حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةتقارير

عبد الكريم جويطي كرة القدم كما لعبتها وشاهدتها:الحكام

1ـ حكم الوسط

السلطة العليا في الملعب، وممثل القانون، صاحب البدلة السوداء الأشبه ببدلة القاضي والمحامي، وصاحب الصفارة التي يدير بها الملعب كما يدير شرطي مرور زحاما، وحده يملك سلطة تقديرية لتحديد الخطأ من عدمه ولتحديد نوع العقوبة. هو من يخرج اللاعبين من المستودع، وهو من يعيدهم إليه، وهو من يوقف المقابلة حين يرى مبررا لذلك. إنه الحاكم بأمره والمؤتمن على تنفيذ القانون، يساعده في ذلك حكما شرط وحكم رابع، وكلهم تحت سلطته، فهو من يقرر، يساعده حكما الشرط في تحديد الشرود وفي التنبيه إلى أخطاء في الحيز القريب منهما، وعليه هو أن يقوم بالباقي. ولأن اللعبة تمضي سريعة مثل الحياة فإنه لا يملك إلا حدة نظره وسرعة بديهته وقدرته على الجري لكي يكون قريبا لاتخاذ القرار الصائب. وبالمطلق، لا توجد في كرة القدم قرارات صائبة تحقق اجتماعا كاملا من حولها، الكرة مجال أهواء وانتماءات وعمى وعاطفة وتعصب، ولا أحد وسط غابة المشاعر المتناقضة يقبل بأن هناك فردا باردا وصارما يطبق القانون بحذافره. يعرف الحكم جيدا بأن بعض قراراته ستحطم قلوبا وستحرك سيلا من الدموع، بل يمكنها أن تفتح على شعب برمته أبواب اكتئاب طويل لكن لا مفر من اتخاذها، إن كان نزيها. يطلب دوما من الحكم ما يطلب من القاضي: أن يكون بلا قلب ولا رحمة، غير أن القاضي يحكم جالسا مستريحا في قاعة صغيرة بها قليل من الناس الصامتين والخاشعين، بينما على حكم الكرة أن يجري بسرعة الكرة، وأن يتموضع في المكان الصحيح، وأن يكون قريبا جدا مما يجري، وما يجري سريع جدا ولمتابعته ينبغي أن يكون للحكم قلب عداء ونظرة صقر، ووسط الأرجل والالتحامات ونزق الكرة، عليه أن يطلق صفارته بالقرار الصحيح. ليس في الكرة استئناف وملفات ومرافعات، إنها هواء مسعور بين أرجل والحكم هو من يفصل بينهما بسلطته التقديرية. كثيرا ما ينسى جمهور الكرة المتعصب أن الحكم بشر، بقدرات محدودة، يمكنه أن يخطئ ويصيب، ثم إن كرة القدم فضاء مفتوح على الالتباسات والغموض وعلى الأوضاع التي يكون فيها إصدار حكم صعبا، بل مستحيلا. ودوما هناك مظلوم في قرارات بعينها، ودوما هناك لاعب ينجح في خداع الحكم، خداعا كاملا، لكنها الكرة، مثلها مثل الأيديولوجيا يدثر فيها الواحد أهواءه ونقصه وتعطشه للانتصار بادعاء الحق والمظلومية. ومثلما تنهي معركة أخيرة مجد قائد عسكري كبير، راكم الانتصارات والأمجاد، فمن شأن خطأ واحد فادح أن ينهي أمجاد حكم مشهود له بالعدل والكفاءة، مجد هائل فيه خطأ فادح واحد، ويمكن لشعب معين أو جمهور فريق أن يغفرا حربا أهلية ولن يغفرا لحكم ما رأيا أن خطأه حرم منتخبا أو ناديا من كأس أو بطولة أو تأهل لنهايات. خطايا الكرة مقدسة لا تغتفر أبدا.

 

2ـ حكم الشرط الأول

يكون في العادة قصير القامة، يجري وهو يحمل علما صغيرا، عينه على الكرة وعلى خط المدافعين لتحديد حالات الشرود وعينه أيضا على الكرة حين تخرج خارج الملعب. عليه أن يخلق دوما بنظره خطا افتراضيا يقيس به الحالة. يكون في الجهة القريبة للمستودع، ويجري أمام الطاقم التقني واحتياطيي أحد الفريقين مما يعرضه دوما لعواصف احتجاجهم، لكنه يكون أيضا قريبا من الحكم الرابع ومراقب المباراة ويحتمي بهما حين يهبان للدفاع عنه. لا يدخل حكم الشرط مساحة الملعب إلا نادرا ولوقت قصير جدا. يعبد حكم الشرط الخط، ويخلص له بشدة، عليه، وهو يجري وعيناه على الكرة واللاعبين، أن لا يبتعد عن الخط، عذابه مع الخط أشبه بقصة كاتب سوري لرجل اتهم من طرف حزب البعث بخروجه عن الخط وتعرضه لمضايقات شديدة، ولأنه لم يفهم كيف يخرج الواحد عن خط ما، فقد صار يسير في الشوارع متتبعا خط الطريق لا يحيد عنه قيد أنملة ليثبت حسن نيته. إن كان حكم الوسط يتتبع الكرة أينما ذهبت فحكم الشرط يتتبعها في علاقتها مع خطوط سواء حقيقية أو افتراضية. إنه طبوغراف الملعب وحارسه الخارجي الذي يراقب كل ما يدخل له ويخرج منه، ويراقب كل من يشرد أثناء اللعب.

3ـ حكم الشرط الثاني

يكون في الجهة المقابلة بعيدا جدا، لذلك يستفرد به الجمهور ويصب عليه جام غضبه، كثيرا ما يُرى هذا الحكم هاربا أو حاملا حجرا أو قنينة بلاستيكية ليريها لمراقب المباراة. يدير ظهره بشكل دائم للجمهور وهذا ما يمنعه من تلافي ما يلقى عليه. هو أكثر شخص مظلوم في هيئة التحكيم، وخصوصا في الملاعب الشرسة التي يخاطر فيها الواحد بحياته. كلما اجتاح جمهور غاضب الملعب يكون هو في أبعد نقطة عن الأمان ويطلق ساقيه للريح. لا يحترم جمهور الكرة حكم الشرط، وكثيرا ما يحاول أن يفسد العلاقة بين حكم الوسط وبينه، كثيرا ما يقولون له بأنه غشاش ومتواطئ. لا يحتج الجمهور إلا على من بيده السلطة أما من يساعده في ممارستها فإنه لا يتلقى سوى السباب وعلب المشروبات الفارغة.

مراقب المقابلة

يلبس بدلة أنيقة كأنه مدعو لعرس، يمسك قلما وأوراقا ومن حين لحين يكتب ملاحظات. لا يؤثر في مجريات الأمور لكنه يرى ويسجل وسيكون لما كتبه أثر بالغ لما بعد المقابلة، هو من يكون وراء العقوبات التي تسلط على الفرق وعلى الجماهير،  وهو من يتسبب في إغلاق ملاعب، وهو من يقول الكلمة الفصل في ما جرى لكن بعيدا عن الملاعب. يلعب مراقب المقابلة دور الملك الذي يحصي على الإنسان حركاته وسكناته، إنه ممثل جهة الحساب والثواب والعقاب. يتلقى المراقب الشكاوى والاحتجاجات ولا يملك للتخفيف من حدتها أو إيقافها إلا ذلك التظاهر المسرحي بأنه يدون كل شيء. حين يخرج مراقب المقابلة وسط طاقم التحكيم ولاعبي الفريق يبدو كمدير ثانوية يؤطر بحضوره لعبا للفتيان. يحترم مسيرو الفرق مراقب المقابلة ويعرفون خطورة تقاريره، لذلك كلما حدثت واقعة حرصوا على استرضائه ومحاولة التأثير على ما سيكتبه. وفي الأقسام الدنيا التي تنتهي مقابلاتها، في الغالب، بالشجار واجتياح الجماهير للملعب والمطاردات الدامية، لا ينتبه أحد وسط كل تلك الفوضى لرجل أنيق ضائع ومعزول يحضر نفسه ليصف القيامة الجارية أمامه.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى