
في زمن كان فيه الناس يسألون الطبيب المختص عن الحمى والصيدلي المعتمد عن الدواء والجدة اللطيفة عن وصفة تكثيف الشعر، ظهر على مواقع التواصل جنس بشري غريب يدعى «خبير التغذية». كائن رقمي يستطيع في دقيقة واحدة أن يقنعك بأن الخبز مؤامرة، والحليب سم أبيض، والطماطم مشروع استخباراتي يهدف إلى تدمير هرمونات الذكور. يكفي أن يضع صورة لعضلات بطنه، أو يلتقط فيديو قرب رف مكملات غذائية، حتى يتحول فجأة إلى مرجع عالمي في الكيمياء الحيوية وتاريخ الزراعة وطب الغدد والروحانيات أيضا.
المثير للسخرية أن عالم التغذية نفسه يعيش أزمة هوية حقيقية. فالعلم الذي كان يفترض أن يقدم أجوبة دقيقة، تحول إلى سوق أسبوعي للفوضى. كل سنة تظهر بدعة جديدة، وكل شهر يخرج علينا نبي غذائي جديد يعلن اكتشاف الحقيقة المطلقة. بالأمس كانوا يقسمون أن الدهون تقتل القلب، واليوم يخبرونك أن الزبدة البلدية أقرب إلى الجنة من السلطة الخضراء. في خمسينيات القرن الماضي تم تسويق الهرم الغذائي الأمريكي باعتباره الإنجيل الصحي الجديد، وكانت النشويات تجلس بفخر في القاعدة مثل إمبراطورة متوجة. الخبز والمعكرونة والأرز كانوا أبطال المائدة الحديثة، بينما تم تصوير الدهون كعدو متوحش يتربص بالشرايين. ثم فجأة، وبعد عقود من الانتحار المعكروني الجماعي، اكتشف العالم أن السكر ربما أكثر خطورة من الدهون، وأن شركات الصناعات الغذائية لعبت دور الساحر الذي يغير الحقائق، حسب مصالحه التجارية.
هكذا انتقل العالم من عبادة الكورن فليكس إلى عبادة الأفوكادو. صار البروتين هو الدين الجديد، وأصبحت الدجاجة أهم سياسيا من بعض الأحزاب. يدخل شخص إلى المقهى فيطلب قهوة سوداء مع أربع بيضات، وكأنه يستعد لإعادة فتح الأندلس، ثم ينظر باحتقار إلى الرجل الذي يأكل قطعة حرشة ساخنة، كما لو أنه يراقب شخصا يحقن نفسه بالهيروين.
أما الريجيمات الحديثة فقد تحولت إلى طوائف عقائدية أكثر منها أنظمة غذائية. أتباع الكيتو يتعاملون مع التفاحة كما لو أنها قنبلة نووية. وإذا تجرأت وقلت لأحدهم إن جسد الإنسان يحتاج أحيانا إلى القليل من الكربوهيدرات، سينظر إليك بنفس الصدمة التي ينظر بها مؤمن متشدد إلى ملحد في ندوة دينية. وفي الجهة المقابلة يقف أتباع الصيام المتقطع، أولئك الذين يحسبون ساعات الجوع بدقة موظف ضرائب، ويعتبرون وجبة الفطور خطيئة أخلاقية تهدد مستقبل البشرية.
ثم جاء نظام الكارنيفور ليقنع الناس بأن الإنسان خلق أساسا ليأكل اللحم فقط، وكأن التاريخ الزراعي الطويل للبشرية كان مجرد سوء تفاهم. أحدهم يأكل كيلوغراما من اللحم يوميا ويحدثك عن الصفاء الذهني، بينما آخر ينصحك باتباع نظام المغول، وثالث يشرح فوائد حمية الإسكيمو، رغم أنه لم يغادر «حومتهم» في حياته. والحقيقة أن معظم هذه الحميات لا تنتشر بسبب قوتها العلمية، بل بسبب قوة التسويق والخوف الجماعي من السمنة والشيخوخة والموت.
وسط هذا السيرك الغذائي، ظهر أيضا من اكتشف العبقرية التسويقية الكبرى: خلط التغذية بالدين. وهنا يصبح أي نظام غذائي أكثر إقناعا، إذا تمت إضافة بعض المفردات الروحانية إليه. لذلك نجح الدكتور المصري ضياء العوضي في جذب جمهور واسع، ليس فقط لأنه يقدم نصائح غذائية، بل لأنه يضعها داخل غلاف ديني يمنحها سلطة أخلاقية ونفسية مضاعفة. فالناس قد يشككون في الطبيب، لكنهم يترددون كثيرا قبل التشكيك في خطاب يلامس المقدس ويستدعي مفاهيم البركة والشفاء واليقين.
المثير للاهتمام أن هذه الحروب الغذائية لا تدور داخل المختبرات والجامعات، بل في التعليقات المباشرة وتطبيقات الفيديو القصير. امرأة تنشر وصفة شوفان، فيأتي جيش الكيتو ليعلن أن ما تفعله جريمة ضد الإنسولين. شاب يتحدث عن فوائد التمر، فيظهر محارب كارنيفور غاضب ليشرح أن الإنسان الحقيقي يجب أن يعيش على اللحم والملح والماء فقط، وكأنه جندي ضائع في سهوب منغوليا. أما الخوارزميات فتستمتع بالفوضى، لأنها تعرف أن الخوف يحقق المشاهدات أكثر من العقل. كلما أخبرك أحدهم أن طعاما معينا سيدمرك ببطء، ارتفعت نسب التفاعل وانهالت الإعجابات.
المفارقة أن أجدادنا، الذين كانوا يأكلون ببساطة شديدة، عاش كثير منهم دون أن يعرف معنى «الديتوكس»، أو «حرق الدهون العنيدة»، أو «نافذة الأكل». كانوا يتحركون أكثر، ويستهلكون منتجات أقل تصنيعا، وينامون دون متابعة عشرين خبيرا يصرخون في وجوههم يوميا. أما الإنسان المعاصر، فقد صار يقضي وقتا أطول في تصوير وجبته وتحليلها ومحاسبة نفسه عليها، أكثر مما يقضيه في الاستمتاع بها فعليا. وهكذا تحول الطعام، الذي كان يوما مصدر متعة ودفء اجتماعي، إلى معركة نفسية مفتوحة لا تنتهي.
وربما لهذا السبب تحديدا لم تعد المشكلة في الطعام نفسه، بل في علاقتنا الهستيرية به. لقد أصبح الأكل امتحانا أخلاقيا يوميا، وصارت قطعة الحلوى تشبه اعترافا بالخطيئة، بينما تحول طبق السلطة إلى إعلان تفوق أخلاقي على الآخرين. وفي عالم كهذا، لا عجب أن يشعر الإنسان بالحيرة كلما فتح هاتفه، لأن كل خبير جديد يأتي حاملا معه نهاية العالم داخل صحن صغير. مع كثير من الدراما اليومية.





