حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرفسحة الصيف

هل يمكن الركض ضد تدفق الزمن؟

 

مقالات ذات صلة

 

بقلم: خالص جلبي

 

في مدخل البحث علينا تحديد ثلاث أفكار جوهرية، للإمساك بموضوع خطير وحيوي من هذا الحجم:

أولا: هل أحداث التاريخ تمشي على شكل فوضوي لا تنتظم ضمن قانون، أو تندرج وتنساب ضمن قناة تاريخية خاضعة لنواميس ضابطة؟

والأمر الثاني إذا كانت حركة التاريخ ضمن منظومة واضحة وقوانين مفهومة، فهل يعني هذا الحتمية والجبرية، بحيث يدخلنا في المفهوم الذي طرحه الفيلسوف الألماني (فريدريك نيتشه) عن العود الأبدي، وبالتالي يمنحنا القدرة على التنبؤ والإمساك مثل (الريموت كونترول) بإمكانية التحكم في الحركة الإنسانية، على الشكل الذي حلم به عالم النفس السلوكي (سكينر). ولنقل بكلمة أدق ما هي طبيعة القوانين التي تمسك بالوجود، إذا كانت ثمة قوانين تهيمن على الوجود وتقود حركته الجبارة في صيرورة متدفقة؟ والأمر الأخير الذي يجب أن نقتله بحثا للوصول فيه إلى صياغة متماسكة عن دور الحرية والإرادة الإنسانية ضمن هذه القوانين، التي تمسك برقبة الوجود من إنسان وأحداث ومجتمعات وحركة تاريخية.

لنتأمل هذه الظاهرة في فيلم عُرض فيه تصور عن إمكانية التدخل في أحداث التاريخ وتأمل نتائجها، في حال تحريك بعض أجزاء المسلسل من الفيلم التاريخي.

 

 الركض ضد محور الزمن

 هل يستطيع الإنسان الرجوع القهقرى عبر الزمن فيعاصر الأحداث التي مرت، فيدخل العصر المملوكي، أو يندس في مواكب الفراعنة، أو يرى حملة هانيبال على روما؟ أو حتى حظوة اللقاء بالأنبياء ومعاصرة تدشين التجارب الروحية الضخمة؟ هذا ما حاول فيلم «الركض ضد تيار الزمن» أن يفعله، عندما وصل عالم إلى اختراع جهاز آلة الزمن، بحيث يمكن للمادة العضوية أن تخترق الأبعاد الأربعة (المادة والزمن من خلال تطوير نظرية النسبية وتطبيقاتها العملية، ومشكلته كانت في إيجاد متطوع يدخل نفق الزمن هذا‍‍‍‍‍‍!). وجاءت محنة حرب (فيتنام) تمده بالرجل المتطوع الذي خسر أخا عزيزا له في هذه الحرب اللعينة، ومتى كانت الحرب غير لعينة؟ والذي حرَّك هذه الرغبة الجامحة في قلب المتطوع هو محاولة التدخل عبر أحداث الزمن، بحيث يمكن قلب مجرى الأحداث! فماذا لو حاولنا منع اغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي؟ باعتبار أن مقتل كينيدي هو الذي دفع رئيسا جديدا إلى الساحة هو جونسون، الذي اندفع بكل رعونة في هذه الحرب المشؤومة لكلا الشعبين، وما زالت آثارها النفسية حتى يومنا الحاضر، وفي الوقت الذي نمنع الاغتيال، تفرمل عملية الدخول في حرب فيتنام، وبالتالي التحكم في سير الأحداث، وإنقاذ الأخ الذي سفح دمه في أحراش فيتنام..

 والذي حصل في هذه التجربة التي اعتمدت الخيال العلمي والذكاء الإنساني وفكرة التقنيات المتقدمة، أن مجرى الأحداث مشى على خلاف ما أراد المتطوع، فتعرض هو بذاته للقتل عندما دخل هذه اللعبة المعقدة الصعبة، كما أن زوجته التي أرسلت بعده في محاولة لإنقاذه، تعرضت لحادث صدم سيارة جعلها تدخل المستشفى؛ فيتأخر تدخلها لمنع اغتيال الرئيس الأمريكي، وكل ما استطاعت تحصيله هو التدخل عبر الزمن واستباق الأحداث والنجاة برأس زوجها من القتل، ولكن تحت ملاحقة الاستخبارات الأمريكية الفيدرالية! 

لم يبق أمام العالم المشرف على آلة الزمن هذه، والذي يرى تدفق سيل الأحداث المأساوية، وأن كل تدخل في مجرى الأحداث لا يغير من طبيعتها في شيء، بل يزيدها في الدراما والمأساوية والتعقيد، لم يبق أمامه سوى التدخل بنفسه لإرجاع المتطوعين وترك الأحداث تمضي كما مضت، ليعقب فيقول بعبارة لا تخلو من السخرية والمرارة: كل محاولات البشر وكل دموع المعانين لن تغير سطرا واحدا من لوح القدر، الذي حبكته أحداث التاريخ، وتم تنفيذه من بني البشر الذين هم ممثلو هذا المسرح الكوني الرهيب.

