حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةحوارسياسية

يونس السكوري: كلفة الحوار الاجتماعي ستقارب 50 مليار درهم سنة 2027

وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات في حوار مع "الأخبار"

بمناسبة الاحتفال بعيد الشغل، يقدّم يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، في هذا الحوار مع جريدة “الأخبار”، قراءة شاملة لحصيلة الحكومة في المجالين الاجتماعي والتشغيلي، مستعرضاً بالأرقام حجم المجهودات المبذولة لفائدة الأجراء والموظفين، والتي بلغت كلفتها حوالي 50 مليار درهم في إطار الحوار الاجتماعي، واستفاد منها أزيد من 4,2 ملايين شخص في القطاعين العام والخاص، ويتوقف الوزير عند أبرز المكتسبات المحققة، من زيادات في الأجور، وتحسين الحد الأدنى للدخل، ومراجعة الضريبة على الدخل، إلى جانب توسيع الحماية الاجتماعية، بما يعكس توجهاً نحو تعزيز أسس الدولة الاجتماعية، كما يسلط الضوء على التحول النوعي الذي عرفه الحوار الاجتماعي، من خلال مأسسته وتوقيع اتفاقات كبرى، وما أفرزه ذلك من إصلاحات تشريعية، أبرزها إخراج قانون الإضراب ومراجعة مدونة الشغل، فضلاً عن إجراءات عملية لتحسين ظروف العمل، من بينها إنصاف فئة حراس الأمن الخاص عبر تقليص ساعات العمل، كما يستعرض الوزير حصيلة مناصب الشغل المحدثة، خلال الولاية الحكومية الحالية.

 

حاوره: محمد اليوبي

 

  • بمناسبة الاحتفال بعيد العمال الذي يصادف فاتح ماي من كل سنة، ماذا قدمت الحكومة للموظفين والأجراء؟

الحكومة قدمت الكثير للموظفين والأجراء ويمكن الاستدلال على ذلك أولا بالأرقام. هذه الإجراءات التي جاءت في إطار الحوار الاجتماعي كلفت ما يقارب 50 مليار درهم على مدى هذه الولاية الحكومية. وهو ما يتجاوز حصيلة عدة ولايات حكومية سابقة. وعندما أقدم هذه المعطيات فإن ذلك يأتي فقط في إطار حق المواطن في أن يكون على علم بالمجهودات المبذولة في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وتكمن أهمية هذه الإجراءات في كونها تهم أزيد من 4,2 ملايين أجير وموظف في القطاعين العام والخاص (1,25 مليون في القطاع العام و3 ملايين في القطاع الخاص).

لن أستطيع أن أسرد كل ما تم تحقيقه بالتفاصيل، ولكن يمكن أن أعطيكم نبذة عن أهم ما تم تحقيقه، ففي القطاع العام تم إقرار زيادة عامة في الأجور بقيمة 1.000 درهم صافية شهرياً لفائدة 1.127.842 موظفاً من الإدارات العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية الذين لم يستفيدوا من مراجعة أجورهم.

ولقد همت هذه المكتسبات كل القطاعات ومن بينها قطاع التربية الوطنية عبر زيادة عامة في الأجور بلغت 1.500 درهم صافية شهرياً لحوالي 330.000 موظف، بكُلفة إجمالية تجاوزت 18,47 مليار درهم. كما همت قطاعات أخرى من قبيل قطاع الصحة والحماية الاجتماعية وكذلك قطاع التعليم العالي وقطاع الشغل.

وكنتيجة لهذه الإجراءات فقد ارتفع متوسط الراتب الشهري الصافي في القطاع العام من 8.237 درهماً سنة 2021 إلى 10.600 درهم سنة 2026، أي بزيادة إجمالية تبلغ +28,7 في المائة.. كما تم رفع الحد الأدنى الصافي للأجر من 3.258 درهم إلى 4.500 درهم، أي بزيادة تقارب نسبتها 50 في المائة خلال خمس سنوات. وكذا رفع حصيص الترقية في الدرجة من 33 في المائة إلى 36 في المائة، وإقرار رخصة الأبوة لمدة 15 يوماً مدفوعة الأجر في الوظيفة العمومية.

