
شهد تاريخ الاختراعات والابتكارات العلمية قصصا طريفة ومذهلة. قصص سجلت لنا تاريخ رجال ونساء اقتحموا مجال المجهول مكتشفين ومغامرين أحيانا، سنَدُهم الإيمان الشديد بأفكارهم الجريئة وعزمهم القوي على تحقيقها، مهما كلفهم الأمر من تضحيات جسام وصراعات قوية في مواجهة ذواتهم وعصرهم. هذه الاختراعات التي نحيا بها اليوم وتكاد أن نألفها وأن نعتبرها أنها كانت دائما موجودة بيننا، منذ أن كان الإنسان. قد يكون من الوفاء أن نعود إلى أصحابها وإلى هذه الاختراعات، التي ما زلنا نحيا بها اليوم.
روبرت أوبنهايمر.. أبو القنبلة الذرية
(8)
كان العلماء في أوروبا في بداية الحرب العالمية الثانية على علم بأن ألمانيا النازية من خلال علمائها كانت تجري أبحاثا علمية، من أجل التوصل إلى صنع سلاح فتّاك، قد يمنحها التفوق على أعدائها. انتشرت المراسلات بين العلماء داخل ألمانيا وخارجها، محذرة دول الحلفاء بأن ألمانيا تسعى بكل قوة إلى الحصول على أول قنبلة نووية.
نتيجة لذلك كتبوا رسالة موجهة إلى الرئيس الأمريكي روزفلت، وتم تكليف العالم الفيزيائي ألبرت إنشتاين بتوقيع هذه الرسالة، الشيء الذي جعله يندم على ذلك في ما بعد، بقوله: «لو علمت أن الألمان لن ينجحوا في تطوير قنبلة ذرية، فإنني لم أكن لأفعل شيئا».
وبعد غزو ألمانيا النازية لبولونيا سنة 1939، قررت أمريكا بناء المشروع المسمى «مانهاتن»، ضم العديد من العلماء الذين فروا من أوروبا، خاصة من ألمانيا النازية، أو البلدان التي وقعت تحت الاحتلال، وكانت مهمتهم استكشاف عملية الانشطار الموثقة حديثا لعنصر اليورانيوم 235، حيث كانوا يأملون في صنع قنبلة نووية، قبل أن يتمكن أدولف هتلر من تطويرها.
في البداية، تم تخصيص 6000 دولار فقط للمشروع من قبل حكومة الولايات المتحدة، ولكن بحلول الوقت الذي بلغ فيه العمل أوجه عام 1945، نمت الميزانية إلى ملياري دولار.
الآن.. أصبحت الموت مدمر العوالم
وقع الاختيار على روبرت أوبنهايمر Robert Oppenheimer (1967- 1904) لإدارة مختبر لتنفيذ مشروع «مانهاتن»، وقيادة النهاية العملية لاختبار صنع أول قنبلة نووية في لوس ألاموس بنيومكسيكو.
وبالفعل، نجح أوبنهايمر في تحقيق الهدف من المشروع بسرعة قياسية. وبعد نجاح الاختبار الأول صرّح قائلا: «انتظرنا حتى وقع الانفجار، ثم خرجنا من الملجأ، وكان ذلك مهما للغاية. كنا نعلم أن العالم لن يكون كما عرفناه سابقا، ضحك قليل من الناس، بكى عدد قليل من الناس، وكان معظم الناس صامتين. تذكرتُ حينها سطرا من الكتاب المقدس الهندوسي «البهاغافاد غيتا»، حين حاول «فيشنو» إقناع الأمير بأنه يجب عليه القيام بواجبه والإعجاب به على الشكل الذي هو عليه قائلا: (الآن، أصبحت الموت، مدمر العوالم). أعتقد أننا جميعا فكرنا بهذه الطريقة أو أخرى».
في الشهر التالي ألقيت قنبلة على المدينتين اليابانيتين هيروشيما ونغازاكي، ما شكل صدمة للعالم وللفريق الذي ساهم في صنع هذا السلاح المدمر، وخصوصا روبرت أوبنهايمر الذي أصبح أكبر معارضي استخدام هذا السلاح، واستبدت به حالة من الندم العميق طيلة ما تبقى له من عمره، إلى درجة أنه أطلق على نفسه عبارته الشهيرة (المكافئ الموضوعي للموت.. مدمر العوالم».
حسرة وندم واعتراف أخير مشوب بالمرارة
ولد روبرت أوبنهايمر في نيويورك في عائلة من المهاجرين الألمانيين اليهود. ظهرت براعته الأكاديمية والعلمية في وقت مبكر جدا.
