وفقا لوثائق البنتاغون، ولا يزال من غير الواضح عدد الصواريخ التي تم استخدامها حتى الآن.
ويرى الخبراء أنه من السابق لأوانه تحديد حجم الخسائر التي قد تتكبدها الولايات المتحدة جراء هذه الحرب، لكونها لا تزال مستمرة، إلا أن المؤشرات الأولية تؤكد أن هذا النزاع قد يتحول إلى «ثقب أسود» يستنزف الميزانية الدفاعية الأمريكية.
مئات الملايين في أول يوم حرب
بينما كانت الانفجارات تهز العاصمة الإيرانية طهران، كانت خزينة واشنطن تشهد نزيفا من نوع آخر، إذ أنفقت القوات الأمريكية ما يقدر بنحو 779 مليون دولار، حوالي 0.1 بالمائة من ميزانية الدفاع الأمريكية لعام 2026، خلال الساعات الـ24 الأولى من هجومها على إيران، وفقا لتقديرات وبيانات جمعتها وكالة الأناضول.
وأكدت القيادة المركزية الأمريكية أن الانتشار الواسع شمل قاذفات الشبح «بي -2»، وطائرات «إف -22» و«إف -35» و«إف -16» المقاتلة، وطائرات الهجوم «إي -10» وطائرات الحرب الإلكترونية «EA-18G».
واستخدمت العملية، أيضا، طائرات مسيّرة من طراز«MQ-9 Reaper»، وحاملات طائرات تعمل بالطاقة النووية، ومدمرات صواريخ موجهة وأنظمة الدفاع الصاروخي «باتريوت» و«ثاد».
وقامت أربع قاذفات شبح من طراز «بي-2»، حلقت دون توقف من قاعدة وايتمان الجوية في ولاية ميزوري الأمريكية، بضرب أهداف باستخدام ذخائر الهجوم المباشر المشترك «JDAMs» من زنة 2000 رطل (907 كيلوغرامات)، وفقا للقيادة المركزية.
وبناء على متطلبات الصيانة العالية وسعة الحمولة البالغة 40 ألف رطل (18143 كيلوغراما)، بلغت تكلفة عمليات قاذفات «بي -2» وحدها ما يقدر بـ30.2 مليون دولار، استنادا إلى ساعات الطيران وتكاليف الصيانة وبيانات طلبات الذخائر من طلبات ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية لعامي 2025 و2026.
وبحسب بيانات القيادة المركزية الأمريكية وميزانيات وزارة الدفاع لعامي 2025 و2026، فإن حشد الطائرات المقاتلة في الضربات الأولية كلف وحده نحو 271 مليون دولار، وهي حصيلة تشمل ساعات الطيران الشاقة، وتكاليف الصيانة المرتفعة وكميات الذخائر المستهلكة.
وأدت الطائرات المتخصصة، بما في ذلك «EA-18G Growler» و«A-10C Thunderbolt» و«MQ-9 Reaper»، دورا حاسما إلى جانب نظام الهجوم القتالي غير المأهول المنخفض التكلفة «LUCAS».
وعند احتساب طائرات الدورية البحرية «P-8» وطائرات الاستطلاع «RC-135» وطائرات التزويد بالوقود جوًّا، وبطاريات هيمارس الأرضية، وصلت تكلفة الأصول الجوية والبرية المشتركة، بما في ذلك الطائرات المقاتلة، إلى ما يقرب من 423 مليون دولار.
وشاركت مجموعتان من حاملات الطائرات الأمريكية في المنطقة، وهما «يو إس إس أبراهام لينكولن» و«يو إس إس جيرالد فورد»، في الهجوم، وتُقدر تكلفة تشغيل حاملات الطائرات ومجموعتها من المدمرات وسفن القتال الساحلية بنحو 15 مليون دولار يوميا.
