
أحيانا يكون أعظم إنجاز في الرحلة أن يفوتك القطار. تبدو العبارة مستفزة في زمن يقدس السرعة، ويعامل المتأخر خمس دقائق كأنه أضاع مستقبله، لكن المحطات تعرف حكمة لا تدرسها كليات الإدارة: ليست كل حركة تقدما، وليست كل تذكرة فرصة وليس أسوأ ما قد يحدث للمسافر أن يبقى واقفا على الرصيف. الأسوأ أن يصعد، مطمئنا لأنه تحرك، ثم يكتشف، بعد مئتي كيلومتر، أن الحماس كان أسرع من البوصلة.
نحن نخاف الفرص الضائعة أكثر مما نخاف الخيارات الخاطئة. لذلك نتزوج أحيانا لأن العمر يركض، ونقبل وظيفة لأن البطالة محرجة، ونستثمر لأن الجميع يستثمر ونؤيد مشروعا لأن الاعتراض عليه يبدو تشاؤما. المهم أن نصعد، أما الوجهة فتفصيل تمكن مناقشته لاحقا، غالبا عندما يصبح النزول مكلفا، والمحطة التالية بعيدة وصاحبنا أقنع نفسه بأن المنظر من النافذة جميل كي لا يعترف بأنه يسافر في الاتجاه المعاكس.
في الحياة الشخصية التأخر يجرح الأنا، أما الاختيار السيئ فيستنزف العمر. شخص بقي عاما يبحث عن عمل مناسب قد يبدو أقل نجاحا من آخر التحق بسرعة بمؤسسة تلتهم صحته وكرامته، لكن الصور المهنية على الإنترنت لا تعرض ضغط الدم. كذلك العلاقات: الوحدة غرفة انتظار ثقيلة، إلا أنها تظل أرحم من رحلة طويلة بجوار شخص يجعل كل محطة امتحانا للأعصاب. المجتمع، مع ذلك، يهنئ الراكب لمجرد أنه ركب، ثم يسأل العالق على الرصيف بنبرة لجنة تحقيق: ما زلت هنا؟
وفي الاقتصاد تتحول هذه العقدة النفسية إلى سياسة عامة. دولة، تخشى أن يقال إنها تأخرت في قطار الصناعة، قد تنفق المليارات على قطاع لا تملك شروطه، فقط لتحصل على صورة تدشين محترمة وخوذة بيضاء لامعة. بعد سنوات تصبح الخوذة أنجح استثمار في المشروع. المصانع نصف فارغة، الديون كاملة الدسم والتقارير تشرح أن التجربة كانت ضرورية لاكتساب الخبرة. عبارة أنيقة تعني أحيانا: اشترينا أغلى تذكرة كي نتعلم قراءة لوحة المواعد.
الأسواق نفسها تعشق القطارات المزدحمة. حين يشتري الجميع سهما، أو عقارا أو حلما رقميا جديدا، يصبح الوقوف خارج العربة دليلا على التخلف. لا أحد يسأل أين تتجه، لأن عدد الركاب يمنح الوجهة شرعية مؤقتة. ثم يقع الانهيار، فيكتشف المستثمرون أن الجماعة تستطيع أن تخطئ بتنظيم رائع، وأن الطابور الطويل أمام الشباك لا يعني بالضرورة أن الفيلم جيد.
أما السياسة فهي أكثر المجالات ولعا بعبارة: لا يمكن أن نبقى متفرجين، ومنها تبدأ أحيانا الكوارث. حكومات تدخل إصلاحات غير ناضجة لأن التراجع سيبدو ضعفا، وأحزاب تتحالف مع خصومها كي لا يفوتها قطار السلطة، ثم تقضي الولاية تشرح لجمهورها أن المبادئ مرنة لأسباب وطنية. ودول تدخل نزاعات لأنها تخشى كلفة التردد، فتكتشف أن كلفة الحسم المتسرع كانت جيلا كاملا. في تسيير الأمم، الشجاعة ليست دائما إصدار القرار؛ أحيانا تكون تأجيله حتى تنضج شروطه، أو إلغاؤه رغم أن الصحافة طبعت العناوين.
لدينا ميل إلى احترام القرار السريع حتى عندما يكون غبيا. المدير الذي يقول «ننتظر المعطيات» مترددا، بينما الذي يضرب الطاولة ويقرر فورا قائدا، ولو قرر إرسال السفينة إلى الصحراء. نحن نخلط بين الحزم وجودة الاتجاه. والحقيقة أن التاريخ لا يكافئ من تحرك أولا دائما، كثيرا ما يكافئ من فهم أولا. دول كثيرة لم تفشل لأنها افتقرت إلى المشاريع، بل لأنها امتلكت مشاريع أكثر من الأسئلة.
حتى في تدبير المدن، يظهر الهوس نفسه. جسر يبنى لأن مدينة أخرى بنت جسرا، مهرجان يولد لأن الجار لديه مهرجان ومؤسسة تحدث لأن كلمة «مؤسسة» تمنح المشكلة مظهرا رسميا. وبعد مدة نكتشف أن الجسر يقود إلى اختناق جديد، والمهرجان يبحث عن جمهور والمؤسسة تحتاج مؤسسة أخرى لتقييم المؤسسة الأولى. الحركة كثيفة، غير أن المسافة بين البداية والغاية تكاد تكون ثابتة.
المشكلة أن السلطة، مثل الإنسان، تعاني حرج الاعتراف بالخطأ. بعد ركوب القطار الخطأ، يظهر ما يسميه الاقتصاديون كلفة الغرق: لقد أنفقنا كثيرا، إذن يجب أن ننفق أكثر كي لا يضيع ما أنفقناه. هكذا تتحول الحفرة إلى مشروع وطني لتطوير الحفر. ميزانية جديدة، لجنة جديدة، خطاب جديد وربما شعار بصري أجمل. لا أحد يقترح السلم للخروج، لأن السلم سيبدو اعترافا بأننا كنا تحت الأرض.
الحكمة، إذن، ليست في تمجيد التردد. من ينتظر القطار المثالي قد يشيخ على المقعد، حاملا حقيبة ممتازة إلى لا مكان. الفكرة أبسط وأصعب: اعرف وجهتك قبل أن تعتبر الحركة انتصارا. امنح نفسك حق التأخر، وحق المراجعة، وخصوصا حق النزول عندما تكشف الخريطة أنك أخطأت. فالمحطات تعوض، والفرص تتبدل، والوقت، الذي تقضيه منتظرا، قد يكون ثمنا صغيرا مقابل سنوات تقضيها في إصلاح قرار اتخذته فقط لأن صفارة الانطلاق أخافتك.
ليس السؤال: هل فاتنا القطار؟ بل: أي قطار فاتنا؟ قد تكون واقفا على الرصيف تلعن سوء حظك، بينما يبتعد عنك، في الأفق، «سريع الغزالة» الذي كان سيكلفك بقية الرحلة.