بعد تخرجه من جامعة هارفارد، أبحر أوبنهايمر إلى إنجلترا والتحق بجامعة كامبريدج، حيث بدأ أبحاثه الذرية في مختبر كافنديش مع معلمه جوزيف طومسون، الذي حاز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1906 لاكتشافه الإلكترون، لكنه أدرك أن موهبته كانت نظرية وليس تجريبية، وبالتالي قَبِل دعوة من ماكس بورن، مدير معهد الفيزياء النظرية في جامعة غوتنغن، للدراسة معه في ألمانيا، حيث التقى بمجموعة من الفيزيائيين البارزين بمن فيهم نيلز بور.
كانت أمريكا تعرف أن يسارية أوبنهايمر وتعاطفه مع الشيوعيين، لكنها أرادت الاستفادة منه، فبمجرد أن أبدى معارضته حتى سُحب منه ترخيصه الأمني وانتهت مسيرته في الهيئة الذرية، وأغلق ملفه وتاريخ عمله مع الحكومة الأمريكية، فبعد أن لقبوه بأبي القنبلة الذرية نعتوه بالخائن والجاسوس، وشكّوا في ولائه، وأخضع للمراقبة.
كان أوبنهايمر إنسانا يجمع بين رقة تصل إلى درجة الهشاشة وذكاء يرقى إلى درجة العبقرية وبين شخصية يكتنفها قدر عجيب من التعقيد، شغوفا بالفلسفة والشعر قبل أي شيء، وكان يرى في الفيزياء وكأنها طريق يوصله إلى تعاطي الفلسفة بكل قضاياها ومنطقها وتأملاتها.
لم تنته ما سميت بـ«مسألة أوبنهايمر» في الدوائر السياسية الأمريكية على هذا النحو، فقد عارض إنتاج القنبلة الهيدروجينية، واعتبر إلقاء القنبلة النووية الثانية على «نجازاكي» كان مجانيا وليس له أي مبرر على الإطلاق، ولم يكن في مقدوره أن يمتلك الشجاعة لإدانة القنبلة الأولى على هيروشيما. وطلب من المسؤولين السماح له بالانسحاب من جميع المراكز الحساسة التي كان يشغلها، وأن يتفرغ لعمله كمدير لمعهد الدراسات المتقدمة في جامعة برنستون. لكن لجنة مجلس الشيوخ وجهت إليه تهما خطيرة ودفعت به إلى محاكمة شهيرة استمرت ثلاثة أسابيع، ونشرت بعد ذلك وثائق هذه المحاكمة في تقرير كبير تحت عنوان «حول مسألة روبرت أوبنهايمر»، وحكمت بإدانته واعتباره يشكل خطرا على أمن الولايات المتحدة الأمريكية.
خلال محاكمته اتسم دفاعه عن مواقفه بالتردد وعدم الوضوح، لكن اللجنة لم تقدر خدماته السابقة في مشروع «منهاتن» وأدانته في نهاية الأمر. ويذكر الكاتب الأمريكي آرثر ميلر في كتابه «انحناءات الزمن» بعض التفاصيل التي وقعت أثناء اللقاء الذي أجراه مع روبرت أوبنهايمر، وأوضح ميلر في مذكراته أن روبرت أوبنهايمر، بحسب منظوره الشخصي، كان يشعر باليأس والحزن الشديد، وعلى الرغم من مرضه بسرطان الرئة، فإن مرضه لم يكن سبب حزنه، بل كانت اللحظة التي رأى فيها بعينيه ما يمكن أن يسببه اختراعه من دمار، بعد أن أسقطت أمريكا قنبلتي هيروشيما ونجازاكي، ولذلك ظل روبرت أوبنهايمر يؤكد مسؤوليته عن هذا الدمار الذي حل في المدينتين…
لقد حصل روبرت أوبنهايمر أخيرا في سنة 1963 بفضل الرئيس كينيدي على جائزة إنريكو فيرمي، لكنه كان اعترافا مشوبا بالمرارة… ذلك، أن أوبنهايمر أمضى ما تبقى من عمره نادما متحسرا يعاني من مرض السرطان، وهو يعلم علم اليقين بأن أمريكا لن تحبه إلى الأبد.
نافذة:
أوضح ميلر في مذكراته أن روبرت أوبنهايمر بحسب منظوره الشخصي كان يشعر باليأس والحزن الشديد وعلى الرغم من مرضه بسرطان الرئة فإن مرضه لم يكن سبب حزنه بل كانت اللحظة التي رأى فيها بعينيه ما يمكن أن يسببه اختراعه من دمار





