
يونس جنوحي
هناك منتوجات مغربية تطوف العالم، لكنها أحيانا «تُجبر» على انتحال جنسيات أخرى.
ولنبدأ بالزعفران المغربي الذي يتجول في بعض المتاجر الكبرى في المغرب، بعبوة إسبانية. ويصل إلى السوق الأوروبية قبل ذلك، ثم إلى الآسيوية، دون أي أثر يدل على أنه زعفران مغربي من «تاليوين».
زعفران إيران، المنافس التقليدي للمغرب في جودة الإنتاج، يحتفظ على جنسيته، حتى في كندا، بينما زعفران المغرب يحتاج إلى تحقيق وخبراء، لتحديد المسار الذي يقطعه من الطريق الوطنية رقم 7 الرابطة بين تاليوين و«الطرق الأخرى» التي تتولى إخراج الزعفران عالي الجودة إلى العالمية.
الزعفران وزيت الأرگان، آخر المنتجات التي تميز المغرب عن بقية دول العالم، ولم تجد شركات صناعات الأغذية وسيلة بعدُ لإنتاجهما خارج رقعة منطقة وسط المغرب.
الزعفران ينحصر إنتاجه في محيط مدينة تاليوين وقراها المحيطة، بينما الأرگان تحده جبال سوس وسهله، من تارودانت إلى أكادير وينتهي عند حدود الصويرة.
هناك متفائلون من قطاع إنتاج زيت الأرگان بخصوص القرار الصيني الأخير القاضي بإعفاء الواردات الإفريقية من الرسوم الجمركية، ويتوقعون أن «يغزو» هذا الزيت السوق الصينية.
وهؤلاء لا يدركون بعد فلسفلة الاقتصاد الصيني القائمة على فتح السوق قبل ابتلاع كل ما يدخل إليها، ثم السيطرة على قطاعات الإنتاج.
إذا كانت إمبراطوريات مالية لم تصمد طويلا أمام آلة الإنتاج الصينية، فكيف سوف تصمد تعاونيات إنتاج زيت «الأرگان» التي لا تستفيد أساسا من انفرادها بإنتاج الزيت، وتتعرض للسرقة لسنوات متواصلة على يد شركات تستحوذ على سوق تصدير الزيت إلى الشركات العالمية المتخصصة في إنتاج مواد التجميل في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. وهو ما جعل المغاربة يحنون إلى مذاق «أرگان» الذي لم يعد متوفرا للاستهلاك، ووُجه إنتاجه مباشرة إلى صناعة المواد التجميلية.
زيت الأركان إلى حدود بداية الألفية كان غذاء مغربيا خالصا يرتبط بتراث المطبخ المغربي، قبل أن تفطن إليه شركات صناعات مواد التجميل عالية التكلفة، وتنقل عينات منه إلى المختبرات. وعندما بدأت مرحلة الإنتاج الدوائي من هذا الزيت، الذي استهلكه المغاربة ودخل في نظام غذائهم اليومي لقرون طويلة، تحول سوق «أرگان» إلى ما يشبه سوق الذهب والفضة. وبعد أن كان المغاربة يشترون حصتهم السنوية من «أرگان» في البراميل، صاروا يكابدون للحصول على قنينة صغيرة لاستعمالها لأغراض علاجية، وإكرام الضيوف مرة في السنة!
تعاونيات إنتاج زيت الأرگان تتعامل مع شركات تتولى تصدير الزيت إلى الخارج، لاستعماله في إنتاج مواد التجميل التي تباع الآن في كبريات الشركات العالمية، وتتعامل في إعلاناتها الإشهارية مع أشهر نجوم السينما وأعلاهم أجرا.. حيث تتقاضى الفنانات مليون دولار مقابل عقود إشهارية لصالح شركات مواد التجميل المصنعة من زيت «الأرگان».. في المقابل، على ماذا تحصل نساء تعاونيات إنتاج الزيت في منطقة سوس؟ على المزيد من التجاعيد!
الإعفاء الجمركي على المنتجات المغربية في السوق الصينية، لن يزيد إلا من تعميق أزمة إنتاج الأرگان. وحتى لو سُجل ارتفاع في الطلب لدى الصينين، فإن الأمر سوف يقود إلى التهاب الأسعار في الداخل. ولن يستفيد المُنتجون المباشرون للزيت، بقدر ما سوف تنتعش الشركات المتخصصة في نهب المواد الطبيعية. ببساطة لأن أسعار البيع التي تتعامل بها التعاونيات مع «فراقشية» بيع هذا الزيت إلى السوق الدولية، منخفضة جدا مقارنة مع قيمته الحقيقية في السوق.
هناك أيضا نوع من التحكم في السوق المحلية من طرف أصحاب رؤوس الأموال، الذين يحددون للمُنتِج المحلي سعر البيع، وعليه أن يقبل به.. وهؤلاء الأباطرة لا يعنيهم الإعفاء من الرسوم الجمركية، ولا إغلاق مضيق هرمز في وجه أحد.





