حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

ستيفان زفايغ والمدرسة المغربية 

يسرا طارق

مقالات ذات صلة

في يوم انتحار زفايغ 22 فبراير 1942، أرسل إلى ناشره كتابه الأخير (عالم الأمس)، الذي ضمنه مذكراته وآخر ما يمكن أن يقوله من كلمات عن عالم متوحش، دفعه هو وزوجته للانتحار، احتجاجا على الأهوال التي كانت تجري آنذاك في أوروبا. أحس زفايغ بأنه لم يعد له ما يفعله «بعد أن توارى عالم لغتي عني، ودمرت أوروبا، موطني الروحي، نفسها»، كما كتب في رسالة الوداع. وصل زفايغ متعبا جدا إلى البرازيل، ورغم أنه قوبل بحفاوة كبيرة، تليق بمكانته وشهرته، لكن السم الذي تجرعه، شيئا فشيئا، وهو مشرد، ينقل حقائبه من مكان لمكان، بحثا عن سكينة نائية، وهو مثقل برؤية: «لقد دنست أعز الأهداف علي، الهدف الذي كرست له كل طاقة إيماني أربعين عاما، أي اتحاد أوروبا، وما كنت أخشاه أكثر من الموت، أي حرب الكل ضد الكل، قد أطلق لها العنان مرة أخرى»، كان يفتك به، بلا رحمة، حتى أوصله لحقيقة استحالة الاستمرار في عالم لم يعد جديرا بالحياة. يمكن اعتبار مذكراته، هذه، عالم الأمس، رسالة وداع طويلة وحزينة، حاول فيها زفايغ أن يستعيد مسار حياته في أدق تفاصيلها، بتركيز شديد على ما يسميه: «الأيام الخطيرة في الحياة [لأنها] أشد توهجا من الأيام العادية»، ولعل أهم ما يثير الاهتمام في حكي زفايغ لماضيه، هو ذلك الفصل الطويل والدقيق الذي خصصه لسنوات دراسته، والذي، ومع الفواصل التاريخية والجغرافية الكبيرة التي تفصل مغرب ما بعد الاستقلال عن إمبراطورية النمسا-المجر، وعن فيينا، أواخر القرن التاسع عشر، والبدايات الدامية للقرن العشرين، فإن مجمل ما كتبه زفايغ عن المدرسة، بكل درجاتها، التي درس فيها، يمكن قوله عن المدرسة المغربية، فما تعلمه يقوم على أساس: «احترام الموجود بوصفه كاملا، ورأي معلمنا بوصفه معصوما، وكلمات والدنا بوصفها غير متناقضة، وتدابير الدولة بوصفها مطلقة وصحيحة إلى أبد الآبدين.. كان يرسخ في أذهاننا منذ البداية، نحن الذين لم نكن قد أنجزنا شيئا في الحياة، وكنا مفتقرين إلى تجربة تماما، بأن علينا أن نشكر للآخرين ما يتفضلون به علينا، ولا يحق لنا أن نسأل ونطلب شيئا». هذه المدرسة المملة والمسطحة، والتي يقوم منهاجها على التلقين، والتي تريد أن تنتج جحافل من الببغاوات، إذ أن رسالتها لم تكن هي رعاية مشاعر وسلوكات الأطفال ودفعها للتفتح، وتسليحها بأدوات مواجهة العالم بكل ثقة واعتداد بالنفس، وإنما رعاية الامتثال والخنوع، في عرف هذه المدرسة: «لم يكن مهما أن نكون سعداء أو غير سعداء، إذ أن رسالتها في تلك الأوقات لم تكن في الحقيقة أن تسهم في تقدمنا بل في تأخير نمونا، وألا تصوغنا من الداخل، بل أن تعدنا بأقل ما يمكن من التعارض مع الخطة المرسومة، وألا تزيد مقدراتنا، بل أن تخضعها للتسطيح». ولا يمكن لمدرسة كهذه إلا أن تنتج الضجر والملل، وتكون أعظم لحظة في علاقة التلميذ بها، هي تلك التي يخرج فيها منها لعطلة ما.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى