
«رغم أن المغرب قدم خدمات كبرى للإيرانيين حتى لا تشتعل البلاد سنة 1978، بسبب تعصب تيار الخميني، إلا أن «الثورة الإسلامية» لم تنس قبول الملك استضافة أسرة الشاه، بعد فراره من إيران في فبراير 1979.
وبدا من خلال وثائق الخارجية الأمريكية أن الخميني كان يكره المغرب، قبل الثورة بفترة.. والسبب ليس راجعا إلى صداقة الملك الحسن الثاني والشاه، بل إلى جلوس المغرب مع معارضة الشاه، من تيار يخالف الخميني الذي كان قد انتقل وقتها من العراق إلى فرنسا، ممارسا معارضة من الخارج، لم يكن يهمه معها أن يحرق البلاد لكي يزيل الشاه ويُطلق الجمهورية الإسلامية.
«CIA» الأمريكية راقبت كل هذه التطورات.. وتقاطعت تقارير الخارجية مع شهادة المستشار الملكي، عبد الهادي بوطالب، الذي كلفه الملك الراحل الحسن الثاني بلقاء معارضة الشاه، بل وبلقاء الخميني قبل الثورة.. وهو اللقاء الذي لم يتم».
يونس جنوحي
+++++++++++++++++++
من إجلاء المغاربة سنة 1979 إلى تمويل إيران للبوليساريو.. ماذا وقع؟
أحد الملفات المنسية.. ملف ترحيل المغاربة العالقين في إيران، بعد تأكد قيام جمهورية الخميني في فبراير 1979.
منذ بداية 1978، عندما اندلعت الأوضاع الداخلية في إيران، والجالية المغربية المقيمة في طهران وبقية مدن إيران، لم تتوقع أن تؤول الأمور إلى ما آلت إليه، خصوصا وأن الملك الراحل الحسن الثاني ظل معنيا بملف التطورات الإيرانية.
لكن عندما نزل الخميني من الطائرة واستقبلته الحشود التي تطالب برأس الشاه، بدا واضحا أن وضع المغاربة في إيران أصبح مقلقا.. سيما وأن المتعصبين كانوا يتابعون أخبار أسرة الشاه، ولجوئها إلى المغرب، بعد رفض عدد من الدول استقبالها.
كان الملك الراحل الحسن الثاني مهتما في تلك اللحظات بترحيل المواطنين المغاربة العالقين في إيران..
أغلب السفارات الأجنبية لم يكن أمامها سوى الترقب، لكن وضع المغاربة في إيران كان مقلقا، بسبب الأخبار المنتشرة عن لجوء الشاه وأسرته إلى المغرب، بالإضافة إلى تردد أخبار أخرى عن لجوء جنرالات من الجيش الإيراني إلى المغرب مع الشاه – وهو الخبر الذي لم يكن صحيحا-، وكان الغرض منه تأجيج الرأي العام الإيراني ضد المغرب.. وهنا أصبحت مسألة سلامة الرعايا المغاربة في إيران مُلحة.
سعى الملك الراحل الحسن الثاني إلى تأمين نقل المواطنين المغاربة إلى خارج إيران.
أغلب مغاربة إيران أيام الشاه كانوا يشتغلون في التجارة، وتأكد للسفارة المغربية في طهران أن أغلبهم غادروا إيران في الساعات الأخيرة لاندلاع الأحداث، برا.
التقى الملك الراحل الحسن الثاني مع المغاربة العائدين من إيران، وكان ملف تدبر ممتلكاتهم في إيران، والتي سيطرت عليها الثورة الإسلامية، يحظى باهتمام الملك الراحل الحسن الثاني.. وكان واضحا أن العلاقات المغربية الإيرانية لن يعود إليها الدفء، ما دام الخميني في السلطة.
وحتى بعد رحيل الخميني، في يونيو 1989، وجلوس المرشد الروحي «خامنئي» مكانه، مرشدا أعلى للثورة الإيرانية، لم يتغير أي شيء في موقف إيران من المغرب، بسبب موقف الملك الراحل الحسن الثاني مع الشاه.
