
يونس جنوحي
رغم أن حرارة يوليوز في لندن لعام 1706 لم تكن تُقارن بحرارة قصر مكناس أو تطوان، فإنها كانت أشدّ على نفس سفيرنا أحمد قردناش.. فقد أصبح وضعه مُحرجا يوم 23 يوليوز عندما وصل إليه خبر إقدام قراصنة سلا على اعتقال خمسين بريطانيا كانوا على متن باخرتين إنجليزيتين. وفي الوقت الذي كان سفيرنا يقيم على نفقة الملكة «آن»، ويُعد لاجتماعات معها ومع مستشاريها لإبرام الصلح باسم السلطان المولى إسماعيل، كان الأسرى في طريقهم من سلا إلى مكناس، برّا، مُكبلين بالسلاسل.
لحسن حظ السفير، نسبيا، أنه كان أحضر معه، عند وصوله إلى بريطانيا، اثني عشر أسيرا فرنسيا، عربون حُسن نية.. وحاول سفيرنا أن يبرر ما وقع بأنه خطوة منفلتة أقدم عليها قراصنة سلا، ولا علاقة لها بأي تصعيد أو موقف يُساء فهمه من الجانب البريطاني.
عندما وصل سفيرنا إلى بريطانيا، منذ شهر أبريل من السنة نفسها، كان أحضر معه هدايا من المولى إسماعيل للملكة «آن»، وعُرف الملوك كان تقديم الهدايا عربون استعداد لإبرام الصلح.
يسجل الأرشيف البريطاني الرسمي جردا بالهدايا التي جاء بها السفير أحمد قردناش، ونُشرت لائحة بها واطلع عليها سكان لندن.
كانت تلك الهدايا عبارة عن صندوق مليء بالملابس المغربية، هدية من السلطان المولى إسماعيل إلى الملكة «آن» وزوجها. وهي ملابس من الحرير والأثواب الفاخرة المرصعة، وسيف من الذهب الخالص وحزم من الجلود المغربية المصبوغة.. وصندوق آخر من أفخر أنواع الأثواب والمحارم الحريرية.
لم تقف الملكة «آن» كثيرا عند مسألة وقوع خمسين بريطانيا في الأسر بين يدي المغاربة، في الوقت الذي كان يفاوضها سفير المولى إسماعيل على مضامين معاهدة السلم.. وبقي سفيرنا «عالقا» في لندن، ينتظر إتمام المهمة التي جاء بشأنها.
كان الوقت عدوا للسفير أحمد قردناش، حتى أنه عندما حلّ شهر أكتوبر -بعد أن قضى سبعة أشهر- كان السفير بدأ يفقد أعصابه وبدا عليه عدم ارتياح في الإقامة. انتبه المسؤولون الإنجليز، الذين كانوا مكلفين بالتنسيق بينه والملكة «آن»، ونقلوا إليها ما كان يعانيه من الخدم.
سجل الإنجليز كل تفاصيل الظروف المتعلقة بـ«يوم السفير وليلته». ويذكر الأرشيف البريطاني الرسمي أن السفير قردناش ظل يشكو من الخدم الذين جاء بهم معه والخدم الآخرين الذين وضعتهم الملكة «آن» تحت تصرفه.
والطريف أن امتعاض السفير من الخدم البريطانيين والمغاربة أيضا، تطور، ولم يعد مجرد سلوك أو إبداء لعدم الرضى.. إذ أن السفير طلب من المسؤولين البريطانيين أن يفاتحوا الملكة «آن» في موضوع الخدم الذين وضعتهم رهن إشارته، ويطلب إذنها في أن يعاقبهم حسب «الأعراف المغربية»..
نقل الإنجليز إلى الملكة، بطلب منه، هذه العبارة: «.. ويرجو أن تُصدروا أوامركم بتخويله بعقاب من يشاء أو يتم عقابهم على أساس قوانيننا»..
المثير أن السفير طلب أن يودَع اثنان من الخدم المغاربة، الذين جاء بهم ضمن الوفد الرسمي، السجن، عقابا لهما على عدم تنفيذ تعليماته داخل الإقامة التي خصصتها له الملكة «آن».
نفذ الإنجليز طلب السفير المغربي، ونقلوا إلى الملكة، أيضا، أنه -أي السفير- طرد اثنين آخرين خارج الإقامة ولم يسمح لهما بالمبيت في المكان المخصص للخدم، وتعقبهما المسؤولون البريطانيون ليكتشفوا أنهما يبيتان في شوارع لندن، ولم يسمح لهما السفير بالمغادرة صوب المغرب رغم توسلاتهما..
قد تكون المصادر البريطانية بالغت في تسجيل «ارتباك» السفير قردناش أو انفعاله بعد أن رأى أن مسار التفاوض مع الملكة «آن» لا يسير كما تنص رسالة المولى إسماعيل..
ولم يكد سفيرنا يلتقط أنفاسه، من معاناته مع الخدم، حتى أخبرته الملكة «آن» بشكل صريح ومباشر أنها ترفض رفضا قاطعا التحالف مع المولى إسماعيل لقتال الإسبان وإخراجهم من مدينة سبتة.. أي أن مهمة أساسية من المهام التي جاء السفير لتسويتها في لندن باءت بالفشل، ولم يعد ممكنا نهائيا إثارتها مع الملكة «آن».
بررت الملكة «آن» موقفها للسفير المغربي بأنها متحالفة في الوقت الحالي مع «شارل الثالث»، وأن قتالها لإسبانيا في نقطة سبتة قد يساء فهمه من طرفه. ووعدت سفيرنا بأنها في المستقبل سوف تعمل على الوساطة بين المولى إسماعيل و«شارل الثالث» بمجرد أن تتوطد دعائم حُكمه، وينهي الصراع حول العرش مع إخوته وأبناء عمومته.. كان الأمر أشبه بانتظار ما لا يمكن أن يقع. فقد كانت إسبانيا، مثل بقية أغلب عروش أوروبا في ذلك الوقت، تمر بفترة صراع مفتوحة حول الحكم.. وما جعل مصير التحالف مع المغرب معلقا على عرش أمير من الأمراء، سوى مناورة من الملكة «آن» لربح الوقت.. العامل الوحيد الذي أنهى صبر سفيرنا في لندن.





