
النعمان اليعلاوي
حلّ عيد الشغل لهذه السنة في سياق وطني ودولي دقيق، يتسم بتزايد الضغوط الاقتصادية وارتفاع كلفة المعيشة، ما أعاد الواجهة بقوة إلى النقاش حول أوضاع الشغيلة المغربية ومستقبل الحوار الاجتماعي. وبينما اختارت مختلف المركزيات النقابية تخليد فاتح ماي عبر مسيرات وخطابات جماهيرية، برزت مواقف متقاربة في الجوهر، رغم اختلاف النبرات، حيث التقت عند ضرورة تعزيز العدالة الاجتماعية وتحسين القدرة الشرائية، مع دعوات متجددة لإصلاحات عميقة وشاملة.
الاتحاد العام.. تفاقم معاناة الشغيلة
في الدار البيضاء، قاد يوسف علاكوش، الكاتب العام للاتحاد العام للشغالين بالمغرب، احتفالات مركزية عرفت حضوراً وازناً لقيادات سياسية ونقابية، من بينها الأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة. وشكلت المناسبة فرصة للتأكيد على الدور التاريخي الذي لعبته هذه المركزية في الدفاع عن حقوق الطبقة العاملة، واستعراض حصيلة الحكومة في المجال الاجتماعي.
وفي هذا السياق، شدد نزار بركة على أن الحكومة اتخذت عدداً من الإجراءات لتحسين أوضاع الشغيلة، من بينها الرفع من الحد الأدنى للأجور، وتوسيع الإعفاء الضريبي، إلى جانب دعم أسعار مواد أساسية كغاز البوتان والكهرباء. كما أشار إلى إصلاحات تهم سوق الشغل، مثل تقليص مدة العمل لأعوان الحراسة، وإطلاق برامج للتكوين المستمر لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة.
غير أن الخطاب النقابي داخل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب لم يخلُ من ملاحظات نقدية، حيث أكد يوسف علاكوش أن السنة الاجتماعية الجارية لم ترق إلى مستوى تطلعات الشغيلة، رغم بعض المكتسبات التي تحققت في إطار الحوار الاجتماعي. وأوضح أن هذه الجهود اصطدمت بواقع اقتصادي صعب، يتميز بارتفاع الأسعار واستمرار التضخم، ما أثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للطبقة العاملة.
وانتقد علاكوش ما وصفه بتغول السوق وجشع المضاربين، معتبراً أن هذه الظواهر ساهمت في تفاقم معاناة المواطنين، داعياً إلى تشديد المراقبة واتخاذ إجراءات حازمة للحد من المضاربة وحماية المستهلك.
الاتحاد المغربي.. .حوار لا يرقى للتطلعات
من جهته، قدم الميلودي المخارق، الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل، خطاباً أكثر حدة في تشخيصه للوضع الاجتماعي، معتبراً أن ما تعيشه الشغيلة المغربية يعكس اختلالات بنيوية في النموذج الاقتصادي المعتمد. وأكد أن الأزمات المتلاحقة، سواء على المستوى الدولي أو الوطني، دفعت الطبقة العاملة إلى تحمل كلفة مرتفعة، في ظل استمرار تآكل الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة.
وأشار المخارق إلى أن السياسات العمومية ظلت، في نظره، تميل إلى تغليب التوازنات الماكرو-اقتصادية على حساب العدالة الاجتماعية، ما أدى إلى اتساع الفوارق الاجتماعية وتراجع مكانة الطبقة الوسطى. كما حذر من تنامي العمل الهش واتساع القطاع غير المهيكل، معتبراً أن هذه المؤشرات تعكس هشاشة سوق الشغل وضعف الحماية الاجتماعية.
وفي ما يتعلق بالحوار الاجتماعي، عبّر الاتحاد المغربي للشغل عن تحفظه على مخرجات الجولة الأخيرة، معتبراً أنها لم ترق إلى مستوى التحديات الراهنة، ولم تستجب بشكل كافٍ لانتظارات الشغيلة. وشدد المخارق على أن الحوار الحقيقي يجب أن يفضي إلى نتائج ملموسة، تشمل الزيادة في الأجور والمعاشات، وتحقيق العدالة الجبائية، ومحاربة الاحتكار والمضاربة.