 

جني محصول بسيط من قدرية مهيمنة تسير الأحداث الضخمة

الشيء الجانبي البسيط والسار الذي حدث في مجرى الأحداث، أن المكالمة الجانبية التي حدثت بين المتطوع وأخيه الذي قابله في هذه الرحلة العجيبة، والذي مات لاحقا في حرب فيتنام الضروس، أن أخاه كان في أشد الحزن على أخيه الصغير الذي دخل الغيبوبة، الذي لم يكن سوى المتطوع نفسه، فاقتحامه عالم الزمن القديم لا يسمح لروحين أن تسبحا بوعي كامل في الوجود في جسمين ماديين بنفس الوقت، مما دفع أحدهما إلى التواري عن الوجود العضوي في صورة الغيبوبة. وهو الشيء الذي كان يخاف منه العالم مخترع الجهاز، ولا يعرف ماذا سيحدث فيه. مع نوبة الحزن العارمة أقسم أنه لن يتطوع لحرب فيتنام. كان هذا اللقاء العابر سببا في تغير مجرى الأحداث لأخيه فقط ونجاته من الموت قتلا في غابات فيتنام.

    هذه القصة تروي لنا قدرية ساحقة لا قبل لنا بها، وأن أي تغيير في مجرى الأحداث التاريخية سيقود إلى ما هو أسوأ بمرات، فالعالم الذي قابل الرئيس الأمريكي جونسون يحمل له فيلما كاملا بمسلسل الأحداث، بما فيها هزيمته في فيتنام ونهايته السياسية المُرة، رأى في هذا الكشف التاريخي أنه من مصلحته، فأحرق النسخة الوحيدة للفيلم ليمضي بكل حماقة ـ مثل حماقة السياسيين دوما عبر التاريخ ـ  في الاتجاه نفسه بزخم أعظم ودفع للجنود إلى الموت بأعداد أضخم. في تسجيلٍ درامي بأن لا فائدة من أي تدخل، في دفع مسار أحداث التاريخ إلى مجرى مختلف، في جبرية مطبقة وسلبية خانقة.

 

الحتمية التاريخية وآثارها  

 كأن هذا الفيلم ينحو بشكل جبري في الاتجاه الماركسي، الذي يرى حتمية التاريخ ومحدودية تدخل الإنسان في صنع الأحداث، فعندما يقلب معاوية الوضع الراشدي لبناء دولة بيزنطية، كان سيحدث ولا مفر منه، ومسح الخلافة الراشدة بالتآمر الأموي كان سيتم ولا راد لقضائه، لأن هذا هو منطق الأحداث وسيرها الحتمي. والثورة الفرنسية وكل فظاعات المقصلة تحصيل حاصل، وموت الملايين بالآلة الستالينية الرهيبة أمر عادي لا يستدعي أي تعليق، لأن هذا هو منطق الأحداث وصيرورتها التي لا راد لها. والذل المسلط على رقاب المسلمين اليوم عادي، وعلو إسرائيل طبيعي!

 

  حزمة من الأسئلة المصيرية حول عمل التاريخ ومغزاه

هذا الفيلم المثير كمدخل لبحث ممتع شيق، حول فهم ما هو التاريخ.. وآلية عمله.. وهل تحكمه القوانين ويتدفق سير أحداثه، وفق نواميس تنتظم حركته، أم تحكمه العشوائية المطلقة، ولا يقوده أي منطق خاص يخضع للتفسير؟ وإذا كان يخضع سير الأحداث فيه إلى منطق داخلي خاص، فهل يمكن التنبؤ بأحداثه وإدخاله معمل السببية البسيطة؟ وإذا كان كذلك فأين دور الوعي والحرية والإرادة الإنسانية في صنع الأحداث؟ هل يتزامن التاريخ مع التطور نحو الأفضل ويمشي بخطوات تقدمية، أم هل يعيد التاريخ نفسه، فهو هو كما جاء في سفر الجامعة داوود الكل باطل وقبض الريح؟  فهذه حزمة من الأسئلة المصيرية يشكل الجواب فيها إزاحة كبيرة لكثير من المحاصرات العقلية والهموم اليومية، فعندما نرى بلدا ما غارقا في طوفان من المشاكل يحاصره ويهدده بالفناء التاريخي، يسعفنا التاريخ جدا في رؤية بانوراما شمولية، فبقدر زادنا من الرؤية التاريخية بقدر إدراكنا للمغزى العميق للسياق الكوني، وأن هذه الرقعة الجغرافية لن تشذ عن السياق الكوني العام، ورؤية التاريخ ستوسع في رؤيتنا لإمكانيات السيناريو المحتملة لمكان ما، في التطور العالمي الذي يمسك بقبضته مجرى الأحداث.  

 

نافذة:

كل محاولات البشر وكل دموع المعانين لن تغير سطرا واحدا من لوح القدر الذي حبكته أحداث التاريخ وتم تنفيذه من بني البشر الذين هم ممثلو هذا المسرح الكوني الرهيب

 

  

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى