عندما بنى روزفلت حملته الانتخابية على أزمة في «جبالة» المغرب
البيت الأبيض دفع 70 ألف دولار مقابل حرية «بيرديكاريس»

يونس جنوحي
«في أواخر شهر ماي 1904، رست على شاطئ طنجة الهادئ، ست بوارج أمريكية مقاتلة، موجهة مدافعها صوب المدينة وأهلها.
السبب أن الريسولي، كان قد اختطف ثريا أمريكيا يعيش في طنجة اسمه «بيرديكاريس»، وطالب بفدية مقابل إطلاق سراحه.
لم يقبل الأمريكيون هذا الابتزاز، وفضلوا الحل العسكري، لكنهم بعد خمسة أسابيع رضخوا لمطالب الريسولي ودفعوا 70 ألف دولار نقدا، مقابل حل الأزمة التي بنا عليها الرئيس الأمريكي «ثيودور روزفلت» حملته الانتخابية. فلم يكن يملك التراجع، بعد أن جعل القضية وطنية، وتهم كل الأمريكيين.
النهاية التي آلت إليها القصة تركت تساؤلات كثيرة.. هل يعقل أن يكون الريسولي قد اتفق مع «بيرديكاريس» على تمثيلية الاختطاف؟ لقد عرض الرجلان معا المغرب لحرب وشيكة، قادتها بريطانيا وأمريكا..».
كواليس دفع أمريكا 70 ألف دولار لصالح الريسولي
كان الأمريكيون يعتبرون حادث اختطاف «بيرديكاريس»، في شهر ماي 1904، قضية وطنية.
لكن الحقيقة أن الأمريكيين ورطوا أنفسهم في القضية، عندما قرر «ثيودور روزفلت» استغلالها لحملته الانتخابية، لتصبح قضية وطنية غير مسبوقة.
ما وقع أن الريسولي كان يعاني من تبعات سياسة الدولة المغربية ضده، بعد حرمانه من السلطة على منطقة «جبالة»، وتعيين خليفة سلطاني لا يخدم مصالح الريسولي هناك.
وفي المقابل، كان الإسبان قد شدوا الحبل ضد الريسولي أكثر مما يجب، بعد أن كان حليفا «غير مسبوق» لهم.
شعر الريسولي أنه يتعين عليه الانتقام، فما كان أمامه سوى الإقدام على احتجاز «بيرديكاريس».
لم يكن هناك أي توتر مسبق بين الرجلين، كما أن «بيرديكاريس» لم يكن يمارس أي نشاط عسكري لصالح أي قوة أجنبية في المغرب، كما أن مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في طنجة لم تكن تتقاطع نهائيا مع مصالح إسبانيا التي يناصبها الريسولي العداء.
كان بإمكانه اختطاف شخصيات إسبانية تعج بها طنجة الدولية، لكنه اختار الثري «بيرديكاريس»، وراج لاحقا أن هناك «تواطؤا» بين الرجلين.
عندما وصل الخبر إلى أمريكا، قرر «ثيودور روزفلت» أن يجيش الرأي العام الأمريكي، وأرسل ست بوارج أمريكية لمحاصرة طنجة، والضغط لإطلاق سراح الثري بيرديكاريس.
لكن رغم الضغط الإعلامي الذي مارسه الرئيس الأمريكي، الذي أطلق وقتها شعار: «بيريديكاريس حيا أو الريسولي ميتا»، إلا أن الريسولي لم يرضخ للضغوط، رغم لجوء المخزن إلى الضغط عليه لإطلاق سراح الرهينة. وبدل ذلك، فر الريسولي ورجاله، ومعهم الأسير وأسرته، إلى منطقة منيعة داخل جبالة، يتمتع فيها الريسولي بسيطرة كاملة على المنافذ، وهو ما جعل مهمة مهاجمته بغتة أو محاصرته، مستحيلة.
استمرت الأزمة طوال خمسة أسابيع كاملة، إلى أن قرر الأمريكيون في الأخير الرضوخ لطلب الريسولي، حتى لا يغامروا بمقتل الأسير الذي وصل اسمه إلى كل بيت أمريكي.
دفعت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية 70 ألف دولار لصالح الريسولي، وأطلق سراح «بيرديكاريس»، وحصل من السلطة المغربية على تفويض لكي يصبح ممثل السلطان الشرعي في جبالة، وحاز سلطة واسعة صفى بها حساباته مع خصومه من القواد الذين ناصبوه العداء.
خرج الريسولي منتصرا، وخرج المخزن منتصرا أيضا، لأنه ضم إلى صفوفه مقاتلي الريسولي الذين كانوا مصدر متاعب كبرى للقبائل الموالية للمخزن في زمن المواجهات.
كما أن «بيرديكاريس» خرج منتصرا أيضا، بعد أن اكتسب شهرة واسعة دوليا، وحافظ على مكتسباته في طنجة. إذ لم تصادر أملاكه ولم يطله أي عقاب محلي، رغم أنه كان وراء التهديد الذي طال المغرب من طرف الولايات المتحدة وبريطانيا في آن معا.
وهو ما يرجح فرضية وجود اتفاق مسبق بين الريسولي و«بيرديكاريس»، رغم أنه مخطط لم تكشفه الوثائق.
«حي النصارى».. الرواية التي كذّبت مزاعم الابتزاز
عندما أصبحت قصة اختطاف الريسولي للثري «بيرديكاريس» على صفحات الجرائد الأجنبية، ابتداء من يوم 18 ماي سنة 1904، حاولت بعض التمثيليات الأجنبية في المغرب الركوب على الحادث، والتذرع بمحاولة حماية رعاياها في البلاد، خصوصا بريطانيا التي أرسلت بارجة بحرية، وعززت وجودها في طنجة الدولية من خلال استنفار المفوضية، وتوجيه المسؤولين إلى ضرورة تتبع قضايا الرعايا البريطانيين ضد المغاربة.
فقد كانت المحاكم تتوفر على ملفات نزاعات بين تجار إنجليز وخصوم مغاربة. ولم يكن البريطانيون يترددون في التعبير عن استعداد القناصلة لدعم هؤلاء البريطانيين، بل وفرض غرامات ثقيلة على المخزن في أحايين كثيرة، كتعويض لرعاياهم الإنجليز على خلفية تلك النزاعات مع المغاربة.
لكن شهودا إنجليزا وأمريكيين، كذبوا مبكرا مزاعم تعرض الأجانب لاعتداءات في المغرب، سيما بعد سنة 1880، حيث ادعى أوروبيون أنهم تعرضوا لاعتداء في المغرب، فقط لكي يضغطوا على السلطان المولى الحسن الأول ليدفعوه إلى صرف تعويضات لصالحهم.
في سنة 1897، أصدر مغامر بريطاني اسمه «آرثر كامبيل»، مذكرات عنوانها «A ride in Morocco»، وجاء فيها ما يفيد بأن مدينة تطوان كانت تتوفر على حي للنصارى، لا يتعرضون فيه لأي اعتداء. وكانت هذه المعلومات وقتها صادمة للقارئ البريطاني والأمريكي، خصوصا في ظل انتشار الرواية الرسمية المغلوطة التي تروج لها حكوماتهما بشأن السلامة الجسدية لمواطنيهم في المغرب.
وهنا أقوى مقطع من شهادة هذا الكاتب والمغامر الذي تجول في شمال المغرب في عز تنامي الاتهامات للقبائل المغربية باختطاف الأجانب والاعتداء عليهم:
«ما إن اتخذنا الطريق على اليمين واتجهنا صوب الزنقة التي تقود إلى حي «النصارى»، حيث يوجد «نُزل» هناك، حتى اصطدمنا بجماعة من الشبان والأطفال اجتمعوا حولنا وبدؤوا يضربون البغال ويطلبون منا المال ويلحون في الطلب، رافعين أصواتهم وضحكاتهم على طول الرصيف.
«الفندق»، أو النُزل الذي وصلنا إليه، كان في ملكية الإسبان. واسمحوا لي أن أقول إنه مهما كانت الرحلة متعبة وغير مريحة في المغرب، فإنه بالمقدور الحصول على سرير نظيف وعشاء جيد في تطوان. كان النُزل جيدا، كان على هيئة بناء مربع من طبقات، وفي كل طبقة توجد ثلاث غرف، حيث كان يبدو من بعيد كبرج.
كنت متعبا كفاية لأسقط من شدة الإرهاق، لكني قررت أن أتعشى جيدا أولا. السيد X وY، رجلان إنجليزيان كانا قد تجاوزانا في الطريق، كانا يتناولان عشاءهما معي. كان عشاء رائعا والخمر كان كذلك أيضا. حتى أننا نسينا أننا كنا متعبين، وبقينا جالسين إلى منتصف الليل نتحدث عن المغرب، ونقارن تجاربنا مع الجبال».
مسألة حي النصارى تكررت لدى أكثر من كاتب، في عز اتهامات للمناطق الجبلية المحافظة في شمال المغرب وجنوبه أيضا باختطاف الأجانب والاعتداء عليهم. وهي دليل على أن تجارب الأجانب بين المغاربة لم تكن متشابهة.
لكن هذا المعطى أوحى فعليا للريسولي بالمطالبة بالفدية، مقابل إطلاق سراح الأجانب الذين سبق له احتجازهم.
ما ميز الريسولي أنه لم يكن يلقي القبض على الأجانب بشكل عشوائي، بل إنه توسط في أكثر من مناسبة لصالح الإسبان لكي تطلق القبائل سراح الرهائن الأجانب لديها، إذ اتضح في أكثر من مرة أن الرهينة كان مديونا للقبيلة، أو معتديا على ملكية أراضيها. ومع ذلك، كان الريسولي يتدخل لصالح المفوض العام الإسباني الذي كان صديقا له، قبل أن تنقلب عليه إسبانيا وتقصف مقر حكمه في قرية «الزينات»، وتكبده خسائر بملايين الفرنكات.
حِرفة اختطاف الأجانب.. تجارة المطالبة بالفدية
من أين جاء الريسولي بفكرة اختطاف الأجانب منذ البداية؟ لقد كان الأمر يحتاج إلى ما هو أكثر من الشجاعة. وهذه الأخيرة لم يكن الريسولي ليعدمها، والأجانب الذين عرفوه، خصوصا الإسبان، كانوا يقدرون فيه هذه الخصلة.
اختطاف الأجانب لم يكن «هواية « لدى الريسولي، وإنما أوحى له بها رجال جبالة قبل سنة 1900. فقد كان الريسولي نجما بالنسبة إلى الإسبان عندما توسط لإطلاق سراح مهندس إسباني احتجزه رجال القبائل الغاضبون من أشغال مد السكة الحديد، واشترطوا الحصول على المال مقابل إطلاق سراحه. لكنهم في النهاية لم يحصلوا على أي شيء. فقد أغار عليهم الجيش الإسباني بالطائرات، وقتل أهل القرية جميعا، ومعهم الأسير الإسباني الذي رفضت الشركة المشغلة له دفع مال الفدية.
بعد ذلك، راكم الريسولي تجربة مع المخزن، أثناء تفاوضه مع الدولة مقابل حيازة الامتيازات والأموال التي خلفها القواد المتخلى عنهم.
ومع مرور الوقت، خصوصا سنة 1903، اكتسب الريسولي تجربة مهمة بعد إقدامه على اختطاف «والتر هاريس»، مراسل صحيفة «التايمز» البريطانية، الذي كان في زيارة إلى منطقة الريسولي، قبل أن يقرر الأخير سجنه، ومطالبة البريطانيين بفدية مقابل إطلاق سراحه.
هاريس قال في مذكراته إنه تعرض للتعذيب والإرهاب في قبو مظلم لدى الريسولي. بينما هذا الأخير قال إنه احتفظ بالمراسل عنده معززا مكرما، وطالب بمال مقابل حمايته له من الاغتيال على يد جبالة الغاضبين.
بعد هذه التجربة، سجن الريسولي مبعوث السلطان إليه. وهو الأسكتلندي «ماكلين» الذي خدم في الجيش المغربي وكان مستشارا عسكريا للمولى الحسن الأول، ثم للمولى عبد العزيز.
فقد جاء «ماكلين» إلى الريسولي ليس بوصفه أجنبيا، بل بوصفه مبعوثا من المخزن برتبة «قايد»، لإقامة الصلح بين الريسولي والدولة المغربية، وأحد القواد المحليين. لكن «الريسولي» اكتشف حيلة ماكرة كان ينسجها ماكلين ضده لتوريطه، فسجنه على الفور وطالب بفدية مهمة مقابل إطلاق سراحه.
تجربة الريسولي مع المطالبة بالفدية في كل مرة، كانت تكلل بالنجاح، لذلك تشجع واحتجز «بيرديكاريس» عنده.
ولو أن الرواية التاريخية تبقى غير واضحة في مسألة احتمال وجود اتفاق مسبق بين الريسولي والثري «بيرديكاريس»، خصوصا وأن النهاية كانت لصالح الثائر الريسولي، الذي حصل على مبلغ 70 ألف دولار نقدا، وهو مبلغ مالي ضخم للغاية في سنة 1904، وكانت قيمته تفوق خسائر الريسولي، بسبب القصف الإسباني، وتضييق المخزن على نفوذه ومنعه من استخلاص الضرائب، بعد أن كان الممثل الوحيد للدولة في منطقة جبالة.
المكاسب التي خرج بها الريسولي كانت مشجعة على أن يتمادى مستقبلا في احتجاز الرهائن الأجانب، لكن ما وقع أنه لم يعد نهائيا إلى هذه «العادة». وهو ما يطرح علامات استفهام أخرى حول شبهة الاتفاق والتواطؤ بينه وبين الثري الأمريكي.
هل اتفق الريسولي و«بيرديكاريس» على حادثة الاختطاف؟
هذه الفرضية طرحت أكثر من مرة، خصوصا في صفوف الدبلوماسيين الأجانب المقيمين في المغرب في الربع الأول من القرن العشرين، لكنها لم تكن مسنودة بدليل مادي يشفي غليل الذين تتبعوا الحادث عن قرب، وشدوا أعصابهم وهم يطالعون فصول يوميات الاختطاف ومطالب الريسولي مقابل إطلاق سراح «بيرديكاريس»، الثري الأمريكي من أصول يونانية.
أما مسؤولو المخزن المغاربة، باعتبار الحدث واقعة محلية، فقد كانوا يتفرجون من بعيد، سنة 1904، وهم الذين أثاروا فرضية «التواطؤ» بين الخاطف والمختطف.
بعد عشرين سنة تقريبا على الواقعة، جاءت المغامرة «روزيتا فوربس» إلى المغرب، والتقت الريسولي الذي اقترح عليها في العام 1921 أن تكتب كتابا عن حياته، وأثارت معه قضية اختطاف «بيرديكاريس».
وسبق في «الأخبار» أن ترجمنا الكتاب: «Raisuli Sultan of Mountains»، وهنا نورد المقطع المتعلق برواية الريسولي نفسه، عن الواقعة:
«أرسل السلطان مرة أخرى قوات لمحاربتي، فاحتميت في منطقة بني عروس، حيث كان كل الرجال هناك أصدقاء لي.
وقعت المْحلة في «سوير»، نواحي جبل الحبيب، ودُمرت المنطقة كلها بسبب القتال، فلجأ إليّ رجال القبائل المجاورة طلبا للحماية من المخزن، الذي أكل حصادهم وسرق ممتلكاتهم.
كان بإمكانهم الاستسلام للمخزن والاستفادة من كرم السلطان، لكن لا أحد يقوم بفعل مشابه، ربما بسبب الخوف مني. في حياتي، لم أكن محبوبا دائما، وكنت في الغالب مكروها. لكن فوق كل هذا، كنت دائما مصدر خوف.
كنت أفكر:
- كيف يمكن أن أرد لرجال بني عروس ما خسروه بسببي؟ فبدأت أختطف الأجانب وأمنح مال الفدية إلى القبائل، التي سلب المخزن ممتلكاتها.
في الأخير، فكرتُ في اختطاف أوروبي. رجل مهم، يجعل اختطافه العالم ينتبه إلى مساوئي وخطورتي. لذلك راقب رجالي الطرقات المؤدية إلى طنجة، وفي إحدى الليالي، عندما كان الظلام دامسا، تسللوا إلى دار رجل أمريكي، «بيرديكاريس». كان جالسا يقرأ، وإلى جانبه مصباح، ولم ينتبه إلى وجودهم.
اندفعوا عليه من النوافذ التي كانت مفتوحة، وجرجروه أرضا هو وقريبه الذي كان برفقته. وضعوا البنادق على أعناقهم، واقتادوهم إلى مكان الخيول التي كانت تنتظر. وقبل شروق الشمس، كانوا عندي في بني عروس.
أخيرا يمكنني بهذه الطريقة التفاوض مع السلطان، وأن أظهر إلى دول أوروبا أي نوع من الرجال ينتمي إليه الريسولي.
استقبلتُ «بيرديكاريس» في خيمة مفرشة بالسجاد وجلود الأغنام. كان العبيد في خدمته، وكانوا يحضرون له كل ما يطلبه. بعد ذلك تحدثت معه كأخ، وأخبرته بما فعله السلطان بي. في نهاية حديثي صافحني «بيرديكاريس» وقال لي:
– لقد قمتَ بما هو صائب. ولو كنت في مكانك لقمتُ بالأمر نفسه. من هذه اللحظة لم أعد سجينك، أنا مُحاميك.
بعد ذلك، كتب عددا من الرسائل إلى أوروبا وأمريكا، وشرح لهم الظروف والملابسات المحيطة بالحادث، وأرسلت إلي عائلته عددا من الهدايا.
سجنائي كانوا ضيوفي، وعاشوا في ظروف مريحة. كانوا يتمشون في الجبال. يمارسون الصيد ببنادقي، ففي «جبالة» يمكنك القيام بأنشطة كثيرة للترفيه».
بلاغة الشريف وقدراته الكلامية لا شك وأنها نومت هذا الأمريكي مغناطيسيا.
لأن «بيرديكاريس» كتب عن مرحلة أسره، قائلا:
«الريسولي رجل متعلم بمعنى الكلمة. وأستطيع القول إنني لم أندم أو أتأسف نهائيا أنني كنت يوما سجينا لديه لبعض الوقت. وأعتقد أنني لو كنت مكانه لتصرفت بالطريقة نفسها. إنه ليس قاطع طريق أو زعيم عصابة، وليس قاتلا، لكنه مناضل أُجبر على اللجوء إلى أعمال قطاع الطرق، لإنقاذ أرضه وشعبه من الاستبداد».
«بيرديكاريس».. ثري بين الاختطاف والسياحة بأراضي جبالة
حسب رواية الريسولي دائما، في سياق سنة 1904، حيث كان المخزن ينظر إليه على أنه متمرد وقاطع طريق متنطع خارج عن القانون، فقد أكد في روايته للمغامرة «روزيتا فوربس»، أنه عامل الريسولي جيدا. يقول: «عندما كان بيرديكاريس يصطاد طير «الزقزاق» الأخضر، ويأكل الكسكس فوق الأراضي التابعة لي، أرسلت الحكومة الأمريكية سبعة عسكريين إلى طنجة، ورست أيضا سفينة حربية قادمة من بريطانيا. كان السلطان يخشى على عرشه، لكنه لم يرسل جيشه لمحاربتي، فقد كانت حياة الأمريكي بين يدي.