كما ركز على ضرورة حماية الحريات النقابية، في ظل ما وصفه بتنامي التضييق على العمل النقابي في بعض القطاعات، إلى جانب الدعوة إلى تحسين أوضاع فئات هشة، من بينها عمال المناولة وعمال المنصات الرقمية، الذين يشتغلون في ظروف صعبة دون حماية كافية.
الكونفدرالية الديمقراطية.. تحسين القدرة الشرائية
العلمي الهوير، الكاتب العام للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، اختار مقاربة تجمع بين النقد والدعوة إلى الإصلاح، حيث أكد أن المرحلة الحالية تفرض إعادة الاعتبار للقطاع الاجتماعي وتعزيز دوره في تحقيق التوازن داخل المجتمع.
وأوضح أن النهوض بالعمل الاجتماعي يمر عبر تقوية آليات المراقبة والتفتيش، مع توفير الإمكانيات اللازمة للأطر الاجتماعية، بما يمكنها من أداء مهامها في ظروف فعالة. كما أبرز أن المغرب يتوفر على مؤهلات مهمة لبناء نموذج اجتماعي متقدم، يقوم على الإنصاف وتسوية النزاعات بشكل عادل.
وفي السياق ذاته، شدد الهوير على أهمية الحوار الاجتماعي كآلية لتقريب وجهات النظر، لكنه دعا إلى تجاوز المعيقات التي تعرقل هذا المسار، والانتقال إلى مرحلة التنزيل الفعلي للإصلاحات. وأكد أن التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي، وارتفاع مستوى الوعي لدى المواطنين، يفرضان اعتماد مقاربة جديدة تضع العدالة الاجتماعية وكرامة المواطن في صلب السياسات العمومية.
كما جددت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل رفضها لكل أشكال المس بالكرامة الإنسانية، ودعت إلى ترسيخ ثقافة ديمقراطية حقيقية تقوم على الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، معتبرة أن تحقيق الاستقرار الاجتماعي رهين بوجود مؤسسات قوية وسياسات عادلة.
ودعا الكاتب الوطني للمركزية النقابية إلى ضرورة تحسين القدرة الشرائية، ومحاربة الغلاء، وتعزيز الحماية الاجتماعية، إلى جانب الدعوة إلى إصلاح عميق لمنظومة الحوار الاجتماعي. كما تشترك في التأكيد على أن المرحلة الحالية تتطلب قرارات أكثر جرأة، قادرة على الاستجابة لتطلعات الشغيلة وتقليص الفوارق الاجتماعية.
الاتحاد الوطني.. نضال ضد الغلاء
رفعت نقابة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب نبرة التحذير من تفاقم الأوضاع الاجتماعية، عشية الاحتفال بعيد العمال، معتبرة أن القدرة الشرائية للمغاربة بلغت مستويات “حرجة” تهدد السلم الاجتماعي.
وأكدت النقابة أن التضخم لم يعد مجرد مؤشر اقتصادي، بل تحول إلى “مقصلة حقيقية” تضرب الاستقرار الاجتماعي وتُغرق الطبقة المتوسطة وتزيد من هشاشة الفئات الفقيرة.
وانتقدت النقابة بشدة ما وصفته بـ”القصور الحكومي” في مواجهة موجة الغلاء، متهمة السلطات بالانحياز لمنطق السوق وترك المواطنين تحت رحمة ارتفاع الأسعار، خاصة في المواد الأساسية والمحروقات. وفي هذا السياق، دعت إلى إجراءات عاجلة، أبرزها زيادة فورية في الأجور، وتفعيل السلم المتحرك للأجور والأسعار لضمان حماية تلقائية للقدرة الشرائية.
كما طالبت بتسقيف أسعار المحروقات وتحديد أرباح الشركات الكبرى، ومنح مجلس المنافسة صلاحيات زجرية لمحاربة الاحتكار، إلى جانب مراجعة الضريبة على الدخل وفرض ضرائب على الثروة والأرباح الاستثنائية. ولم تغفل النقابة التحذير من رفع الدعم عن المواد الأساسية دون بدائل حقيقية، معتبرة أن ذلك سيزيد من تعميق الأزمة الاجتماعية.
وفي لهجة تصعيدية، أعلنت النقابة أن معركتها الحالية لم تعد مطلبية فقط، بل تحولت إلى “معركة حقوقية” للدفاع عن كرامة المواطن المغربي، مؤكدة استمرار نضالها تحت شعار “نضال مستمر ضد الغلاء”.