وعلى صعيد الذخائر المستهلكة في ذلك اليوم، أظهرت مقاطع فيديو نشرتها القيادة المركزية إطلاقا مكثفا لصواريخ «توماهوك»، حيث تُشير تقديرات وكالة الأناضول إلى استهلاك قرابة 200 صاروخ، بتكلفة إجمالية للذخائر بلغت 340 مليون دولار، وهو ما يتقارب مع تقديرات صحفية أخرى وضعت كلفة الصاروخ الواحد عند عتبة مليوني دولار.
وبجمع هذه النفقات، يبلغ إجمالي التكلفة التقديرية للضربات الأمريكية التي نُفذت السبت الماضي وحده 779 مليونا و174 ألف دولار، أي حوالي 0.1 بالمائة من ميزانية الدفاع الأمريكية لعام 2026.
حرب تستنزف الترسانة الأمريكية
بينما يحتفي الميدان بالضربات، تستنزف أمريكا وحلفاؤها ذخائر غالية ونادرة بمعدل كبير، ولا يمكن تعويضها بسرعة.
هذا الاستنزاف يغري خصوما أقوى مثل روسيا والصين بالتحرك، فبالنسبة للدولتين المسألة ليست عدد الأهداف التي دمرت في طهران، بل كم بقي في جعبة أمريكا من صواريخ لتردعهما بها إذا ما قررت موسكو التحرك صوب دول حلف «الناتو» أو قررت بكين التوجه إلى «تايوان»، وفقا لتحليلات صحيفة «أتلانتك ».
وعلى الجانب الآخر، تبرز التحديات التي تواجه واشنطن في نقص الإمدادات، حيث تعيش القوات الأمريكية أزمة صواريخ حادة نتيجة الطلب المتزايد على «المعترضات» (مثل باتريوت) المخصصة لإسقاط المسيّرات، والأسلحة الهجومية (مثل توماهوك) المستخدمة لتدمير الأهداف الأرضية، وكلا النوعين يواجه خطر النفاد الوشيك.
واللافت هو تفوق إيران في معيار «الرخص والعدد» وعلى النقيض من الكلفة الأمريكية الباهظة، تبدو الأسلحة الإيرانية رخيصة ومتوفرة بكثرة.
فإيران تملك 2500 صاروخ باليستي وتنتج المئات شهريا، وتكلفة الصاروخ الإيراني بين مليون ومليوني دولار فقط، لكن أمريكا تحتاج إلى إطلاق صاروخين أو ثلاثة صواريخ باتريوت لإسقاط صاروخ إيراني واحد، ما يعني أن أمريكا تدفع 15 مليونا لإسقاط صاروخ بمليونين.
أما مسيّرات «شاهد» فتنتج إيران وروسيا منها 5000 إلى 6000 شهريا، وتكلفة الواحدة منها 50 ألف دولار فقط، ووظيفتها الأساسية هي إشغال الدفاعات الجوية واستنزاف صواريخ أمريكا الغالية.
والمعضلة الكبرى كانت في استخدام واشنطن لصواريخ «توماهوك» التي يرى الخبراء أنها مصممة لخصوم أقوياء جدا، واستخدامها ضد دفاعات إيران ذات التكاليف المنخفضة يعتبر تبذيرا، لكن أمريكا مضطرة إلى استخدامها لعدم توفر بدائل أرخص حاليا.
ويكمن الخطر في أن حليفتَي إيران، الصين وروسيا، تراقبان الوضع عن كثب، وخاصة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي يقول إن الحرب قد تستمر شهرا، لكن التقارير تؤكد أن مخزون الصواريخ قد ينفد خلال أيام.
والخسارة الكبرى هنا هي «الردع»، فالصين تخطط لغزو تايوان بحلول 2027، وهي تراقب الآن كيف تستهلك أمريكا ذخيرتها في إيران، ما يعني أن كل صاروخ تطلقه واشنطن اليوم ستفتقده غدا إذا قررت الصين أو روسيا بدء حرب كبرى.