في ما يخص القطاع الخاص، فقد تم رفع الحد الأدنى القانوني للأجر في الأنشطة غير الفلاحية (SMIG) بنسبة 20 في المائة على مدى الولاية، لينتقل الأجر الشهري الخام من 2.828,71 درهم إلى 3.422,72 درهم ابتداءً من يناير 2026، أي بزيادة تقارب 600 درهم.

وتم كذلك رفع الحد الأدنى القانوني للأجر في الأنشطة الفلاحية (SMAG) بنسبة 25 في المائة، لينتقل الأجر الشهري الخام من 1.994,20 درهم إلى 2.533,44 درهم ابتداءً من أبريل 2026، أي بزيادة شهرية تقارب 540 درهم.

كما تم تخفيض شرط الاستفادة من معاش الشيخوخة من 3240 يوما أي عشر سنوات اشتراك من التأمين الى 1320 يوم أي أربع سنوات، وذلك بأثر رجعي يشمل المؤمن لهم الذين أحيلوا على التقاعد بتاريخ 1 يناير 2023.

وهمت بعض الإجراءات القطاعين العام والخاص معا من قبيل الرفع من قيمة التعويضات العائلية بالنسبة للأبناء الرابع والخامس والسادس من 36 درهما إلى 100 درهم في الشهر. وكذا مراجعة نظام الضريبة على الدخل وذلك ابتداء من فاتح يناير 2025 بالنسبة للشغيلة في القطاعين العام والخاص والتي وصلت قيمتها إلى 400 درهم بالنسبة للفئات متوسطة الدخل، مع رفع الشريحة المعفاة من 30.000 إلى 40.000 درهم سنوياً، بكُلفة إجمالية تبلغ 7,6 مليارات درهم.

وفي إطار ترسيخ أسس الدولة الاجتماعية، باشرت الحكومة إصلاحاً هيكلياً غير مسبوق لمنظومة الحماية الاجتماعية.

 

  • ونحن على مشارف نهاية الولاية الحكومية، ما هي أهم مخرجات الحوار الاجتماعي مع المركزيات النقابية وأرباب العمل؟

إن أهم مخرجات الحوار الاجتماعي خلال هذه الولاية الحكومية تمثلت في الانتقال من منطق الحوار الظرفي إلى منطق المأسسة والاستدامة، من خلال انتظام جولات الحوار والتوقيع على الاتفاقين الاجتماعيين لـ30 أبريل 2022 و29 أبريل 2024، إضافة إلى الميثاق الوطني لمأسسة الحوار الاجتماعي.

وعلى المستوى الملموس، أسفر الحوار الاجتماعي عن مكتسبات اجتماعية غير مسبوقة لفائدة الأجراء في القطاعين العام والخاص، كما مكّن الحوار الاجتماعي من تحقيق تقدم مهم على المستوى التشريعي، خاصة عبر إخراج القانون التنظيمي للإضراب بعد عقود من الانتظار والذي حدد عقوبات قاسية لكل مشغل لا يحترم حقوق المضربين، وإطلاق ورش مراجعة مدونة الشغل، بالإضافة إلى إطلاق ورش مراجعة قانون التكوين المستمر (القانون رقم 60.17)

إضافة إلى ذلك، أكدت الحكومة على التزامها بتعزيز قدرات مختلف الفاعلين في مجال الحوار الاجتماعي، واتخذت التدابير اللازمة من أجل إطلاق أكاديمية التكوين في مجال الشغل والتشغيل والمناخ الاجتماعي خلال الأسابيع القادمة من سنة 2026، وإحداث المرصد الوطني للحوار الاجتماعي، كأداة للرصد والدعم العلمي للقدرات التفاوضية قبل نهاية شهر يونيو 2026.

ومن بين النتائج المهمة أيضاً، ترسيخ السلم الاجتماعي وتعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني للاستثمار، حيث ساهم الحوار المسؤول بين الحكومة والمركزيات النقابية وأرباب العمل في الحفاظ على استقرار المناخ الاجتماعي رغم الظرفية الدولية الصعبة والتحديات الاقتصادية المتتالية.

والأهم ربما، هو أن الحوار الاجتماعي المغربي أصبح اليوم نموذجاً قائماً على الثقة والتوافق والمسؤولية المشتركة، بدل منطق التوتر والصدام… وهذا في حد ذاته مكسب استراتيجي لبلادنا.

أما بخصوص هذه السنة فقد تم الاتفاق على تعديل المادة 193 من مدونة الشغل بشكل يقلص عدد ساعات العمل بالنسبة لحراس الأمن الخاص من 12 ساعة إلى 8 ساعات وتعديل القانون رقم 60.17 المتعلق بالتكوين المستمر من أجل مراجعة حكامة منظومة بالتكوين المستمر وتمويلها.

 

  • كم ستبلغ الكلفة المالية لتنزيل مخرجات الحوار الاجتماعي ؟

الكلفة الإجمالية التراكمية لمخرجات الحوار الاجتماعي بلغت 49,7 مليار درهم، أي أكثر من ثلاثة أضعاف الولايات السابقة مجتمعة:

48,3 مليار درهم: الكلفة الإجمالية للحوار الاجتماعي في نهاية الولاية 2026،

49,7 مليار درهم: الكلفة المتوقعة في أفق 2027.

وأؤكد مرة أخرى بأن هذا المجهود هو حق المواطنين علينا وهو رقم مهم بالنظر للإكراهات الاقتصادية المرتبطة بالظرفية الدولية على الخصوص.

 

  • قمتم بتعديل مدونة الشغل في آخر عمر الولاية الحكومية، ما هي أهم هذه التعديلات؟

إن تعديل مدونة الشغل لم يكن تعديلاً ظرفياً، بل جاء تتويجاً لمسار طويل من الحوار الاجتماعي والتشاور مع المركزيات النقابية والمنظمات المهنية للمشغلين، واستجابة لتحولات عميقة يعرفها سوق الشغل المغربي.

تعديل المادة 193 من مدونة الشغل، المرتبطة بقطاع الحراسة والأمن الخاص، وهو تعديل ذو بعد اجتماعي وإنساني مهم، لأنه يهم فئة يتراوح عددها بين 130 ألف و160 ألف أجير يعملون لصالح مؤسسات تابعة للقطاع العام ومئات الآلاف يعملون في حراسة مؤسسات تابعة للقطاع الخاص.

فالمقتضيات الحالية كانت تسمح باحتساب جزء من ساعات الحضور على أنها ليست ساعات عمل فعلية، على أساس أن طبيعة العمل تتخللها فترات راحة طويلة، وهو تصور كان مرتبطاً بالحراسة التقليدية قبل سنة 2007.

لكن بعد صدور القانون رقم 27.06 المنظم لقطاع الحراسة الخاصة ونقل الأموال، أصبحنا أمام مهنة مهيكلة ومؤطرة قانونياً، تفرض حضورا مستمرا، وتكوينا إلزاميا، وترخيصا مهنيا، واحترام ضوابط مهنية صارمة، دون وجود فترات راحة فعلية كما كان في السابق.

لذلك جاء التعديل من أجل إقرار مبدأ بسيط وواضح: الأجير الذي يشتغل 12 ساعة يجب ألا يُؤدى له على أساس 8 ساعات فقط. ولهذا تم الاتفاق، في إطار الحوار الاجتماعي، على تخفيض مدة العمل اليومية من 12 ساعة إلى 8 ساعات بالنسبة لأجراء شركات الحراسة الخاصة، بما يضمن عدالة أكبر في الأجر ويحسن ظروف العمل ويحفظ الكرامة المهنية لهذه الفئة وبلغة مباشرة رفع هذه الحكرة على هذه الشريحة الواسعة من الشغيلة.

التوصل لهذا الاتفاق لم يكن سهلا لأن تطبيقه يحمل في طياته مجموعة من الانعكاسات الاقتصادية والمالية خصوصا على المقاولات والقطاع العام. وفي هذا الإطار أود أن أنوه بالروح الوطنية العالية التي أبان عنها جميع الشركاء الاجتماعيين من حكومة ونقابات ومقاولات من أجل رفع هذا الحيف الكبير على هذه الفئة من المواطنين، كما أن أهمية هذا الإجراء تكمن في قاعدة المستفيدين التي تعد بعشرات الآلاف وهذا الإصلاح يجسد وفاء الحكومة بالتزاماتها الواردة في اتفاق 29 أبريل 2024، ويعكس إرادة حقيقية لجعل الحوار الاجتماعي آلية لإنتاج إصلاحات ملموسة تمس الحياة اليومية للأجراء، وليس فقط إطاراً للنقاش النظري.

 

  • أنصفتم فئة حراس الأمن الخاص بتخفيض ساعات العمل، لماذا هذه الفئة بالضبط، وكم عدد المستفيدين من هذا الإجراء؟

لقد حرصت الحكومة على إنصاف فئة حراس الأمن الخاص لأنها تُعد من أكثر الفئات التي تعاني من الهشاشة داخل سوق الشغل، رغم الدور الحيوي الذي تقوم به في حراسة الإدارات والمؤسسات العمومية والمستشفيات والمؤسسات التعليمية والأبناك والمنشآت الصناعية والتجارية.

فهذا القطاع يشغل، وفق التقديرات المتداولة، ما بين 130 ألفا و160 ألف عون حراسة يشتغلون لصالح مؤسسات تابعة للقطلع العام ومئات الآلاف يعملون لدى مؤسسات تابعة للقطاع الخاص، في حين تشير تقديرات الهيئات النقابية إلى أن العدد الإجمالي للعاملين، بما في ذلك الأنشطة غير المهيكلة، قد يتجاوز مليون حارس أمن. كما يُقدَّر عدد الشركات غير المهيكلة أو غير المصرح بها بحوالي 50 ألف شركة، وهو ما يعكس حجم الاختلالات التي يعرفها القطاع والحاجة الملحة إلى إصلاحه وتنظيمه ومحاربة المنافسة غير المشروعة.

ومن الأمثلة الدالة على أهمية هذه الفئة، أن حوالي 16 ألف عون حراسة يشتغلون بقطاع التعليم العمومي وحده، إضافة إلى أعداد كبيرة جداً بالمستشفيات والمؤسسات الصحية، فضلاً عن آلاف الأعوان العاملين بالجماعات الترابية وباقي المؤسسات العمومية والقطاع الخاص.

 

  • بحكم إشرافك على قطاع التشغيل، ما هي في نظرك المواد التي تحتاج إلى مراجعة والتعديل؟

هناك عدد من المقتضيات التي أرى، بحكم الإشراف على قطاع التشغيل ومتابعة تحولات سوق الشغل، أنها أصبحت تحتاج إلى مراجعة وتحيين حتى تواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي يعرفها المغرب والعالم.

أولاً، هناك مقتضيات مرتبطة بالأشكال الجديدة للعمل، لأن مدونة الشغل الحالية وُضعت في سياق اقتصادي مختلف قبل أكثر من عشرين سنة، بينما اليوم أصبحنا أمام واقع جديد مرتبط بالعمل عن بعد، والمنصات الرقمية، والعمل الحر، والاقتصاد الرقمي، وهي مجالات تحتاج إلى تأطير قانوني يحمي الحقوق ويضمن المرونة في الوقت نفسه.

ثانياً، هناك حاجة إلى مراجعة بعض المقتضيات المرتبطة بمدة الشغل وتنظيم الوقت المهني، خاصة في بعض القطاعات التي تعرف خصوصيات مهنية أو تحولات كبيرة، كما هو الحال بالنسبة للعمل الموسمي، بهدف تحقيق توازن أفضل بين الإنتاجية وكرامة الأجير والصحة المهنية.

ثالثاً، نعتبر أن تعزيز المفاوضة الجماعية والحوار داخل المقاولة أصبح ضرورة، لأن التجارب الدولية أثبتت أن الاستقرار الاجتماعي لا يُبنى فقط بالقوانين، بل أيضاً بوجود آليات دائمة للحوار والتفاوض والوساطة داخل فضاءات العمل.

رابعاً، هناك مقتضيات مرتبطة بتبسيط المساطر وتحسين الأمن القانوني، سواء بالنسبة للأجراء أو للمقاولات، لأن تعقيد بعض الإجراءات يخلق أحياناً نزاعات كان يمكن تفاديها، ويؤثر على جاذبية الاستثمار وإحداث فرص الشغل.

كما نعتبر أن قضايا الصحة والسلامة المهنية يجب أن تأخذ حيزاً أكبر داخل المنظومة القانونية، خاصة في ظل توسع بعض القطاعات الصناعية والخدماتية وظهور مخاطر مهنية جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا والرقمنة.

وفي المقابل، نحن واعون أن أي مراجعة لمدونة الشغل يجب أن تحافظ على التوازن الدقيق بين حماية الحقوق الاجتماعية وتشجيع الاستثمار والمقاولة، لأن الرهان اليوم ليس فقط حماية من يشتغل، بل أيضاً خلق فرص شغل جديدة للشباب والنساء والفئات الهشة.

 

  • دبرتم العديد من جلسات الحوار، كيف كانت الأجواء التي تنعقد فيها هذه الجلسات؟

بصراحة، ما ميّز جلسات الحوار الاجتماعي خلال هذه الولاية هو أنها لم تكن مجرد لقاءات بروتوكولية أو مناسبات لتبادل المواقف الجاهزة، بل كانت فضاءات حقيقية للنقاش الصريح والمسؤول، تُطرح فيها الملفات الاجتماعية الكبرى بكل وضوح، أحياناً بنقاشات صعبة وحادة، لكن دائماً في إطار الاحترام المتبادل والإحساس المشترك بمصلحة الوطن.

طبعاً، عندما نتحدث عن الأجور أو التقاعد أو مدونة الشغل أو القدرة الشرائية، فمن الطبيعي أن تكون هناك اختلافات في الرؤى والمواقف، لأن كل طرف يدافع عن انتظارات ومصالح الفئة التي يمثلها. لكن ما كان مهماً هو وجود إرادة جماعية للحفاظ على الحوار وعدم السقوط في منطق القطيعة أو التصعيد.

وأعتقد أن ما ساعد كثيراً على خلق هذه الأجواء الإيجابية هو عودة الثقة بين مختلف الأطراف، بعد سنوات كان فيها الحوار الاجتماعي يعرف نوعاً من التوتر أو عدم الانتظام. نحن حرصنا على احترام الالتزامات، وعلى الإنصات الحقيقي للمطالب، وعلى اعتماد مقاربة تشاركية في إعداد الإصلاحات، وهذا خلق دينامية جديدة داخل الحوار.

كما أن الأجواء كانت في كثير من الأحيان وطنية بامتياز، لأن الجميع كان واعياً بأن الظرفية الدولية والاقتصادية صعبة: تضخم، جفاف، تداعيات الأزمات الدولية… وبالتالي كان هناك إدراك بأن الحفاظ على السلم الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي مسؤولية جماعية.

وفي الحقيقة، رغم اختلاف المواقع، كانت هناك لحظات يُحس فيها الإنسان أن جميع الأطراف، حكومة ونقابات ومشغلين، يجلسون حول نفس الطاولة ليس فقط للتفاوض، بل أيضاً لحماية التوازن الاجتماعي للبلاد.

وطبعاً، كانت بعض الجلسات تمتد لساعات طويلة جداً، وأحياناً يكون الاتفاق على فاصلة أو كلمة أصعب من الاتفاق على الفكرة نفسها… لكن هذا جزء طبيعي من أي حوار اجتماعي جدي ومحترم.

المهم هو أننا جئنا بصيغة جديدة للحوار مفادها استبدال المقايضة marchandage بالمفاوضة négociation وكذلك إعادة المصداقية للحوار الاجتماعي عبر احترام الالتزامات أو “الكلمة” كما نقول بالدارجة.

 

  • مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، كيف كانت تجربتك في الحكومة وخصوصا أنك تدبر قطاعا فيه الكثير من الحساسيات؟

كانت تجربة استثنائية بكل المقاييس، لأنها جمعت بين صعوبة الظرفية وحساسية القطاع في الآن نفسه وتتطلب تمالكا كبيرا للأعصاب.

فقطاع التشغيل والحوار الاجتماعي ليس قطاعاً تقنياً عادياً، بل هو قطاع يوجد يومياً في قلب انتظارات المواطنين، لأنه يرتبط مباشرة بالشغل، والقدرة الشرائية، والاستقرار الاجتماعي، وكرامة الناس.

تدبير هذا القطاع بنجاح يتطلب استعدادا للتواصل والحوار، وقدرة على الانفتاح وفهم الآخر كما يتطلب تملكا لمختلف الرهانات عبر قراءة أفقية شاملة لمتطلبات السياسات العمومية.

منذ بداية الولاية، كنا أمام تحديات كبيرة ومتراكمة: آثار جائحة كوفيد على سوق الشغل، سنوات الجفاف، ارتفاع التضخم، تنامي انتظارات الشباب، وضعف مشاركة النساء في سوق العمل، إضافة إلى الملفات الاجتماعية الثقيلة المرتبطة بالأجور والتقاعد ومدونة الشغل والحماية الاجتماعية. وبالتالي، كان علينا أن نشتغل في سياق دقيق يتطلب التوازن بين البعد الاجتماعي والواقعية الاقتصادية.

صراحة، تدبير هذا القطاع أكد لي أن الحوار ليس فقط آلية للتفاوض، بل هو أيضاً وسيلة لبناء الثقة وتخفيف التوترات وحماية الاستقرار. وكانت هناك لحظات صعبة جداً داخل بعض جولات الحوار الاجتماعي، لأن المطالب كانت كبيرة والإمكانيات ليست دائماً بنفس الحجم، لكن ما ساعد على تجاوز كثير من الصعوبات هو وجود روح وطنية ومسؤولية مشتركة لدى مختلف الأطراف.

كما أن هذه التجربة أكدت لي أن الإصلاحات الاجتماعية الكبرى لا يمكن أن تُدار بمنطق الشعبوية أو القرارات السهلة، لأن أي قرار غير متوازن قد يؤثر على الاستثمار أو على مناصب الشغل أو على التوازنات المالية للدولة. ولهذا كنا نشتغل دائماً بمنطق البحث عن حلول واقعية ومستدامة، حتى وإن كانت أحياناً تحتاج وقتاً أطول.

وفي المقابل، كانت هناك أيضاً لحظات اعتزاز حقيقية: عودة انتظام الحوار الاجتماعي، التوقيع على اتفاقات اجتماعية مهمة، تحسين دخل ملايين الأجراء، توسيع الحماية الاجتماعية، وإطلاق إصلاحات كبرى في التشغيل والتكوين المهني وآخرها رفع الحيف على مئات الآلاف من حراس الأمن الخاص.

وأعتقد أن أهم ما يميز هذه التجربة هو أنها جعلتني أعيش يومياً نبض المجتمع المغربي انتظاراته وآماله. لأنك في هذا القطاع لا تتعامل مع أرقام فقط، بل مع قصص بشرية حقيقية: شاب يبحث عن فرصة، أسرة تنتظر تحسناً في الدخل، مقاولة تحاول الحفاظ على مناصب الشغل، ونقابي يدافع عن فئة اجتماعية يشعر بمسؤولية تجاهها.

في النهاية، رغم صعوبة المسؤولية وضغطها، يبقى الشعور الأهم هو الإحساس بأنك ساهمت، ولو بجزء بسيط، في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي ودفع بعض الأوراش الإصلاحية إلى الأمام… وهذا في حد ذاته شرف ومسؤولية كبيرة.

 

  • الحكومة قدمت وعودا في برنامجها، بخلق مليون منصب شغل، هل نجحتم في ذلك؟

يجب التعامل بموضوعية مع موضوع التشغيل، لأن الحكومة عندما تحدثت عن هدف إحداث مليون منصب شغل، كانت تطرح طموحاً استراتيجياً في ظرفية استثنائية اتسمت بتداعيات جائحة كوفيد، وتوالي سنوات الجفاف، وارتفاع التضخم العالمي، والتوترات الجيوسياسية التي أثرت على مختلف الاقتصادات، بما فيها الاقتصاد المغربي.

ورغم هذه التحديات، فإن المؤشرات تُظهر أن سوق الشغل الوطني عرف خلال الفترة 2021-2025 تطوراً إيجابياً ونوعياً، بفضل السياسات العمومية المعتمدة في مجالات إنعاش التشغيل، وتحفيز الاستثمار، وتوسيع الحماية الاجتماعية، ومواكبة المقاولة الوطنية والقطاع الخاص المنظم.

وتُظهر هذه المعطيات أن الاقتصاد الوطني تمكن، خلال الفترة 2021-2025، من إحداث حوالي 851 ألف منصب شغل في القطاعات غير الفلاحية، خاصة الخدمات والصناعة والبناء والأشغال العمومية، رغم فقدان حوالي 527 ألف منصب بقطاع الفلاحة نتيجة توالي سنوات الجفاف. وقد تمكنت الحكومة من خلق 170,000 منصب شغل سنويا في النشاطات غير الفلاحية في المتوسط مقابل 90 ألف منصب شغل بالنسبة للحكومة السابقة و60 ألف منصب شغل بالنسبة للحكومة الأسبق.

