
يونس جنوحي
مرة أخرى تعود مسألة غرق عدد من الدول حول العالم في الديون. بلدان كانت إلى وقت قريب تعيش على أمل تحقيق الاكتفاء الذاتي أو إطلاق نهضة اقتصادية حقيقية، تلقت صفعة مثقلة بأصفار دركات الديون.
بنغلادش واحدة من الدول التي صدر بشأنها أحدث تقرير وُصف بـ«المقلق».
فحسب ما نشرته كبريات المنصات المتخصصة في الشأن الاقتصادي حول العالم، فإن العاصمة «داكا» وقعت في فخ ديون محكم. ولم يأت هذا التأكيد من لجان أو منظمات اقتصادية، بل من رئيس مؤسسة حكومية في بنغلادش، صرح، قبل أيام فقط، حرفيا: «لقد وقعنا فعلا في فخ الديون»، مضيفا أن نسبة المديونية تلتهم أكثر من 39 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، بعد أن كانت لا تتعدى 34 بالمئة قبل أقل من ست سنوات فقط. والنسبة مرشحة للارتفاع.
وليست بنغلاديش أول دولة تعترف رسميا بأنها في قاع حفرة الديون الصينية، فقد سبقتها سريلانكا إلى هذه الورطة، بعد أن أصبحت هي الأخرى شريكة في ما يعرف بـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.
في وقت كانت الزراعة والتعليم يلتهمان أكبر نسبة من ميزانية الإيرادات، بالإضافة إلى أجور الموظفين ومعاشات المتقاعدين، فإن الوضع الآن لم يعد كذلك، وأصبحت الديون تلتهم أكبر نسبة من الميزانية الوطنية للبلاد، لأول مرة في تاريخ البلاد، بحسب ما أكده باحث اقتصادي من بنغلادش، لصحيفة «نيو بوست» الآسيوية المتخصصة في الاقتصاد. بل إن هذا الأكاديمي شبه ما يقع في بلاده بالقول: «إن ما يقع أشبه بأن يُطلب من رجل نحيف أن يفقد المزيد من الوزن».
أما البنك الدولي فأظهر أن الدين الخارجي لبنغلادش، خلال العام الذي ودعناه، قفز إلى 42 بالمئة، على مدى السنوات الخمس الماضية. إذ أن نسبة الاقتراض الأجنبي وصلت ما يقارب 105 ملايير دولار، بعد أن كان سنة 2010 لا يتجاوز 26 مليار دولار. والآن يلتهم الدين الخارجي 192 بالمئة من عائدات التصدير في البلاد، وهو ما يعني أن مؤشرات تسديد هذه الديون تنذر بالضغط.
بحسب الخبراء، فإنه مع زيادة اعتماد الاقتصاد في بنغلادش على المبادرة الإقليمية الصينية، المقتبسة من «طريق الحرير» القديم، ليس غريبا أن البلاد انزلقت إلى فخ الديون تماما كما وقع مع سيريلانكا. بعد أن كان الاقتراض «غير مستدام» من الصين، حلت سنة 2022 لكي يتفاقم معها مشكل التخلف عن السداد، تلاه انهيار اقتصادي باعتراف المصالح الحكومية.
الآن، بعد مرور عقد كامل على استقبال استثمارات مبادرة الحزام والطريق الصينية، تتوقع بنغلاديش الحصول على ما مجموعه 40 مليار دولار من الصين، منها 14 مليار دولار في مشاريع مشتركة بين البلدين. في عام 2022، عندما كانت بنغلاديش مدينة بدين بقيمة 4 مليارات دولار للصين، أعرب وزير مالية بنغلاديش مصطفى كمال عن قلقه بشأن المخاطر المرتبطة بقروض مبادرة الحزام والطريق، وسوء ممارسات الإقراض في الصين والمديونية الساحقة. والآن، في غضون السنوات الثلاث المقبلة، سيرتفع إجمالي عبء الديون الخارجية لبنغلاديش إلى الصين إلى 7 مليارات دولار.
الدول الافريقية مدعوة إلى استخلاص الدروس والعبر. دروس تساوي ملايير الدولارات قبل الوقوع في الفخ، خصوصا وأن كل المؤشرات تؤكد أن كل من احتمى بظل الاستثمارات الصينية، يتحسس لاحقا عمق «الحفرة» التي تحفرها آلات الاستثمارات في عمق الاقتصاد الوطني.
الديون الصينية لبنغلادش جعلت إسلاميي البلاد يزورون الصين سنة 2024 في ضيافة الحزب الشيوعي الصيني! في النهاية، الديون تضرب كل المبادئ وتجعل الإسلامي يتودد للشيوعي.. ورغم الزيارات الودية المتبادلة، تبقى اللغة الحقيقية، التي يتحدثها السياسيون، هي لغة أرقام «جدولة» الديون ورفع نسبة الفائدة للتأكد من أن الحفرة تزداد عمقا.





