
ولد عبد الكبير التيسير بالدار البيضاء سنة 1957، بدأ مشواره الرياضي في ملاعب أحياء المدينة القديمة وبوركون، ومارس السباحة في المسبح البلدي.
التحق بفريق نادي الميناء البيضاوي، وكان يمارس في القسم الوطني الثاني. تألق عبد الكبير بشكل سريع وسجل أروع الأهداف، في هذا الفريق، الذي ترعاه إدارة ميناء الدار البيضاء، سطع نجم التيسير ضمن مجموعة لاعبين سيحملون لاحقا قميص المنتخب الوطني.
رافقه في رحلة نادي الميناء البيضاوي كل من ميري كريمو وشقيقه مصطفى وبوقشوش وكالا والملياني وغيرهم من الأسماء التي صنعت مجد الفريق، وبفضل تألقه الملفت سارعت مجموعة من الفرق لضمه إلى صفوفها، خاصة وأنه كان يتميز بيسرى ساحرة ولياقة بدنية عالية، ما أجبر عددا من مدربي الفرق المغربية على متابعته.
نجح فريق المغرب التطواني في استقطاب التسيير، فبدأ رحلة الألف ميل من شمال المملكة، لكن مقامه في «الحمامة البيضاء» لم يدم إلا موسما واحدا كان للاستئناس بمناخ القسم الأول وجس نبض الخطوط الدفاعية، قبل أن يتلقى دعوة فريق الجيش الملكي إلى صفوفه، لتستمر رحلة أخرى أكثر إشراقا.
مع «العساكر» تحول عبد الكبير من لاعب كرة يصنع الفرجة إلى مقاتل يبحث عن الفوز ويؤجل الفرجة إلى ما بعد ضمان الألقاب، سيما بوجود جيل من اللاعبين الذين حملوا على أكتافهم مجد فريق سيطر في منتصف الثمانينات على المشهد الكروي المغربي وامتدت سطوته إلى المنتخب المغربي.
ولأنه بيضاوي الولادة والنشأة، فإن الرجاء الرياضي دعاه لإنهاء رحلة الاستغراب، بين تطوان والرباط، وعرض عليه الانضمام لفريق أحوج إلى لاعب بقيمة التيسير لياقة وسرعة وقوة في التسديد.
مع جيل ظلمي ونجمي والحداوي، والسوادي وموحيد والصديقي، ساهم «الفتى الأسمر» في تكريس مفهوم جديد للفرجة، وانضم إلى جوقة الأخضر ليتحول إلى نسر في سرب نسور خضراء، خاصة وأن الرجل كانت تربطه علاقات إنسانية مع أبرز نجوم الرجاء وهم من أقنعوه بارتداء اللون الأخضر.
ولأنه خرج من فريق الميناء، ظل عبد الكبير مثل المركب يبحث عن مراسيه الجديدة، حيث انضم لجمعية الحليب أملا في الحصول على وظيفة بعد أن غادر طوعا وظيفته في مكتب الموانئ، وحين تعذر عليه تحقيق هذه الرغبة سعى لإنقاذ حياته من الكساد وانضم إلى جمعية الحليب سنة 1986، قبل أن يختم مشواره الكروي لاعبا في شباب المحمدية الذي كان آخر مرسى في مساره الكروي.
بين هذه التجارب الخمسة: المغرب التطواني والجيش الملكي والرجاء الرياضي وجمعية الحليب ثم شباب المحمدية، لم يجد عبد الكبير فضاء يضمن له وظيفة تقيه من عاديات الزمن، سيما وأنه نذر كل حياته للكرة.
عبد الكبير التيسير، الذي جاب البطولة المغربية طولا وعرضا، لعب في كثير من المدن المغربية وحمل قمصان فرق عديدة مختلفة الألوان والطموحات، دون أن يتمكن من مسح اللون القاتم الجاثم على محياه بسبب جفاء مسيري زمن كان فيه اللاعب أشبه بـ«ماكينة» تحال على مستودع المتلاشيات كلما علاها الصدأ.
بعد أن أعلنت اللجنة المؤقتة، المكلفة بتسيير كرة القدم المغربية، تغيير ملامح المنتخب والاستعانة بوجوه متألقة في الدوري المحلي عقب الهزيمة أمام المنتخب الجزائري سنة 1979، سينال عبد الكبير شرف الانضمام إلى صفوف المنتخب الوطني، دعاه المدرب الفرنسي فونتين للدفاع عن القميص الوطني، قضى ستة أعوام مع «الأسود»، وحقق معهم الفوز بدوري ماليزيا ودوري بكين، وكان أحسن جناح أيسر خلال تصفيات مونديال إسبانيا. بصم اللاعب على حضور فعال في الساحة الرياضية الوطنية.
حالت إصابة على مستوى الكاحل دون مشاركة عبد الكبير في دورة كأس أمم إفريقيا 1980 بنيجيريا، على الرغم من مشاركته في التصفيات المؤهلة إلى هذا الحدث القاري، فتابع المباريات عبر المذياع بكثير من الأسى.
لكن في زمن الهواية، فإن صفة لاعب دولي سابق لا تطعم جائعا، بل إن التيسير أصبح إسما على غير مسمى، في زمن تنكر له اليسر والتحم به العسر. لم يكن يومها يعلم أن التاريخ يخفي له موعدا مع اعتزال بغيض.
بعد أن توقف مساره الكروي تحول إلى لاعب يؤثث مباريات التكريم مع اللاعبين السابقين، وفي دروب المدينة القديمة للدار البيضاء لم يعد وجود عبد الكبير التيسير يجلب اهتمام المارة، إذ ظل يمشي مطأطأ الرأس كل يوم صوب ملعب صغير ليلقن الأطفال دروسا في لعبة كرة القدم، راضيا بقدره الذي حوله من نجم إلى اسم نكرة في زحمة المكان.
في خطوات عبد الكبير تثاقل ملحوظ، وكأن الرجل يحمل على ظهره أعباء هذا الزمن الجاحد، وفي عينيه طريق يقود إلى نفق لا مخرج منه، لأن مسيرته الرياضية لم تضمن له مسكنا ووظيفة. عاش بعد الاعتزال عاطلا عن العمل لسنين، وصارع المرض قبل أن يتوفى سنة 2015 في أحد مستشفيات الدار البيضاء، مخلفا وراءه أربعة أبناء، ثلاث من بناته يمارسن ألعاب القوى.
رحل التيسير في صمت وهمش من قبل الجامعة الملكية ومسؤولي الأندية العديدة التي لعب لها وحمل قميصها، ولم يتلق أي التفاته حيث قضى آخر أيامه قبل أن يطرحه المرض على الفراش مثل بائع للسمك وكأنه كان يعود، من حيث لا يدري، إلى الميناء الذي انطلق منه.





