
يسرا طارق
لم يكن محمد المختار السوسي باحثا وأديبا ومربيا كبيرا فقط، كان منارة، ومدرسة ومؤسسة قائمة بذاتها، وهو المثال الحي على أن الانضباط في الحياة والإخلاص في العمل والبحث، وترك قشورها وملاهيها، والترفع عن الخوض في الحروب الصغيرة من أجل الوجاهة والزعامة، يمكنها أن تجعل تلك الحياة القصيرة زمنيا مليئة بعطاء من شأنه أن يملأ الدنيا ويشغل الناس ما شاء الله من أزمنة. بعيدا عن أعمال الرجل، التي تتطلب حلقات بحث، بل تتطلب تنصيب كرسي في كل جامعة مغربية يحمل اسم محمد المختار السوسي ويخصص لجمع وتدوين ودراسة الثقافة المحلية بجهة الجامعة في مختلف تجلياتها، يمكننا أن نستخلص المقومات التي جعلت من محمد المختار السوسي أحد أهم أعلام الفكر والنضال المغربيين، ليس في القرن العشرين فقط، وإنما في كل العصور:
– إيمان راسخ بأن التربية والتعليم هما عماد بناء وطن قوي ومنظم وعادل وسعيد. لقد اختبر العلامة، ومن واقع حياته هو، كيف أن التعليم، وكلما ارتقى درجة من درجاته، جعل أفقه يتسع، وعقله يتفتح، ومعارفه تغزر، وفهمه لظروف واقعه وواقع بلده يحتد. لم يُنَظِّرْ للتعليم وأهميته كما فعل البعض، بل خاض غماره، فعلم وأرشد ورعى، وكان حبل نجاة لكثير من الصبيان الضائعين الذين لاذوا به وأحسن احتضانهم وتربيتهم وتوجيههم. كان العلامة على يقين بأن التعليم سلاح ضد التخلف، وضد الجهل، وضد المستعمر وضد الإحساس بالنقص، وقد شهد واقعة مسارعة المستعمر لإغلاق المدارس ونفي المدرسين، لأنه يعرف بأن الشعب ونخبه حين يمتلكان المعرفة سيمتلكان معها الإرادة والحرية وحس المقاومة. تمكنت الإدارة الاستعمارية من نفي العلامة وإبعاده عن مدرسته لكنها لم تستطع منعه من الكتابة والبحث، فمارس التعليم والتربية، وإن بصيغة أخرى، فكل كتاب من كتبه حجرة يلقيها في بركة الاستعمار الآسنة.
– جسد محمد المختار السوسي طيلة حياته صورة المثقف العضوي المرتبط بشعبه والمتلاحم مع قضاياه. لم يكن يعيش في برج عاجٍ، لم يكن مترفعا ولا أنانيا، كان واحدا من الناس، يلبس لباسهم، ويأكل مأكلهم، ويعيش عيشتهم ويشاركهم كل وقائع يومهم. كان يجسد ما حثت العلوم الإنسانية على ضرورة التحلي به: القدرة على مشاركة الناس، الذين يتخذهم الباحث موضوعا لعمله، في كل مناحي حياتهم. حتى وهو يتقلد منصب وزير التاج بقي محمد المختار السوسي على نفس الزهد والتواضع والشغف بالبحث، وهناك مرويات لأشخاص فزِعوا له في أمر ما، ففوجئوا للحياة البسيطة التي يحياها.
– عرف محمد المختار السوسي سوس حجرا حجرا، وشجرة شجرة ودارا دارا، وكتب عن كل شيء في سوس، ليومنا هذا لم تنشر أعماله في طبعات ميسرة، غير أن محمد المختار السوسي لم يكن يعرف سوس فقط، بل كان يعرف كل مناطق المغرب معرفة جيدة، وكان له أصدقاء وخلان وزملاء في كل مكان، وكان يحرص على زيارتهم ويقول فيهم قصائد. هذه المعرفة الواسعة هي التي جعلت مشروع العلامة، وإن ركز على سوس، مشروعا وطنيا، أثبت من خلاله بأن الخصوصية لا تلغي الأواصر الوطنية والقومية.
– كان محمد المختار السوسي متعدد الاهتمامات، متعدد المواهب. له قدرة عجيبة على الكتابة في مجالات مختلفة وبنفس الدقة والجودة، وقد جسد صورة الكاتب الموسوعي الذي وفي لحظة فاصلة من تاريخ المغرب كتب في المواضيع التي يهتم بها، ولكنه أيضا كتب في مواضيع وقضايا اضطرته الظروف للكتابة فيها، زاوج في كل ما قام به بين المتعة والمنفعة.