منذ 2006، تحدثت تقارير للخارجية الأمريكية عن وجود تنسيق بين إيران والجزائر، وأن الإيرانيين لديهم طموح لتمويل الانفصال في الصحراء.. وهو ما اتضح لاحقا عندما انكشفت صفقة كان يراد لها أن تبقى سرية، تتعلق بتفويت طائرات بدون طيار، من التكنولوجيا التي طورتها إيران، إلى البوليساريو عبر الجزائر.
لماذا لا يتواصل الإيرانيون مباشرة مع انفصاليي البوليساريو؟ سؤال طرحه الأمريكيون منذ 2007، لكن التقارير لم تتحدث عن أي جواب شاف. باستثناء رصد تحركات أخرى بين طهران والجزائر، كان واضحا أن الهدف منها تمويل البوليساريو بالسلاح.
الأمريكيون انتبهوا إلى أن الخميني «يكره» المغرب قبل الثورة
في سنة 1977، زار صدام حسين – كان وقتها نائبا لرئيس جمهورية العراق- المغرب، وحظي باستقبال مهم، كلف فيه الملك الراحل الحسن الثاني الأمير مولاي عبد الله، ووزير الخارجية، باستضافة صدام حسين وجعل إقامته القصيرة في المغرب مريحة.
كان صدام في مهمة قصيرة، لكن الملك الراحل الحسن الثاني اقترح أن يستفيد صدام حسين من جولة في المغرب، لبضعة أيام، قبل السماح له بالمغادرة.
تقرير الخارجية الأمريكية، الذي سجله السفير الأمريكي في الرباط، والذي يحمل ترقيم A4954/345-77، والذي تسرب ضمن تسريبات وثائق «ويكيليكس» الشهيرة سنة 2012، جاء فيه أن صدام حسين فتح مع وزير الخارجية المغربي ملف إيران، ونقل إليه أن الرئيس العراقي البكر ليس على وفاق مع شاه إيران. وأن الأخير يلوم العراقيين على استضافتهم لرموز المعارضة الإيرانية، والرموز الدينية الإيرانية المعارضة صراحة للشاه.
ووقتها، أخبره وزير الخارجية المغربي أن الملك الحسن الثاني يحافظ على علاقة أخوية مع الشاه، لكنه لا يستطيع تقديم وعد لنائب الرئيس العراقي بشأن مساع لتقريب المسافة بين البكر والشاه.
الأمريكيون انتبهوا إلى الدور الذي حاول صدام حسين لعبه منذ أن كان نائبا للرئيس، ولم يعلن عنه وقتها في زيارته إلى المغرب.
لقد كان صدام حسين يسعى إلى إغاظة الشاه، وسمح باستضافة رموز المعارضة الإيرانية للشاه، والذين أطلقوا الثورة الإسلامية وشاركوا فيها من الخارج.
سفارتا واشنطن في الرباط وفي بغداد تابعتا موضوع رحلة صدام حسين إلى المغرب، وعودته إلى العراق، وكيف أن العراق كان يضع مخططا لتقوية معارضة الشاه، دون علم الدول العربية الشقيقة، وعلى رأسها المغرب.
التقرير يقول أيضا إن السفير الأمريكي متأكد أن صدام حسين يعارض توجه المغرب القاضي بعقد وساطة بين الشاه ومعارضيه، ويرغب شخصيا في اندلاع الأوضاع الداخلية في إيران.
انطلاقا من علاقة الصداقة بين الملك الراحل الحسن الثاني وشاه إيران، كان الخميني يكن كرها كبيرا للمغرب. وازدادت كراهيته للمغرب مع اقتراب اندلاع الثورة الإسلامية، عندما تأكد له أن الملك الراحل الحسن الثاني كان يعمل على ألا تندلع الأوضاع في بلاد صديقه الشاه.. في وقت لم يكن فيه الخميني يمانع في أن تشتعل الأوضاع الداخلية، ويسقط نظام الشاه.
من النقاط التي انتبه إليها الأمريكيون أيضا أن الخميني كان يؤلب أتباعه ضد الشخصيات العسكرية الإيرانية المقربة من الشاه، وجل هذه الشخصيات تحتفظ بصداقات وطيدة مع المسؤولين المغاربة.
وأصل هذه الصداقة يعود إلى سنة 1961، عندما بدأ برنامج التدريب العسكري الأمريكي، خصوصا في سلاح الطيران، لفائدة عدد من الدول من بينها إيران والمغرب.
فقد قضى عسكريون مغاربة، أيام الكولونيل المذبوح الذي أشرف على البرنامج في فتراته الأولى، ما يقارب 8 أشهر من التدريب المكثف في الولايات المتحدة الامريكية، جنبا إلى جنب مع عسكريين إيرانيين، ونشأت صداقة متينة بين العسكريين من البلدين.
ولم يفت الأمريكيين أن ينتبهوا إلى هذه التفاصيل، سيما وأن الخارجية الأمريكية ظلت تراقب الأسماء العسكرية التي استفادت من التدريب في الولايات المتحدة.. وكان موضوع هؤلاء العسكريين الإيرانيين، أحد أكثر الملفات حساسية بعد الثورة الإسلامية.. ولهذا السبب أيضا كان الخميني يكره الملك الراحل الحسن الثاني، على اعتبار أنه شكل سندا كبيرا للشاه في عز الضغط الذي مارسه لإبعاد الشاه. ليصبح موضوع لجوء الأخير إلى المغرب، وقبول الملك الراحل الحسن الثاني استضافة أسرة الشاه عندما تخلت عنه الدول العظمى، النقطة التي أفاضت الكأس، ليصبح عداء «إيران الثورة» للمغرب راسخا.
الأمريكيون راقبوا كواليس «وساطة» المغرب بين الإيرانيين مع اندلاع الثورة
كان الدبلوماسي الأمريكي «ج. شانان»، الذي كان يعمل في قسم الخارجية، أحد الأكاديميين الأمريكيين الذين وثقوا لأحداث الشرق الأوسط، خلال النصف الأخير من القرن الماضي.
هذا الأكاديمي، سبق له زيارة المغرب في مناسبتين. الأولى سنة 1978، والثانية سنة 1986، وسبق له اللقاء مع شخصيات مغربية، بينها الوزير السابق أحمد عصمان، والمستشار الملكي عبد الهادي بوطالب.
وهو متخصص أيضا في قضايا الشرق الأوسط. وقد أصدر عددا من المقالات العلمية التي تناول فيها التطورات السياسية في الشرق الأوسط، وعلاقة الولايات المتحدة مع عدد من الأنظمة العربية، وتطرق إلى مسألة أزمة إيران، ثلاث سنوات بعد نجاح الثورة الإسلامية، أي سنة 1982، وكتب مقالا مطولا من ثمانين صفحة، بالإنجليزية، عنوانه «الشرق الأوسط بعد رحيل الشاه.. ماذا بعدُ؟، نُترجم منه ما يلي:
«طالما لمسنا لدى الملك الحسن الثاني وجود جفاء غير معلن بينه وبين شاه إيران، خصوصا في السنوات الأخيرة قبل الثورة..
المعلوم أن المغرب لن يغامر بعلاقته بدول صديقة مثل العربية السعودية لكي يحتفظ بعلاقته مع إيران، لكن الرباط تبقى إحدى العواصم التي تربط علاقة خالية من الشحنات، مع طهران.
لذلك كان وزير الخارجية الأمريكي حريصا على إبقاء الاتصال مع الملك الحسن الثاني، طوال مراحل متابعة واشنطن لمراحل الأزمة في إيران.
.. لم يكن سرا أن الشاه تلقى اتصالا من الملك الحسن الثاني في الساعات الأخيرة قبل مغادرة إيران، وعرض عليه المجيء إلى المغرب. كانت مصالح الخارجية الامريكية قد توصلت بمراسلات تؤكد استعداد ملك المغرب لاستضافة شاه إيران.
لم تكن الدول القريبة من إيران، ضمن الخيارات المتاحة. لكن موظفي الخارجية كانوا يعرفون أن الملك لن يتردد في استضافة الشاه، حتى مع رفض فرنسا ومصر استضافته.
الملك الحسن الثاني لعب دورا مهما في المفاوضات، وحاول حماية الشاه عندما بدأت معظم الأنظمة العربية تتخلى عنه.
السفير الأمريكي السابق في مصر راسل الخارجية الأمريكية، وتحدث عن اهتمام أنور السادات بالعلاقة بين الملك الحسن الثاني وشاه إيران، وأسرّ للسفير الأمريكي أنه متخوف من مكانة الملك الحسن الثاني وتأثيره في منطقة الشرق الأوسط.
السادات أخبر السفير الأمريكي أن لديه معلومات بشأن الدور الذي يلعبه الملك الحسن الثاني في تفاوض الشاه مع المعارضة، قبل الإطاحة به. وأن المغرب حاول التدخل، لكن الخميني لم يكن يريد التعامل مع المغرب، وفضل الاستمرار في التصعيد».
لم يتطرق هذا الدبلوماسي الأمريكي إلى الفترة التي كان فيها الخميني مقيما في العراق، أواسط السبعينيات، وكيف أن الملك الراحل الحسن الثاني أرسل إليه رسميا في أكثر من مناسبة، لإقناعه بالتفاوض مع شاه إيران. وهذه الحقائق تناولتها وثائق الخارجية الأمريكية لاحقا، لكن الواضح أن السيد «شانان» لم يكن قريبا من الملف في ذلك الوقت، وانشغل بملفات دولية أخرى. خصوصا وأنه أصدر أوراق بحثية بعد ذلك، تناول فيها مسألة الاتحاد السوفياتي، بعد أن اشتغل في ألمانيا الغربية إلى حدود سنة 1992.
بوطالب: الشاه طلب من الحسن الثاني التوسط له لدى الخميني.. والعراق أقبرت المحاولة
في شهادته التاريخية المثيرة، «نصف قرن في السياسة»، يحكي عبد الهادي بوطالب عن محاولة لفتح الحوار بين الشاه والخميني سنة 1978
– وكان وقتها الخميني يقيم في العراق ويهاجم الشاه ويحرض على إسقاط النظام في إيران-، ويروي بوطالب كيف أن الملك الراحل الحسن الثاني كلفه بالسفر إلى العراق للقاء الخميني، وإبلاغه رسالة من الملك الحسن الثاني، لكن العراقيين، أيام الرئيس البكر، مارسوا نوعا من الدهاء السياسي وعملوا على ألا يتم اللقاء بين عبد الهادي بوطالب والخميني.
يحكي بوطالب في مذكراته، التي كانت خلاصة حوار مطول مع الصحافي حاتم البطيوي، عن تلك الرحلة المثيرة إلى العراق:
«عندما توالت الأحداث السياسية في إيران واندلعت الثورة الشعبية على نظام الشاه، طلب شاهنشاه (ملك الملوك) من الملك الحسن الثاني القيام بالوساطة بينه وبين الخميني وقيادة الثورة. واختارني جلالة الملك مبعوثا له إلى الإمام آية الله الخميني، الذي كان موجودا بالعراق.
وعلمت في ما بعد أن عبد الهادي التازي (زميلي في الأكاديمية اليوم)، كان وراء اختيار الملك لشخصي، إذ قال له إن اسم «أبو طالب» محبوب عند الشيعة، وإنه عرف ذلك أثناء عمله سفيرا بالعراق، حيث كان اسم زوجته التي تنتمي إلى عائلة «بوطالب» يُسهِّل له مهمته لدى أوساط الشيعة، لما للشيعة من تعلق بالإمام علي بن أبي طالب وعشيرته. وهذا التعلق والمحبة لآل البيت جزء من عقيدتهم. والتازي متزوج من بنت عمي. فوقع اختيار الملك عليّ، لأني كما قال جلالته لي: «شريف النسب من سلالة فاطمة بنت الرسول وزوجة علي بن أبي طالب وعالم من علماء القرويين، وأضاف أن عليّ أن أقول هذا عن نفسي حين ألقى الخميني».
حينما كلفني الملك بهذه المهمة السرية كان آية الله الخميني ما زال في العراق، فوجهني الملك إلى بغداد للاتصال بالرئيس العراقي حسن البكر، والإعراب له عن رجاء جلالته تسهيل مهمة لقائي بالسيد الخميني. وزودني الملك بتعليماته، وطلب مني التركيز أثناء لقائي بالرئيس البكر على إثارة انتباهه إلى أن مصلحة العراق العليا مرتبطة بالاستقرار في إيران، وأن المطلوب من العراق أن تعمل على إنجاح مهمتي، حتى لا تتطور الأمور إلى ما لا تحمد عقباه.
وكان الشاه وقتذاك قد انفتح على العراق، عندما وافق على اتفاق الجزائر بين طهران وبغداد، الذي قدمت فيه إيران للعراق تنازلات مهمة. وقال لي جلالة الملك أيضا: «اطلب من الرئيس البكر أن يؤمِّن لك الوصول إلى إقامة الخميني بالنَّجَف».
وكان سفيرنا في بغداد آنذاك هو عبد الواحد بلقزيز (الأمين العام الحالي لمنظمة المؤتمر الإسلامي)، فرتب لي لقائي كمبعوث من ملك المغرب لدى الرئيس البكر الذي استقبلني وقد جلس بجانبه خليفته صدام حسين، وكان يقال عنه آنذاك إنه هو الذي يمسك بمقاليد السلطة في العراق. وحضر الاستقبال السفير بلقزيز. وكانت تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها الرئيس البكر ونائبه صدام، فأبلغتهما أن الملك الحسن الثاني يريد أن يقع بينه وبين الخميني اتصال، وأنه يفكر في إنهاء المشاكل القائمة بينه وبين الشاه.
كان جواب الرئيس البكر: «إنه لا فائدة في الاتصال بالسيد الخميني، لأنه سيغادر العراق بطلب منا، وسيذهب عما قريب إلى حيث يشاء. وإنه لم تبق على موعد مغادرته سوى أيام معدودات».
يقول المستشار عبد الهادي بوطالب معلقا على الموقف العراقي:
«رجعت إلى المغرب وأخبرت الملك الحسن الثاني بفحوى لقائي بالرئيس البكر ونائبه صدام. وكنت أظن أن العراق كذب علينا وأنه لم يرد أن ينجح المغرب في هذه المهمة التاريخية، لكن بعد أسبوع فقط خرج الخميني من العراق وتوجه إلى فرنسا للإقامة في ضاحية «نُوفيل لُو شَاتُو» الباريسية، وأخبر الملك الحسن الثاني الشاه بأن المحاولة التي قام بها المغرب للاتصال بالخميني لم تنجح».
لم تتوقف التطورات عند هذا الحد، فقد بذل الملك الراحل الحسن الثاني مساع أخرى لترتيب اللقاء بين بوطالب والخميني مرة أخرى.
رسالة الملك الحسن الثاني إلى «آية الله» في الساعات الحرجة
اتضح لاحقا أن المناورة التي قام بها العراقيون لمنع اللقاء بين مبعوث الملك الراحل الحسن الثاني والخميني سنة 1978، لم تكن من تخطيط الرئيس البكر، وإنما من مخططات نائبه وقتها، صدام حسين.
وثائق «CIA» التي رفعت عنها السرية سنة 2012، جاء فيها أن صدام حسين كان معاديا للمغرب عندما كان نائبا للرئيس، وأعرب في أكثر من مناسبة لمقربيه عن هذه القناعة، رغم أنه زار المغرب عندما كان نائبا للرئيس، وخصص له الملك الراحل الحسن الثاني استقبالا مهما، وقضى أياما في ضيافة الملك.
بالعودة إلى مناورة العراق ضد الوساطة المغربية في ملف إيران، لم يتوقف الملك الراحل الحسن الثاني عند تلك المحطة.. فقد واصل مساعيه لبحث حل لأزمة إيران، دون الإطاحة بالشاه.
اتضح فعلا أن الخميني غادر العراق، صوب فرنسا، غزا خبر وصوله إلى هناك وسائل الإعلام الدولية.
أرسل الملك الراحل الحسن الثاني مستشاره عبد الهادي بوطالب مرة أخرى، لكن إلى إيران في عز غليان الأوضاع ضد الشاه، لكي يلتقي بأحد رجال الخميني، وأعمدة المعارضة، في مدينة «قم» التي تحظى بمكانة روحية مهمة لدى الإيرانيين.
كانت الثورة على الأبواب، ونظام الشاه يعيش الأسابيع الأخيرة، لكن الملك الراحل الحسن الثاني لم يتردد في محاولة لرأب الصدع.
يقول عبد الهادي التازي في مذكراته:
«.. سافرتُ إلى طهران ولم يُعلَن عن مهمتي. ونزلت في فندق هيلتون، لكن السفير المغربي الغالي بنهيمة الذي كان يسهر على توفير شروط مهمتي أخبرني أن التوجه إلى مدينة «قُمْ» سيكون ليلا على الساعة العاشرة، وأن الحراس الذين سيرافقونني هم حراس الحكومة الإيرانية، لكنهم سيرافقونني بوصفهم حراس السفارة المغربية في طهران، حيث ألحَ ثوار «قم» على ألا يكون برفقتي حراس من أمن الشاه. وكان السفير بنهيمة قد أخبر قبل وصولي إلى إيران الحوزة الدينية في «قم» بمهمتي، وأنني مبعوث خاص من الملك الحسن الثاني، وأن مهمتي لا تعلم بها حكومة إيران. وسألوه عمن سيرافقني؟ فقال لهم: حراس السفارة المغربية لا غير.
ولما توجهنا إلى مسجد مدينة قم بدت لي – وأنا أجتاز الخطوات على فنائه الواسع – زاوية أو رباط للمجاهدين الثائرين على النظام من مختلف الأعمار. وكان من بينهم من يقرؤون القرآن، ومن تحلقوا على صحن طعام وجلسوا على الأرض لتناول الأكل باليد، ومن يُصلّون أو يذكرون وهم يحملون السبحة، أو يتوضؤون للصلاة. ومشينا قليلا إلى أن وصلنا إلى مدخل المسجد، الذي يوجد فيه آية الله العظمى شريعتمداري. وهناك طُلب مني أن أخلع حذائي. ووجدته جالسا على الأرض فوق سجادة إيرانية (زربية) من النوع الغليظ، إضافة إلى السجاد الإيراني الممتاز الذي كان مبسوطا على أرض المسجد كله.
وقبل بدء الحديث عن الموضوع الذي جئت من أجله، سألني شريعتمداري:
– قيل لي إنك سيد (شريف) من آل البيت؟
فقلت:
– إن الملك الحسن الثاني، الشريف العلوي، أمير المؤمنين يحبكم ويعطف عليكم ويتابع حركتكم. وهو يريد أن يُصلح ذاتَ البين بينكم وبين الشاه. وكان حوارنا باللغة العربية، التي كان يجيدها وينطق بكلماتها مفخمة كما ينطق الإيرانيون».
خلاصة ما دار بين بوطالب ورمز المعارضة الإيرانية للشاه، أن المعارضة في الداخل لا تتفق مع الخميني في تطرفه ضد الشاه، لكنهم في الوقت نفسه ليسوا مع الشاه نهائيا.
في ذلك اللقاء قدم آية الله شروطه إلى بوطالب لكي ينقلها إلى الملك الحسن الثاني، ومنها أن تعود إيران إلى العمل بدستور 1906، وأن يعزل الشاه أفراد أسرته من المناصب، وأن يطلق سراح المعتقلين السياسيين.
كانت المعارضة تعول بدورها على وساطة الملك الراحل الحسن الثاني، لكن تسارع الأحداث وعودة الخميني من فرنسا وهرب الشاه إلى الخارج، كلها أحداث أقبرت أي محاولة أخرى للصلح. وابتلع طوفان شعبية الخميني، معارضيه، ولم يعد بإمكانهم التفاوض بشأن مستقبل إيران.
جنرالات إيران كانوا أصدقاء لأوفقير والدليمي
من أسباب إصرار الخميني على معاداة المغرب، رصيد الصداقة الذي كان يجمعنا مع إيران أيام الشاه.
ورغم أن شاه إيران في منتصف السبعينيات كان قد رفض مساعدة المغرب، والتنازل عن طلبية سلاح للولايات المتحدة حتى يستفيد منها المغرب في عز حرب الصحراء ضد الانفصاليين، إلا أن الشخصيات العسكرية المغربية والإيرانية كانت على وفاق، بحكم اللقاءات التي كانت تتم على هامش الزيارات والمراسلات الرسمية بين الملك الحسن الثاني وشاه إيران.
سبق في «الأخبار» أن تناولنا مذكرات فرح ديبا، زوجة الشاه، وإمبراطورة إيران السابقة، والتي اختارت المغرب مقاما لها بعد الثورة، وحتى بعد وفاة زوجها الشاه متأثرا بتداعيات انهيار حكمه وهروبه «الدرامي» من إيران.
سيدة إيران الأولى السابقة، تناولت في مذكراتها التي أسالت مداد الصحافة الدولية عند صدورها سنوات بعد نهاية حكم الشاه، مسألة الصداقة المغربية الإيرانية على عهد زوجها، وقدمت معطيات عن شخصيات عسكرية إيرانية، كانت صديقة للمغرب.
الجنرال نعمة الله نصيري، مثلا، كان صديقا للجنرال أوفقير والكولونيل الدليمي. وقد التقى الثلاثة في أكثر من مناسبة، بحكم أنهم كانوا يشرفون على الاستخبارات والأمن. الجنرال نصيري كان يحظى بثقة الشاه المطلقة، بينما كل من أوفقير والدليمي كانا يعتبران ركيزة أمنية اعتمد عليها الملك الراحل الحسن الثاني لتدبير المؤسستين الأمنية والعسكرية.
كان مصير الجنرال «نعمت نصيري» (تُكتب هكذا بالفارسية)، الذي ترأس جهاز الاستخبارات لدى الشاه، الإعدام رميا بالرصاص بعد قيام الثورة التي تأسست بموجبها الجمهورية الإسلامية في فبراير 1979.
كان هناك جنرال آخر هو الجنرال زاهدي، الذي كان صديقا للكولونيل المذبوح، وكان الاثنان معا قد التقيا في الولايات المتحدة الأمريكية. الجنرال رضا زاهدي زار المغرب في إطار زيارة صداقة نهاية الستينيات، وأعطى الملك الراحل الحسن الثاني أمرا للكولونيل المذبوح لكي يعتني بضيف المغرب الكبير، ونظمت له زيارة حافلة إلى المدن التاريخية المغربية، والتقى خلال زيارته بعدد من الوزراء والمستشارين والشخصيات العسكرية.
أسد الله علم، إحدى الشخصيات الإيرانية الأخرى التي ربطت علاقة مميزة مع المغرب، وقد شغل مناصب سيادية ووزارية، وعهد إليه الشاه بنقل رسائله إلى الملك الراحل الحسن الثاني، وكان يخص المغرب بتقدير كبير.
ورغم أن السيد علم نجا من منصة الإعدام رميا بالرصاص، إلا أنه مات حزينا في آخر أيامه، وهو يرى نظام الشاه يتهاوى.. تقول بعض الكتابات إن السيد علم تلقى عرضا من الملك الراحل الحسن الثاني لكي يستقر في المغرب، في آخر أيامه، لكن المرض لم يُمهله للنظر في العرض المغربي، وعاش أيامه الأخيرة متنقلا بين مصحات سويسرا وألمانيا.
فرح ديبا، إمبراطورة إيران السابقة، وزوجة الشاه، كشفت في مذكراتها التي كان اسمها عنوانا وحيدا لها، وأحدثت ضجة كبيرة عند صدورها قبل سنوات، أن الشاه نصح أصدقاءه أن يتبعوه إلى المغرب، وأخبرهم أن الملك الراحل الحسن الثاني قدم له إشارات ترحيب ولن يمانع في استقبال رموز النظام الإيراني المطاح به.
لكن أغلب الذين كانوا يحيطون بالشاه سقطوا في قبضة الثوار، أو غادروا إيران على عجل نحو دول الجوار، ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.