(..) لم تكن لدي أي رغبة في أن أخسر «بيرديكاريس»، فقد كان رجلا ذا قلب طيب، وكان متفهما جدا. لكن عندما وافق مولاي عبد العزيز على الشروط، مستسلما للضغوط، أرسلته إليهم من الجبال ومعه حماية وهدايا كثيرة. في الحقيقة دفعوا مبلغا كبيرا لإطلاق سراحه. وأخيرا حصلتُ على انتقامي من حاكم طنجة، لأنني بالإضافة إلى الفدية الكبيرة (سبعون ألف دولار)، تم إطلاق سراح أصدقائي من السجن، لكي يتركوا مكانهم فيه لأعدائي، وأصبحت حاكما لكل مناطق جهة طنجة، خلفا لسيدي عبد الرحمن الذي سبق له أن خانني.
في هذه النقطة الأخيرة، كانت لدي مبررات قوية ومضاعفة. لأن البلاد كلها كانت تعاني من قسوة وظلم حاكم طنجة، وقررت أن أزيحه من منصبه وأجلس مكانه. أخيرا وصلتُ إذن إلى السلطة التي طالما رغبت في امتلاكها. ظن بعض الرجال أنني أريد المال، لكنني أخبرك الآن أن المال هو الشيء الوحيد النافع في السياسة. الرجل الذي يتوفر على مال وفير يكون لديه عدد كبير من الأصدقاء. ويُحكم على الرجل بناء على كمية المال بين يديه».
حكى الريسولي عن المكاسب التي جناها من وراء اختطاف بيرديكاريس، والحقيقة أن كليهما قد ربح. الريسولي أصبح صديقا للمخزن، وجمع سلطات لم يكن ليحلم بها وبتفويض من السلطان المولى عبد العزيز. بينما «بيرديكاريس» أصبح شخصية مشهورة وبطلا قوميا في الولايات المتحدة، ولم تكن أي جريدة لتخلو من صورة له عندما كان مختطفا. وحتى عندما أطلق سراحه، فقد توصل برسائل من الولايات المتحدة، من مئات المتعاطفين مع قضيته، وكسب شهرة ما كان لينالها بفضل ثرائه وحده. وهكذا فقد كان الطرف الخاسر الوحيد في القضية، هو الحكومة المغربية التي تكبدت غرامة ثقيلة، ومرت عليها فترة كانت فيها علاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية على المحك. بينما دفعت الولايات المتحدة الفدية، المقدرة في مبلغ 70 ألف دولار، لكنها جنت أرباح ومكاسب دبلوماسية في المقابل. بل حتى الرئيس ثيودور روزفلت، الذي وقع على أمر صرف المبلغ للريسولي، كسب هو الآخر شعبية كبيرة، وربح الانتخابات بفضل القضية التي أثارت وقتها تعاطف الأمريكيين.
خمسة أسابيع شغلت السلطان والرئيس الأمريكي
بعض المصادر المغربية ذهبت للقول إن «أيون بيرديكاريس»، في ربيع سنة 1904، كان قنصلا للولايات المتحدة الأمريكية في طنجة الدولية. وهذه الرواية تبقى غير مسنودة بدليل يؤكد الصفة، خصوصا وأن تلك الفترة كانت تعرف وجود قنصل أمريكي فعلي يزاول مهامه في مقر المفوضية الأمريكية. بينما كان «بيرديكاريس» يعيش في قصره، بقلب المنطقة الغابوية المطلة على المحيط، والبحر المتوسط.
كان «بيرديكاريس» محظوظا وهو يحوز صفقة شراء تلك المساحة الشاسعة من الأراضي لكي يؤسس فوقها قصره، و«غابته» الشخصية.
لكن بعض المصادر لمحت إلى احتمال معاناة هذا الثري الأمريكي من أصل يوناني، من ضائقة مالية في العام 1903، خصوصا وأنه لم يكن يزاول نشاطا اقتصاديا معروفا في طنجة، من شأنه تغطية نفقاته.
عندما وصل خبر اختطاف الريسولي لهذا الثري الأمريكي إلى العاصمة فاس، فقد سارع السلطان المولى عبد العزيز إلى إرسال قوة من الجيش المغربي، لإجبار الريسولي على إطلاق سراح الأسير الأمريكي، قبل أن يتطور الأمر إلى أزمة بين المغرب والولايات المتحدة.
كان الاختطاف أول رد فعل من الريسولي على قرار السلطان سابقا، والقاضي بإقصاء الريسولي الذي بات يُنظر إليه باعتباره قاطع طريق فقط وليس ممثلا سابقا للمخزن وخليفة للسلطان في منطقة جبالة الشاسعة.
خمسة أسابيع، هي مدة الاختطاف، انشغل خلالها المولى عبد العزيز بمعرفة التفاصيل اليومية، وما إن كان «بيرديكاريس» قد تعرض لاعتداء على يد الريسولي ورجاله.
وفي الوقت نفسه، كان الأمريكيون قد أرسلوا للضغط على المغرب لإجبار الريسولي على إطلاق سراح «بيرديكاريس». وتدخل البريطانيون أيضا للضغط، خوفا على رعاياهم.
لكن المولى عبد العزيز حافظ على هدوئه، وأخبر الأمريكيين رسميا أنه أرسل قوات من الجيش المغربي لإطلاق سراح الأسير، لكنه نبه عبر مبعوث إلى القنصل الأمريكي في طنجة، إلى خطورة الريسولي وإمكانية إلحاقه الأذى بالأسير في حال مواصلة الضغط.
كان ثيودور روزفلت بصدد إطلاق حملته الانتخابية للوصول إلى البيت الأبيض، عندما وصله خبر الأسير «بيرديكاريس». وهكذا بنى حملته الانتخابية على ضرورة إطلاق سراحه، وظل يصرح للصحافة بأنه بعث قوة عسكرية لإطلاق سراح بيرديكاريس «حيا»، أو جثة «الريسولي» بدلا عنه.
لكنه في الواقع لم يحرز أي تقدم على الأرض، وظل يبيع الطمأنينة للأمريكيين عبر صفحات الجرائد ويخاطب عواطفهم، ويستعرض أمامهم اهتمامه بسلامة الأمريكيين أينما كانوا.
خمسة أسابيع قضاها روزفلت في التصريح للصحف الأمريكية، وتوعد فيها الريسولي الذي لم يكن يقرأ الجرائد أصلا بالعقاب، إن لم يطلق سراح الأسير.
في الأخير، خضعت القنصلية الأمريكية لمطالب الريسولي، ورفعت إلى واشنطن شروط المختطف. ولم يكن «روزفلت» يملك خيارا آخر غير دفع الفدية، لأن قضية بيرديكاريس صارت قضية قومية، بسبب تصريحاته المتلاحقة. وكان يدرك أن أي أذى يصيب «بيرديكاريس» سوف يتحمل مسؤوليته أمام الأمريكيين.
المولى عبد العزيز، سبق له التعامل مع الريسولي، وكان يعرف جيدا مزاجية الرجل. وكان يهمه باعتباره سلطانا للمغرب، أن ينهي تكرار عمليات الاختطاف، وقرر أن يعين الريسولي خليفة له في منطقة جبالة، ويدخله في صف رجال المخزن، لكي يصبح نظاميا، بدل حالة التمرد على السلطة.
صرف الرئيس روزفلت مبلغ الفدية، المحدد في 70 ألف دولار، وحافظ على ماء وجهه أمام الأمريكيين الذين أصبح رئيسا لهم. في حين أن المولى عبد العزيز، رغم كلفة الأزمة على علاقات المغرب مع الدول الأجنبية، فقد ربح في الأخير غريما قديما للدولة، بانتقاله إلى صف خدام الدولة وممثلي السلطان، بعد تعهد الريسولي ألا يعود مرة أخرى إلى اختطاف الأجانب.