وخلال سنة 2025 وحدها، عرف سوق الشغل انتعاشاً واضحاً، حيث تم:

إحداث حوالي 193 ألف منصب شغل صافٍ على الصعيد الوطني، مقابل 82 ألف منصب فقط سنة 2024؛ وإحداث حوالي 233 ألف منصب شغل في القطاعات غير الفلاحية؛ وتقليص فقدان مناصب الشغل في القطاع الفلاحي إلى 41 ألف منصب فقط، مقابل 137 ألف منصب مفقود سنة 2024.

كما سجلت مؤشرات جودة التشغيل تحسناً مهماً، حيث ارتفع عدد مناصب الشغل المؤدى عنها بحوالي 809 آلاف منصب خلال الفترة 2021-2025، مقابل تراجع الشغل غير المؤدى عنه بـ486 ألف منصب. وخلال سنة 2025 فقط، تم إحداث 249 ألف منصب شغل مؤدى عنه، مقابل تراجع الشغل غير المؤدى عنه بـ55 ألف منصب، وهو ما يعكس انتقالاً تدريجياً نحو شغل أكثر استقراراً وكرامة.

ويُضاف إلى هذه الدينامية الإيجابية، الدور المهم الذي لعبه ميثاق الاستثمار الجديد في تعزيز إحداث فرص الشغل وتحفيز الاستثمار المنتج. ففي هذا الإطار، تمت المصادقة على 381 مشروعاً استثمارياً بأهداف تشغيلية تناهز 245.500 منصب شغل مباشر وغير مباشر، وهو ما يعكس الدور المحوري لهذا الميثاق في تشجيع المبادرة الاستثمارية الوطنية والدولية.

ومن المؤشرات الإيجابية كذلك، تراجع معدل البطالة من 13,7 في المائة إلى 13 في المائة سنة 2025؛ وانخفاض بطالة حاملي الشهادات من 19,6 في المائة إلى 19,1 في المائة؛ وتراجع البطالة بالوسط الحضري من 16,9 في المائة إلى 16,4 في المائة؛

كما سجل عدد الأجراء المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ارتفاعاً بحوالي 740 ألف أجير خلال الفترة 2021-2024، وهو مؤشر مهم على توسع الشغل المهيكل.

وفي موازاة ذلك، شهدت بلادنا دينامية قوية في مجال الاستثمار والمبادرة المقاولاتية، حيث تم تسجيل رقم قياسي في عدد المقاولات المُحدثة سنة 2025 بلغ 109.644 مقاولة، بارتفاع يفوق 14,6 في المائة مقارنة بسنة 2024.

طبعاً، نحن لا ندعي أن إشكالية التشغيل تم حلها بشكل كامل، لأن بطالة الشباب والنساء وحاملي الشهادات ما تزال تشكل تحدياً وطنياً كبيراً، لكن من الإنصاف أيضاً القول إن الحكومة استطاعت، رغم ظرفية صعبة وغير مسبوقة، الحفاظ على دينامية الاقتصاد الوطني وإعادة تحريك سوق الشغل تدريجياً، مع التركيز ليس فقط على عدد المناصب، بل أيضاً على جودة واستدامة فرص الشغل.

 

 

 

نوافذ

 

أهم مخرجات الحوار الاجتماعي خلال هذه الولاية الحكومية تمثلت في الانتقال من منطق الحوار الظرفي إلى منطق المأسسة والاستدامة، من خلال انتظام جولات الحوار وتوقيع اتفاقين اجتماعيين إضافة إلى الميثاق الوطني لمأسسة الحوار الاجتماعي

 

من المؤشرات الإيجابية كذلك، تراجع معدل البطالة من 13,7 في المائة إلى 13 في المائة سنة 2025؛ وانخفاض بطالة حاملي الشهادات من 19,6 في المائة إلى 19,1 في المائة؛ وتراجع البطالة بالوسط الحضري من 16,9 في المائة إلى 16,4 في المائة

 

شهدت بلادنا دينامية قوية في مجال الاستثمار والمبادرة المقاولاتية، حيث تم تسجيل رقم قياسي في عدد المقاولات المُحدثة سنة 2025 بلغ 109.644 مقاولة، بارتفاع يفوق 14,6 في المائة مقارنة بسنة 2024.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى